عدنان سمور: أميركا تتقيَّأ فكر الغرب الاستشراقي

المهندس عدنان سمور
المهندس عدنان سمور


الفصل الأول : نشوء المشروع الاستشراقي وتطوره : من "عبء الرجل الأبيض" إلى الهيمنة الأميركية

لم يكن الاستشراق في أصله الغربي مجرد حركة أكاديمية أو شغف فكري باستكشاف الآخر وتاريخه، بل ولد في رحم الطموح التوسعي وعبر تقاطع مكشوف مع الفكر الاستعماري. لقد تأسس المشروع الاستشراقي على صياغة ثنائية حدية تقسم العالم إلى مركز غربي عقلاني ومتقدم، وشرق متخلف، متعصب، وغير قادر على إدارة شؤونه بنفسه. وتحت وطأة هذه الرؤية الموجهة، تم اختزال الإنسان الشرقي في صورة الكائن الذي يحتاج إلى من يروضه ويكبح اندفاعاته البدائية، وهي المهمة التي أُوكلت للرجل الأبيض الذي أضفى على أدوار السيطرة والنهب غلافاً من التضحية والرسالية.

وقد تجلت هذه الاستراتيجية الفكرية بأوضح صورها في الأدب الاستعماري الذي صاغ المبررات الأخلاقية للهيمنة، كما ورد في قصيدة روديارد كيبلينغ الشهيرة «عبء الرجل الأبيض» (The White Man's Burden). صور كيبلينغ الشعوب المستعمرة بعبارته المقيتة بأنهم «نصف شياطين ونصف أطفال»، في تناقض حاد وكاشف للذهنية الاستعمارية؛ إذ كيف يستقيم الجمع بين الفكر الشيطاني القائم على الخداع والمكر والجريمة، وبين الفكر الطفولي الذي يمثل البراءة الفطرية والسعي التلقائي لاكتشاف العالم؟ إن هذا التناقض المعرفي لم يكن خطأً تعبيرياً، بل كان ضرورة وظيفية لشرعنة السيطرة؛ فالصفة الشيطانية تُبرر القسوة والبطش العسكري، بينما الصفة الطفولية تُبرر الوصاية الحِجرية وحرمان هذه الشعوب من حق تقرير المصير.

ولم تقف هذه الادعاءات عند حدود التظهير الأدبي، بل تحولت إلى سلوك سياسي وعسكري ميداني. فعندما غزا نابليون بونابارت مصر عام 1798، لم يكتفِ بجيشه العسكري، بل اصطحب معه فيلقاً من الخبراء والمستشرقين والمطابع، ومارس خديعة استشراقية فاقعة حين أدعى في مناشيره أنه «المسلم الحقيقي» الذي جاء ليخلص المصريين من ظلم المماليك وليدمر نفوذ البابا والكرسي الرسولي الذي حارب الإسلام لقرون. كانت هذه الحادثة نموذجاً مبكراً لكيفية استخدام المعرفة الاستشراقية كأداة اختراق وتخدير للمجتمعات الشرقية وتغليف الغزو العسكري بشعارات التحرير والتودد الظاهري.

مع مرور الوقت، امتد المشروع الاستشراقي وتغلغل في كافة مفاصل الإنتاج الفكري والفني الغربي، وصاغ المناهج التعليمية والمنظومات الإعلامية، وصولاً إلى فرض التجربة الغربية كنموذج حضاري وحيد ومطلق، على الشرق تقليده والامتثال له للالتحاق بعجلة الحضارة، مع الإلغاء الكامل لخصوصياته الثقافية والإنسانية والأخلاقية والتاريخية والإيمانية .

ومع أفول الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية وانتقال قيادة الغرب الجماعي إلى الولايات المتحدة الأميركية، جرى تطعيم هذا المشروع الاستشراقي بالخبرة الأميركية الخاصة القائمة في أصلها التأسيسي على الإبادة الجماعية لشعوب أميركا الأصلية واستعباد الأفارقة. واليوم، تبسط واشنطن نفوذها عبر نشر الحروب والأزمات على تخوم الشرق في أوكرانيا وغرب آسيا وشمال افريقيا ، مدعية حرصها على بناء «نظام عالمي مستقر» وتقديم مشروعات « السلام والازدهار»، بينما هي في حقيقتها تجتر وتتقيأ أسوأ ما أنتجه الفكر الاستشراقي الغربي من عنصرية، وتحيز، وشرعنة للجريمة والتوحش تحت عناوين نشر المدنية والحضارة.

الفصل الثاني : *افتراءات الاستشراق وممارسة التوحش الغربي* : تفكيك الادعاءات بالحقائق

يسعى الاستشراق الغربي عبر تراثه المكتوب ونتاجه الفني والإعلامي وأدائه السياسي إلى إلصاق جملة من الصفات الدونية بالإنسان الشرقي. وبمراجعة واقعية للممارسة الغربية المعاصرة، تتكشف هذه الادعاءات عن تزييف منظم ومفاضلة مقلوبة:

1. *ادعاء التوحش مقابل الإبادة الجماعية الغربية*

يدعي الفكر الاستشراقي أن الإنسان الشرقي كائن متوحش يميل للقتل والدموية. غير أن الوقائع الميدانية المتلفزة تعكس صورة مغايرة تماماً؛ حيث يمارس الغرب الجماعي بقيادة أميركية أعتى صور الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. وما شهدته وتشهده أفغانستان، والعراق، واليمن، وليبيا، والسودان، وصولاً إلى حرب الإبادة والتدمير الشامل في فلسطين ولبنان، إضافة إلى الاعتداءات على إيران والحروب بالوكالة في أوكرانيا، كل ذلك جرى ويجري بأسلحة أميركية، وتمويل مباشر، وغطاء سياسي ودبلوماسي غربي كامل. إن ممارسة القتل على مرأى من العالم تثبت أن التوحش البنيوي هو صفة متأصلة في السلوك الإمبراطوري الغربي، وليس في ثقافة ضحاياه.

2. *ادعاء الفوضوية والعداء للنظام مقابل تعطيل المؤسسات الدولية*

يتهم المستشرقون الإنسان الشرقي بأنه فوضوي وتائه وعاجز عن احترام النظام والقانون. لكن المشهد الدولي الراهن يظهر أن واشنطن وحلفاءها هم من يعطلون المنظومة الدولية الناظمة لعلاقات الدول وحقوق الإنسان.

لقد أفرغت الولايات المتحدة مجلس الأمن الدولي من مضمونه عبر استخدام حق النقض (الفيتو) المتكرر لحماية الاعتداءات والجرائم الصهيونية والغربية في فلسطين ولبنان وإيران، واختزلت "النظام الدولي" في رغبتها بالهيمنة الاقتصادية منوخلال فرض العقوبات الأحادية. فالغيبوبة القانونية التي يمر بها العالم هي نتاج مباشر للسلوك الأميركي الذي استبدل سيادة القانون بـ "قانون الفوضى الإمبراطورية".

3. *ادعاء احتقار المرأة وتشييئها مقابل الفساد الهيكلي في مؤسسات الغرب*

يدعي الاستشراق أن الشرقي ينظر للمرأة بشهوانية واحتقار ويجردها من حقوقها الإنسانية. بينما تكشفت الحضارة الغربية المتباهية بالحريات عن شبكات شيطانية منظمة مثل "فضائح إبستين"، والتي تورطت فيها شخصيات سياسية، واقتصادية، وأكاديمية نافذة تشكل صلب "النخبة" الغربية. لقد كشفت هذه القضايا عن انتهاكات ممنهجة لحرمة النساء والأطفال، وممارسات تقع في قلب تجارة البشر والأعضاء، في ظل عجز شلل قضائي وسياسي عن محاسبة الكبار. إن مقارنة السلوك الفردي أو الاجتماعي الشرقي المبني على صون العرض والأسرة مع هذا الانحطاط الممنهج المحمي بالنفوذ، تجعل السؤال منطقياً: من هو الحامل الفعلي للصفات الدونية والانتهاكية للإنسان؟

4. *ادعاء هامشية الشرقي في الحضارة مقابل الشواهد التاريخية لتأثير الإسلام في التنوير*

يروج المؤرخون المستشرقون لمقولة مفادها أن الشواهد العلمية والتقنية والاجتماعية هي حصيلة حصرية للعبقرية الغربية المنحدرة من الجذر الإغريقي والروماني، وأن الشرق لم يكن سوى هامش مستهلك. وللرد على هذا الادعاء المضلل، يقدم الباحث ذو الفقار علي شاه في كتابه «إسلام التنوير الإنجليزي: القصة غير المروية» (Islam and the English Enlightenment) شواهد موثقة تثبت العكس:

• *تأثير الفلسفة ورواية "حي بن يقظان"* : أثرت ترجمة أطروحة ابن طفيل إلى الإنجليزية مباشرة في فلسفة العقل لدى جون لوك، وفي الحركة "الكوينكرز"، وفي الفكر الأدبي الإنجليزي (مثل روبنسون كروزو لـ دانيال ديفو)، حيث أثبتت إمكانية التوصل للحقيقة والأخلاق عبر العقل والتفكر دون وساطة كنسية.

• *استلهام المنهج التجريبي*: اعتمد علماء الفلك والرياضيات في أكسفورد وكامبريدج—ومنهم إسحاق نيوتن وروبوت بويل—على الترجمات العربية ومخطوطات ابن الهيثم وابن رشد وابن سينا لتأسيس المنهج العلمي التجريبي.

• *الفكر السياسي والتسامح*: استوعب جون لوك مفاهيم التسامح الديني والعقد الاجتماعي من الاطلاع على التجربة الفقهية والسياسية الإسلامية وحالة التعايش في الأندلس والدولة العثمانية.

• *اللاهوت التوحيدي والآباء المؤسسون*: ساهمت، العقيدة الإسلامية التوحيدية في تغذية التيار اللاثالوثي (Unitarianism) في إنجلترا، ويمتد هذا الأثر إلى الآباء المؤسسين لأمريكا كـ توماس جيفرسون وبنجامين فرانكلين اللذين اقتنيا نسخاً من القرآن واستفادا منه في صياغة بند الحرية الدينية.

5. *ادعاء العجز عن الرقي الذاتي مقابل سياسات الحصار والاحتواء*

يدعي الفكر الاستشراقي أن الإنسان الشرقي عاجز عن التطور والنهوض دون توجيه ووصاية من الغرب. إلا أن التجربة المعاصرة تثبت أن الغرب الجماعي يسعى جاهداً لتطويق أي تجربة نهوض مستقلة وتدميرها. وتعد المحاولات الأميركية المستمرة لاحتواء وتطويق صعود الصين، وحصار روسيا، واستهداف إيران، أمثلة جليّة على الرفض الغربي المطلق لولادة قطبية متعددة. كما أن زرع الفتن، وفرض العقوبات، وإشعال الأزمات في دول كالعراق، واليمن، ولبنان، يستهدف بالأساس منع هذه الشعوب من استثمار مواردها وتحقيق استقلالها الحضاري والسياسي.

*الخلاصة*

يقف العالم اليوم عند مفترق طرق تاريخي وحاسم؛ حيث تتصاعد المواجهة بين شرق ناهض يسعى لكسر قيود الهيمنة الاستعمارية وتفكيك المنظومة المفاهيمية للاستشراق، وبين غرب مأزوم تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية، لا يملك لمواجهة هذا التحول التاريخي سوى اجترار مقولات الاستشراق البائدة وتقيؤها في صورة سياسات عسكرية وبطش اقتصادي.

إن حالة المكابرة الغربية ورفض الاعتراف بالواقع الدولي المتغير لن تغير من حقيقة أن الأقنعة قد سقطت، وأن الادعاءات الغربية حول حقوق الإنسان، وسيادة القانون، والمهمة الحضارية، قد تهاوت أمام صمود الشعوب ووعيها. وإن تجديد الأدوات الاستشراقية وتغليفها بشرعيات دولية زائفة لن يحمي منظومة الهيمنة من الأفول أمام إرادة مجتمعات الشرق الشائقة إلى الاستقلال، والتنمية، والحضور الحضاري المتكافئ.

ع.إ.س

باحث عن الحقيقة

09/10/2026