كامل جابر: حلّاقو النبطيّة… صندوق أسرار المدينة وحكاياها.. ”قادةٌ قصّوا هنا“


لا تستوي مدينة من دون حلّاقيها، فشعور رؤوس البَريّة ولحاهم تسجدي المقصّ كي يصلح الهندام ويتمّمه. هكذا، كان الحلّاقون جزءاً لا يتجزّأ من حياة مدينة النبطيّة التي تشرق نهاراتها على التجارة وعجقة الروّاد وازدحام السيّارات، طبعاً، بعيداً من الحرب وتداعيتها، إذ إنّ المدينة خارج الاعتداءات الإسرائيليّة التي بدأت تطالها منذ العام 1974، كانت مدينة حيويّة منفتحة منذ مطلع القرن العشرين، وقبله منتصف القرن التاسع عشر، تتوافر لسكّانها مختلف المصالح التي جعلت منها سوقاً دائمة تُوائم موقعها الجغرافيّ المهمّ ودورها في صلة الوصل الجامعة، تضاف إليها سوق الإثنين الأسبوعيّة التي تستقطب في مختلف نواحيها وأرجائها من كلّ حدب وصوب.

ولأنّ النبطيّة منذ تاريخها القديم كانت عاصمة السائقين ”الشوفريّة“ والمواصلات، جعلتها هذه الميزة قِبلة الساعين إلى تسهيل حياتهم في الانتقال والبيع والشراء وفي التوافد إليها طلباً للعلم والوظيفة والطبابة وغيرها من المصالح التي أهّلتها كي تكون عاصمة القائمقاميّة ثمّ المحافظة فقلب جبل عامل.

من هنا انتشر الحلّاقون منذ بداياتهم في ساحة النبطيّة وحولها، يتكاثرون ويتفرّعون، جيلاً تلو جيل، حتّى توارثوا الحرفة إلى خمسة أجيال وستّة وربّما سبعة، إذ كانت المهنة ولّادة تتداخل فيها أجيال الحلّاقين من أعمار متقاربة ومتباعدة، فتقع تحت أيديهم ”أكبر“ الرؤوس و“أصغرها“، من ثلّة السياسيّين والحزبيّين ورجال الدين، إلى المعلّمين والفنّانين، والأطبّاء والمهندسين، والسائقين وركّاب سيّاراتهم، وطلبة الجامعات والثانويّات، وصولاً إلى العاطلين من العمل.

في أثر الأوائل

لم تكن مهمّة تتبّع سيرة الحلّاقين وأثرهم في النبطيّة سهلة، إذ إنّ الذاكرة الحيّة بعيداً من التوثيق المخطوط أو المكتوب الذي لم ينطوِ على ذكرهم إلّا ما ندر، ما عادت في إمكانها حصر مجريات دورة الحياة المدينيّة مطلع القرن الماضي واسترجاعها بتفاصيلها، وقد باتت سنيّ مطلع القرن على قاب قوسين أو أدنى من الـ130 عاماً، بخاصّة بعد غياب معظم أجيال الثلاثينيّات والأربعينيّات من القرن العشرين، التي ربّما كان يمكنها أن تمدّ المعرفة بأسماء الأوائل من الحلّاقين وسيَرهم. إنّما وعلى رغم ذلك، جرى تتبّع بعض الحكايا، وإحصاء قسم لا بأس به، من ”مزيّني“ النبطيّة، نسبة إلى اللقب الدارج الذي يلي التسمية الأسمى، الحلّاقين، ما يدلّل على شأنهم في روح المدينة وحياتها.

كانت أخبار النبطيّة على تنوّعها وأحداثها تتجمّع لدى حلّاقيها، تتسرّب من مختلف الأحياء إليهم، ومن زبائن متعدّدي الحرف والمهن والوظائف. يلقي الحلّاقون على القادمين إليهم سحرهم بأسئلة ناعمة وكلام حلو جميل، وأخبار سريعة من النوع الجاذب، تتحوّل مادة لإغواء الزبون في مزيد منها، فيسترخي ويستسلم بين يديّ حلّاقه، وكي يثبت له بأنّه كمزيّنه يعرف أخباراً مماثلة، يلقي ما في جعبته فتمتلئ خزنة الحلّاق بما يكفيه نهار عمل أو إلى نهارات أخرى.

لكنّ الحلّاقين كانوا يجيدون كذلك فنّ الاحتفاظ بأسرار الزبائن، ولا سيّما عندما تكون من النوع الثقيل الذي لا يحتمل إفشاءً، فغدَوا خَزَنة للحكايا ووصندوقاً للأسرار التي كانت تدور هنا وهناك، وأهلاً للثقة.

الشطارة بعنكفة الشاربين

جمع بعض حلّاقي النبطيّة أكثر من مهنة في دكّان واحد، تميّز بينهم المختار حبيب أمين جابر (1900- 26 أذار/مارس 1993) الذي أضاف إلى الحلاقة صناعة الطرابيش يوم عزّها، فأهّلتاه كي يصبح مختاراً لحيّ البياض في المدينة نحو العام 1953، وبقي كذلك على مدى أربعة عقود، لم تمنعه ”المخترة“ من الحفاظ على مهنته الأولى بعدما جلب إليها غلماناً وفتياناً، فدرّبهم وعلّمهم إلى حين أجادوا، وغدوا زملاء كار سبقهم إليه.

لكن، وللتطوّر المبكر في النبطيّة والتقدّم العلميّ وظهور أطبّاء فيها منذ مطلع القرن العشرين، لم يجمع الحلّاقون بين مهنتهم ومهنة طبّ الأسنان على نحو ما كان متداولاً، وعملاً بالمثل الشعبيّ القائل: ”كنّا نحلق صرنا نقلّع أضراس“.

بيد أنّ حلّاقي النبطيّة جمعوا حولهم زبائن من مختلف الفئات والأعمار، تلعب دوراً بارز في ازديادهم أو نقصانهم، المهارة التي يتمتّع بها كلّ حلّاق واحترافه قصّ الشعر أو تشذيبه، إلى حلق اللحية (الذقن) والشاربين بالموسى، أو الشطارة في ”عنكفتهما“ (عامّيّة)، أيّ فتلهما من الطرفين نحو الأعلى وتجميدهما، فيتلاءمان مع ”عنقرة“ (إمالة) الطربوش أو الكوفيّة، وكانت تعرف هذه الميزة بتربية الشنب أو الشاربين، ومردّها إلى أسباب اجتماعيّة أو سياسيّة أو ثقافيّة، ودلالتها في بعض المجتمعات على الهيبة والرجولة والوقار والقوّة، إلى جانب المظهر الذي كان يراه البعض جماليّاً ولائقاً.

في عالم الموضة

اليوم، لم نعد نعاين سيادة لـ“عنكفة“ الشاربين إلّا بما شذّ، ولا لقصّة شعر صبيانيّة أو رجّاليّة متقاربة، بعدما طغى التزيين على الحلاقة ودخلت قصّات الشعر في عالم الموضة والتنوّع. لذا، ثمّة حلّاقون حافظوا على مهنة تقليديّة تراعي بعض التطوّر، دخلت إليها موسى الشفرة المتبدّلة عوضاً عن ذاك الموس الذي أتعب أيدي الحلّاقين وأكتافهم في شحذه وسَنَّه كي يصبح حادّاً قاطعاً مزيلاً للشعر والسالفَين بلا ألم. وهناك حلّاقون آخرون صار واحدهم يدعى ”كوافّير“ أو ”مصفّف شعر“ يحترف التزيين وقصّات متنوّعة بتنوّع طالبيها، يتفنّن فيكسب مبلغاً أعلى، ربّما يزيد في شهرته بين جيل الشباب فيتوافدون إليه، بناء على موعد مسبق.

لكنّ العدّة هنا وهناك ظلّت هي هي، مقصّ وأمشاط وماكينة إلكترونيّة لا تتجاوز حجم اليدّ، تعمل بالشحن (تشريج) أو على البطّاريّات، وموس حلاقة يبصق شفرته ويبتلع أخرى كلما تبدّل رأسٌ ودواليك. ولا ننسى ”السشوار“ (المجفّف، مشتقّة من الفرنسيّة (Séchoir وهواءه الساخن المجفّف الذي لم يعش ربّما الرواد الأوائل كي يعاينوا فعله.

طبعاً، ثمّة كثرٌ من الحلّاقين الجدد لا يستخدمون كمن سبقهم حجر الشبّ أو الشبّة، الذي استخدمه الحلّاقون القدامى لوقف نزيف جروح الحلاقة، (مركّب من معدن طبيعيّ يعرف علميّاً بشبّ البوتاسيوم؛ مادة بلّوريّة طبيعيّة صلبة أو مسحوق أبيض، تتكّون كيميائيّاً من أملاح كبريتات الألومنيوم والبوتاسيوم) وماكنة القصّ اليدويّة التي كانت تعمل بقبض اليدّ على جناحيها فتزيل شفراتها المتقاطعة الشعر القصير، وهي من صناعة ألمانيّة (Hand Hair Clipper صُنعت أجود وأشهر هذه الماكينات في مدينة سولينغن Solingen الألمانيّة، المعروفة عالميّاً بتميّزها في صناعة الفولاذ وأدوات الحلاقة والسكاكين منذ عشرات السنين) وقد صارت اليوم للزينة.

الجيل الأوّل من حلّاقي النبطيّة

ظهر الجيل الأوّل من حلّاقي النبطيّة منذ العشرينيّات وكان يقتصر على قلّة قليلة بدأت تزداد مطلع الثلاثينيّات ثمّ انتشرت مع قدوم العقد الرابع من القرن العشرين. عُرف من الرعيل الأوّل محمّد علي الصبّاغ (أبو كايد)، لكنّه لم يطل به الأمر حتّى باع دكّان الحلاقة وعدّتها واشترى سيّارة بنمرة عموميّة بعدما تعلّم القيادة في بيروت. فعل هذا بعدما أغواه حديث السائقين على خطوط صيدا وبيروت والشام حول تحصيلهم المادّيّ حينما كانوا يجلسون في حضرته لقصّ شعورهم والبوح بخبايا مهنتهم وإنتاجها الماليّ، أو يحصون ”الغلّة“ ويعدّونها أمام ناظريه وهو لا يتلقّى منهم إلّا النزر اليسير الذي لا يُسمن ولا يُدّخر لأيّام صعاب.

ثمّ من الرعيل الأوّل: حبيب أمين جابر (مختار حيّ البياض)، حبيب حسن حاج علي ”أبو مصباح“ السيّد إسماعيل شكر ”أبو غازي“ إلى جانب شقيقه حسن، أذ تدرّبا على يد والدهما في بيروت، فعاد السيّد إسماعيل إلى النبطيّة وبقي شقيقه في بيروت؛ حبيب كحيل ”أبو العبد“، اشتغل معه ابنه عبد الوهاب كحيل مدّة قبل سفره إلى أفريقيا للعمل هناك، لكن مرّ من تحت خبرته كثر من جيل الحلّاقين الثاني؛ رضا الزيباوي ”أبو فيصل“ وشقيقه أحمد المعروف بين أهل المدينة بـ“أبو علي الحلّاق“؛ حسن حمدان، قاسم ”أبو طالب“ كحيل وموسى فرّان.

الجيل الثاني والعصر الذهبيّ

تدربّ الجيل الثاني على يديّ حبيب جابر أو حبيب كحيل أو حبيب حاج علي وغيرهم من حلّاقي زمانهم، منهم: علي كاظم بدرالدين، كامل ونسة، ماهر علي أحمد صاحب ”صالون الشباب“، قاسم محمّد شوكيني (1930- 2007، باشر مصلتحه في مطلع الستينيّات)، جورج توفيق سكاف (1921- 1996، صاحب صالون ”دنيا الفنّ“ كان محلّه قريباً من السراي الحكوميّة، بدأ منذ مطلع الستينيّات بعدما كان يحترف مهنة السكّاف، وكان أبكم تدرب على يدي حبيب كحيل (وهو شقيق الأستاذ جوزيف والفنّان إدمون والقاضي سعيد والأستاذ ريمون سكاف) من أفراد عائلة أصولها من مرجعيون لكنها عاشت ردحاً من الزمن في النبطيّة.

كان عبدالله علي جندل الصبّوري ”أبو علي“ (1929- 2016)، أبكم معروفاً في ساحة النبطيّة، تدرّب على يديّ خاله المختار حبيب جابر وفتح دكّاناً متواضعاً مواجها، كان بداية كناية عن زاوية في مقهى، ثمّ جرى تقسيم المقهى إلى محلّين صغيرين عمل في أحدهما طوال سبعين عاماً، وكان الآخر لبيع القبّعات يملكه واحد من آل الشريف.

عبرت من تحت يديّ ”عبدالله جندل“ آلاف الرؤوس من أبناء المدينة وجوارها، بعد أن علّم الحرفة لولديه علي وأحمد وغيرهما، وكان الأخير أبكم سافر لاحقاً إلى ألمانيا ففتح صالوناً للحلاقة وتزوّج هناك وما دام مقيماً فيها، بينما لم يزل ”علي“ يعمل في صالون والده حتّى اليوم، وقد تضرّر المحلّ في الحرب الأخيرة جرّاء غارة قريبة على ساحة النبطيّة استهدفت ”سنتر مروّة“ المواجه والجوار، وعمل وريث أبيه بالحرفة على ترميمه.

ولد عبد الكريم علي أمين صبّاغ ”أبو عفيف“ العام 1934، تعلّم باكراً على يديّ الحلّاق حبيب كحيل وأبو طالب كحيل وربّما مرّ على غيرهم من محترفي الكار، ثمّ استقلّ في صالون خاصّ به بعد العام 1952 وكان قد تجاوز الثامنة عشرة، وكان ناشطاً سياسيّاً. توفّي ”أبو عفيف“ في الـ25 من كانون الثاني (يناير) 2012 ولم يزل صالونه في سوق حي السراي القديم مقفلاً على الخواء وعلى كرسيّين قديمين خاصّين بالحلاقة وآخر مثبّت بالأرض.

من أقران أبي عفيف: حسن جعفر حاجعلي ”أبو لطفي“، حسين علي أحمد ”أبو تحسين“ عمل لاحقاً سائق سيّارة أجرة، وشقيقه حسن علي أحمد ”أبو علي“ (حمّورة) توفي في الـ23 من أيّار (مايو) 2018؛ أكرم الإمام (1940- 24 مايو 2016) من التابعيّة السوريّة، حضر إلى النبطيّة بعمر الحلم واشتغل لدى المختار حبيب جابر في كيّ الطرابيش وحلاقة الشعر قبل أن يصبح صهره زوجاً لابنته؛ محمّد سعيد عبّود ”أبو سعيد“ (1939- 2022)، جميل كسرواني (أبو عاطف/ أبو حافظ) الذي أورث المهنة لابنه عاطف، علي فايز شميساني بدأ في النبطيّة ثم انتقل إلى الكويت وأمضى معظم عمره هناك، نبيل العجمي (متوفّ، وكان مصارعاً) وحلمي جابر (تجاوز الـ90 عاماً وتوقّف عن ممارسة المهنة) وهو آخر الحلّاقين الأحياء من أقرانه.

الجيلان الثالث والرابع والحرب:

من الجيل الثالث أحمد عبدو خليفة (من كفرشوبا)، صلاح عبّود العراقيّ (اشتغل 12 سنة في صالون أحمد خليفة قبل أن يهاجر إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة)، عاطف جميل كسرواني ”أبو ربيع“، ماجد ضاهر (أبكم، أقفل صالونه منذ أربع سنوات)، حيدر صبّاح (الجمّال) في سوق حيّ السراي، أحمد الحاج محّمد عمر (في سوق اللحم)، موسى حسين (تعلّم لدى عبد الكريم الصبّاغ ويعمل حاليّاً حلّاقاً في ألمانيا)؛ فؤاد جميل جابر ”أبو جميل“، (1948- 2012) دمّرت الغارات صالونه في ”نزلة الديماسي“ وسط السوق بعدما كان قد تضرر في حرب 2006؛ غسّان حسين ياسين (توفي في الـ25 من آب/ أغسطس 2021)، هاشم أبو زيد (توفّي في الـ17 من شباط/ فبراير 2022) وشقيقه هيثم أبو زيد (هاجر إلى أفريقيا).

بين الثالث والرابع محمّد الصبّوري ”أبو عبّاس“، أقفل صالونه بعد حرب 2024 ودمّرته جزئيّاً غارات 2026. كمال ياسين (خلّفت غارة قريبة في النبطيّة أضراراً جسيمة في صالونه). حسّان حسين علي أحمد الذي حوّل صالونه منذ سنوات إلى متجر أكسسوارات ولوازم نسائيّة ”فوبيجو“ وقد تضرّر في حربيّ 2024 و2026 وكذلك في حرب 2006، عبدالله سلامة (من كفررمان، تحوّل لاحقاً إلى مزين نسائيّ وأصابت غارات 2024 صالونه بأضرار جسيمة).

دمّرت الغارات على ساحة النبطيّة خلال العام 2024 صالون حسين أحمد صالح عواضة (في وسط السوق)، الحلّاق إبراهيم سميح جابر من النبطيّة الفوقا وكان يعمل في النبطيّة (قُتل في أفريقيا على يد أحد المواطنين العمّال)، حسن طَحطَح ”الديك“ وشقيقه محمّد طحطح (يعملان منفردان وتضرّر مكانا عملهما في الاعتداءات الأخيرة)، محمّد حسن عباس غندور ”أبو كريم“، من النبطيّة الفوقا، دمّرت غارة محاذية جدران صالونه قرب المدرسة ”الإنجيليّة الوطنيّة“ في النبطية، فرمّمه سريعاً وعاد يعمل فيه حاليّاً؛ علي عبدالله جندل الصبّوري (تضرّر صالونه وعاد للعمل)، عبّاس محمّد سعيد عبّود (وريث والده ”أبو سعيد“ في مهنة الحلاقة، عمل إلى جانبه منذ أربعين عاماً، أيّ منذ العام 1984، ويدير الصالون حاليّاً بعد رحيل والده. وقد أصيب المحلّ في الاعتداءات الأخيرة بأضرار جزئيّة)؛ عماد أرناؤوط (أبكم دمّر صالونه العائد للحلّاق الراحل فؤاد جابر وافتتح صالوناً موقّتاً قريباً منه)، وخضر كمال الدين.

الجيل الخامس…

من جيل الحلّاقين الخامس أو بين جيليّ الرابع والخامس: عبد الحسين جابر جابر (أبكم)، عبّاس سلوم (يعمل في حيّ المسلخ، تضرّر محله أخيراً)، عبدالله حسين عمر، حسن قمرالدين ”أبو خليل“ (تضرّر صالونه)، حسن محسن (صالون كازانوفا وفيه أكثر من كرسيّ وحلّاق) حسن علي كاظم بدرالدين (في سنتر مدينة بحيّ السراي وقد تضرّر دكّانه في الحرب الأخيرة) علي منصور (حي السرايا، تضرّر صالونه) حسين زبيب (تضرّر صالونه)، حسن علي طه، الحلّاق الشاب محمود غدّار (توفّي في الرابع من حزيران/ يونيو 2025) حسن شكر (استشهد في حرب 2024).

ومن الجيل الخامس كذلك: حسين العلي ”أبو عصام“؛ يوسف وعلي الجَرْف (قدما أخيراً من بلدة يحمر الشقيف ويعملان في حيّ الميدان، وهما أبكمان). أحمد عبدالله الصبّوري (في المانيا حاليّاً) دونالد حسن شكرون (من كفرّرمان يعمل في حيّ المقاصد) محمّد يونس (من عبّا) يقع صالونه في محلّة ”بير القنديل“ قرب حيّ السراي، تضرر في حرب 2024)، هادي شكر (من جبشيت)، وعلي حسين صالح عواضة.

في تطوّر حركة الصالونات ومحاولات استفادتها من مواقع التواصل الاجتماعيّ من بثّ الدعاية، يبثّ صالون كازانوڤا(Salon Casanova) الواقع في شارع عادل صبّاح في حي السراي– على سبيل المثال- بأنّه ”يوفّر خدمات حلاقة وتصفيف الشعر، حلاقة وتحديد الذقن بأحدث الموديلات، بالإضافة إلى تنظيف البشرة والتدليك (المسّاج). الصالون مناسب للأطفال ويفضّل حجز موعد مسبق قبل الزيارة لتفادي الانتظار“.

غسّان كنفاني يحلُق بالنبطيّة

قدِم الحلّاق أحمد خليفة (76 عاماً) وهو ابن المناضل بمواجهة الانتداب الفرنسيّ عبدو خليفة إلى النبطيّة في أعقاب العدوان الإسرائيليّ على مسقط رأسه كفرشوبا (حاصبيا) مطلع السبعينيّات، وإليها حضرت عائلته هرباً من القصف والاعتداءات وسكنت فيها مدّة طويلة. سبق له أن سافر إلى الكويت في العام 1965 وكان في الخامسة عشرة، تعلّم الحلاقة هناك، ثم غادر إلى الإمارات العربيّة المتّحدة.

فتح صالونه ”أريج لبنان“ في مبنى ”حرب“ شرقيّ المدينة، وتزامن اليوم الأوّل للافتتاح ”يوم وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في الـ28 من أيلول (سبتمبر) 1970. وأذكر أنّه في اليوم التالي انطلقت مسيرات حزن وبكاء في النبطيّة وعمّ الإضراب المدينة فأقفلتُ دكّاني، ولم تمضِ أسابيع قليلة حتّى بدأ الزبائن يتوافدون إليّ من طلبة دار المعلّمين والمعلّمات في النبطيّة ومن ثانويّة حسن كامل الصبّاح الرسميّة، القريبتين من صالوني، وأذكر منهم الفنّان رفيق علي أحمد وقد كان يتعلّم في دار المعلّمين والمعلّمات“ يقول ”أبو عبدو“.

تعرّف ابن كفرشوبا والتي كانت تعتبر عاصمة الفدائيّين والمقاومة الفلسطينيّة في السبعينيّات قرب الحدود على عدد كبير من قادة ”الثورة“ ومقاتليها، وصاروا يقصدونه كي يحلقوا رؤوسهم، ثمّ يحضرون مرّة أخرى ومعهم رفاقهم وأخوتهم.

في العام 1971 حضر إلى صالونه الأديب الفلسطينيّ الأشهر القياديّ غسّان كنفاني (مواليد 1936 في عكّا استشهد في الحازميّة بتفجير عبوة في سيّارته يوم الثامن من تمّوز/ يوليو 1972).

هنا في النبطيّة ”قصّ الأديب كنفاني شعره وحلق ذقنه. سبق لي وأن تعرفت إليه خلال زيارة لي إلى بيته في بيروت العام 1969 وكنت أحمل إليه من الإمارات أمانة مرسلة من أصدقاء له هناك. لقد حزنت كثيراً عليه يوم اغتيل مع ابنة شقيقته لميس نجم، وكان في حينه بعزّ عطائه ومن أبرز الوجوه الفلسطينيّة في الأدب والرواية“.

وأيضاً صديقي ”أبو موسى“

تعرّف ”أبو عبدو“ في كفرشوبا على القياديّ الفلسطينيّ الثاني بعد رئيس منظّمة التحرير الفلسطينيّة ياسر عرفات، قائد قوّات ”العاصفة“ في لبنان منذ 1972 ”أبو موسى“ (هو سعيد مراغة ويعرف أيضًا باسم سعيد موسى. ولد سنة 1926 في سلوان شرقيّ القدس وتوفّي سنة 2013 في دمشق). كان أمين سرّ حركة فتح – الانتفاضة، وأحد أهمّ القادة العسكريّين الفلسطينيّين إبّان الحرب الأهليّة اللبنانيّة التي بدأت في نيسان (أبريل) العام 1975.

يؤكّد الحلّاق خليفة في لقاء معه أنّ ”أبو موسى كان يحضر باستمرار إلى النبطيّة كي يقصّ شعره ويحلق ذقنه، طبعاً تكون له هنا اجتماعات تنظيميّة وقياديّة، وتوطّدت علاقتي به وزرته أكثر من مرّة في بيته بالشام (سوريا) وكان يزورني في بيتي بالنبطيّة، تعرفت إليه في كفرشوبا وكان صديقاً رائعاً وشجاعاً“.

الحلّاق أحمد خليفة: القيادي الفلسطيني أبو موسى كان يحضر باستمرار إلى النبطيّة كي يقصّ شعره ويحلق ذقنه

توافد إلى صالون أبي عبدو معظم القياديّين الفلسطينيّين واللبنانيّين في ”الحركة الوطنيّة“ في مدينة النبطيّة ومنطقتها، منهم القياديّ في حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ الشاعر موسى شعيب (مواليد 1943 في بلدة الشرقيّة بقضاء النبطيّة، اغتيل ببيروت صباح الاثنين الـ 28 من تموز 1980).

على أثر تحوّله إلى حلّاق ”الفدائيّين والثوّار“، هدّدته السلطات اللبنانيّة بإقفال الصالون، ”وعلّقت الشرطة العسكريّة على باب محلّي تبليغاً يُمنع بموجبه دخول العسكريّين من الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة الأخرى إلى الصالون، تحت طائلة المسؤوليّة، لكنّ عدداً منهم كان يحضر في السرّ كي يحلق شعره“.

”إنّه ياسر عرفات“

لكن المفاجأة التي لم يكن يتوقّعها ”أبو عبدو“ كانت في العام 1977، ”يوم توقّفتْ أمام صالوني في النبطيّة سيّارة كبيرة، قرابة الرابعة والنصف عصراً، ترجّل منها أوّلاً شبّان مسلّحون، ثمّ نزل من المقعد الخلفيّ رجل أعرفه تماماً، دخل إلى الصالون مع أحد مرافقيه وأزال الكوفيّة عن رأسه ليجلس فوق كرسيّ الحلاقة، إنّه ياسر عرفات ‘أبو عمّار‘ بشحمه ولحمه. (من مؤسّسي حركة فتح، ورئيس منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وأوّل رئيس للسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة ”1996- 2004“ ولد في 24 آب/أغسطس 1929 في القاهرة بمصر، وتوفي في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر2004 في مستشفى بيرسي بفرنسا ودفن برام الله بفلسطين).

ارتبك الحلّاق خليفة في بادئ الأمر ”لكنّني تمالكت نفسي حينما قال: يمكنك أن تبدأ. ثمّ سألني: من أين أنت؟ فقلت: من كفرشوبا. نظر نحوي وقال: من بلدة الصمود والثوّار أنت، عزيزة علينا كفرشوبا وأبناء كفرشوبا. نحن نحبّكم ونحبّ لبنان، ولنا على أرض بلدتكم وفي حقولها وبساتينها صولات وجولات بمواجهة العدوّ الإسرائيليّ مغتصب الأرض“.

انتهى ياسر عرفات من قصّ شعره، ”وضع الكوفيّة مجدّداً فوق رأسه وأومأ إلى مرافقه كي يدفع لي أجرتي، لكنّني أبيت، فشكرني وحمّلني تحيّاته إلى أهل كفرشوبا وأبنائها. ثمّ غادر“.

الحلّاق أحمد خليفة: في أحد الأيام في العام 1977، توقّفتْ أمام صالوني في النبطيّة سيّارة كبيرة، ترجّل منها شبّان مسلّحون، ثمّ نزل منها رجل أعرفه تماماً، دخل إلى الصالون وأزال الكوفيّة عن رأسه ليجلس فوق كرسيّ الحلاقة، إنّه ياسر عرفات ‘أبو عمّار‘ بشحمه ولحمه

من الحرب إلى الحرب

لم يمرّ وقت طويل حتّى هاجمت إسرائيل جنوب لبنان في آذار 1978 واحتلّت قسماً كبيراً منه مطلقة عليه تسمية ”الشريط الحدوديّ“، آنذاك ”نزح أبناء النبطيّة والجوار وعمّ القصف كلّ الجنوب وطاول المدينة، فغادرتُ من جديد إلى الكويت ومعي زوجتي، إذ كنت قد تزوّجت في العام 1975 من ليلى محمّد خليل صالح من كفرّرمان وسكّان النبطيّة (توفيت 2018)، ومن يومها أقيم هناك مع أبنائي ثمّ أعود زائراً، فأتابع أمر صالوني الذي شغّله في غيابي أكثر من حلّاق لمصلحتي، منهم حلّاق عراقيّ يدعى صلاح عبّود بقي يشتغل لديّ في صالون النبطيّة ‘أريج لبنان‘ 12 عاماً قبل أن يغادر مع زوجته من كفرتبنيت إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة، ثمّ تعاقب على الصالون أكثر من حلّاق“ بحسب خليفة.

في الـ14 من شباط (فبراير) العام 2024 أغارت طائرات إسرائيليّة على مبنى حرب في النبطيّة الذي يقع فيه صالون خليفة وشقّته السكنيّة في الطبقة الرابعة، واغتالت مسؤولاً في ”قوّة الرضوان“ في ”حزب الله“ واستشهد في خلالها سبعة مدنيّين من أفراد عائلة برجاوي. يوضح خليفة أنّ ”الشقة أصيبت بأضرار بالغة وكذلك صالون الحلاقة إذ تقع خلفه شقّة برجاوي التي دمّرتها الغارة، لكنّ من كان يعمل في الصالون قبض التعويض وغادر، فرمّمته أنا على نفقتي الخاصّة“.

عمل خليفة مدّة متنقلاً بين حاصبيا ومرجعيون، وحلق رؤوس عدد من أفراد القبّعات الزرق في الـ“يونيفيل“ ضمن قّوة الأمم المتّحدة الموقّتة في جنوب لبنان.

مهنة التعب الطويل

يقول المربّي الأديب ماهر الحاج علي ”كان والدي حبيب الحاج علي من الرعيل الثاني وربّما الأوّل في النبطيّة، سافر مثل أقرانه وأقربائه باكراً إلى أفريقيا وعمل هناك حلّاقاً، لكنّ المناخ لم يلائم صحّته، فعاد إلى النبطيّة وافتتح صالوناً في بناية منيف جابر المعروفة بـ‘الجزيرة‘ التي هدمتها إسرائيل في الحرب الأخيرة 2026، عمل فيه طوال عمره، إلى أن داهمه المرض فاضطرّ إلى أن يترك المهنة“.

وبحسب الأستاذ ماهر ”كان والدي إلى الحلاقة وقصّ الشعر يقوم بصناعة الطرابيش، وكانت لديه أربعة قوالب مزدوجة، منحني اثنين منها ولخالي محمّد أسعد شميساني اثنين، سُرقت مجموعتي في أيّام الاحتلال الإسرائيليّ، فعاد خالي وأهداني مجموعته وهي لمّا تزل لديّ، مع موسى مذهّب ألمانيّ الصنع كان أهداني إيّاه والدي“.

ويذكر المربي الحاج علي أنّ والده ”كان يخرج إلى الصالون ولا يعود قبل المساء، يقضي معظم النهار واقفاً على قدميه، ويعود منهكاً إلى البيت مساء، حتّى إنّه أصيب بمرض جلديّ في يديه جراء الحلاقة، لكنّه سعى بكلّ دأب وجهد إلى تعليمنا أنا وأخي أفضل تعليم ولم يبخل علينا بشيء“.

* شارك في توفير المعلومات: المختار حسن نزار جابر، المختار محمّد أحمد بيطار، علي عبدالله الصبّوري، علي إسماعيل شكر، حبيب جابر جابر، حسن وعلي بديع زيباوي، محمّد حسن عباس غندور، توفيق جورج سكاف، عفيف عبدالكريم الصبّاغ، كامل محمّد حسن وهبي، حسن يوسف أبو زيد وعلي عبدالكريم ظاهر.

حلّاقو النبطيّة: جميع الصور الملوّنة في هذا المعرض هي من تصوير كامل جابر، أما الصور بالأبيض والأسود فهي من الأرشيف

المختار حبيب جابر، إمتهن الحلاقة وصناعة الطرابيش
المختار حبيب جابر، إمتهن الحلاقة وصناعة الطرابيش


رضا الزيباوي من الرعيل الأوّل لحلاقي النبطية
رضا الزيباوي من الرعيل الأوّل لحلاقي النبطية


الحلّاق أبو عفيف صبّاغ في صالونه الخاص عام 1952
الحلّاق أبو عفيف صبّاغ في صالونه الخاص عام 1952


الحلّاق عماد أرناؤوط في صالونه قبل تدميره في الحرب الأخيرة (تصوير كامل جابر)
الحلّاق عماد أرناؤوط في صالونه قبل تدميره في الحرب الأخيرة (تصوير كامل جابر)


أحمد خليفة أمام صالونه في النبطية ( تصوير كامل جابر)
أحمد خليفة أمام صالونه في النبطية ( تصوير كامل جابر)