
في الرقيقه من اليمين: عفاف عباني، اسمهان عبود، الاستاذ حسن علي نعيم عبدلله، اميرة قانصو، سهيله إدريس ووفاء ابو عباس
للطفولة والصبا عبق لا يزول
للطفولة عبق يراودنا كلما اشتدت نسائم الحنين، وكلما حرّك الشوق أطيافه عند ضفاف الذاكرة. وحين نشم رائحة تلك الأيام، نلملم بقايا الصور من صندوق الكلمات، ونرسمها قصيدة تحيا على الأرض البيضاء، على أرض الخيام الحبيبة، فيما يمطر القلم أبجدية الوجدان بجمال الحروف.
وحين تقع أعيننا على صورة قديمة كنا فيها سعداء، نعيش تلك السعادة من جديد، ولكن بنكهة الحنين.
فالذكريات، وما أدراك ما الذكريات، ولا سيما ذكريات الطفولة والسنوات الأولى من الدراسة، تبقى حاضرة في القلب مهما ابتعد الزمن.
البدايات في مدرسة الشيخ خليل
أذكر أننا كنا في الصف الثاني الابتدائي في مدرسة الشيخ خليل، وكانت المعلّمة نهى الجلبوط تدرّسنا اللغة الفرنسية والأشغال اليدوية.
كانت تطلب منا شراء الأوراق الملوّنة من دكان حسين عواضة، ثم تعلّمنا كيف نصنع منها أشكال الورود والكرات وشجرة الأرز، وغيرها من الأعمال الفنية الجميلة التي كانت تملأ نفوسنا فرحاً وفخراً.
شجرة الميلاد وروح العيش المشترك
في موسم عيد الميلاد، كانت معلمتنا نهى تصطحبنا إلى منزلها لنشارك في تزيين شجرة الميلاد الكبيرة، ونعلّق عليها الأعمال التي صنعناها في المدرسة.
كنا نمضي أوقاتاً سعيدة ونحن نتأمل جمال الشجرة وأضواءها، ثم يعود بعض التلامذة، ولا سيما أبناء العائلات المقتدرة، ليزيّنوا في منازلهم شجرة صغيرة يحصلون عليها من الطبيعة.
وكان العيش المشترك بين طوائف بلدتنا ينعكس على الجميع، من خلال المشاركة في الأعياد والأفراح والأحزان، من دون حواجز أو تفرقة.
وليم وقرع جرس الكنيسة
حين كان جرس الكنيسة يقرع، كنا نحرص على مشاهدة وليم وهو يتولى هذه المهمة.
كان يتعلق بالحبل ويؤدي حركات تشبه الألعاب البهلوانية، ويتمكن بمهارة من التحكم في نغمة الجرس، سواء للإعلان عن موعد الصلاة أو إيذاناً ببدء العيد.
وكان المشهد بالنسبة إلينا مناسبة تستحق المشاهدة والانتظار.
استراحة العاشرة ومغامرات تحت المطر
في استراحة الساعة العاشرة، كنا نمشي أحياناً تحت المطر حتى أول منطقة الجلاحية، ثم نعود إلى المدرسة وثيابنا مبللة.
أما في أيام الصحو والربيع، فكنت أنزل مع صديقاتي العزيزات سهيلة غصن ودعد وصباح أبو عبّاس إلى العين، فنشرب ونلعب ونمضي وقتاً جميلاً.
وفي إحدى المرات، تأخرنا في العودة إلى حصة الأستاذ نبيل الجلبوط. وحين سألنا عن سبب التأخير، أخبرناه بأننا كنا عند العين.
فضحك وقال لنا: «هذه المرة مسموح لأنكن شاطرات، لكن يجب ألّا يتكرر الأمر».
السينما تدخل إلى الخيام
أذكر أنه عندما كنا في الصف الخامس، دخلت السينما إلى بلدتنا الحبيبة، وكان المجتمع الخيامي يومها مولعاً بالأفلام الهندية.
ومن الأفلام التي ما زلت أذكرها: «ماسح الأحذية» و**«من أجل أبنائي»**.
وكان الذهاب إلى السينما يحتاج إلى ترتيبات خاصة بين الأهل والمدرسة. وكنا نقنع أهلنا بأن مشاهدة هذه الأفلام تساعدنا في كتابة مواضيع التعبير والقصص.
وكان الأهل يعيشون حيرة بين الموافقة لنا والتمسك بالعادات والتقاليد السائدة في ذلك الزمن.
المرحلة التكميلية والتعليم المختلط
بعد انتقالنا إلى المرحلة التكميلية في مدرسة الأستاذ علي عبدالله، درسنا فترة من الزمن في صفوف مختلطة تجمع الذكور والإناث، إلى أن جرى فصلنا ونقل التلامذة الذكور إلى مدرسة البركة.
وفي تلك المرحلة، تولى تدريسنا عدد من المعلمين والمعلمات الذين تركوا في نفوسنا أثراً لا يُنسى.
رحلة إلى نبع الرقيقة
أذكر أن الأستاذ حسن علي نعيم عبدالله اصطحبنا، في إحدى الحصص غير المنهجية، إلى نبع الرقيقة سيراً على الأقدام.
أمضينا هناك وقتاً جميلاً، وكانت الرحلة من التجارب المدرسية الممتعة التي بقيت راسخة في الذاكرة.
انتظار «بوسطة الكالوس»
حين قررت المدرسة تنظيم رحلة إلى فاريا وبيروت وحريصا، انتظرنا منذ الصباح الباكر تحت شجرة الميسة وصول «بوسطة الكالوس».
وما إن انطلقنا حتى ارتفعت أصواتنا بالغناء والفرح، ولم نهدأ طوال الطريق من التعبير عن سعادتنا.
وأذكر أن الأستاذ كامل مخزوم كان يغني لنا أغنية المطرب العراقي ناظم الغزالي:
«له خالٌ على صفحات خدٍّ
كنقطة عنبرٍ في صحن مرمر»
في حريصا… ومنافسة على خبز الصاج
وصلنا إلى حريصا، وركبنا التلفريك، ثم اجتمعنا في ساحة تمثال سيدة لبنان.
وخلال تجوالنا، دخلت أنا وسهيلة غصن مسرعتين إلى مطعم كبير، حيث شاهدنا امرأة تخبز على الصاج.
فتحول الحديث معها إلى نوع من التحدي حول مهارة صنع الخبز، وبدأنا نتباهى بأمهاتنا الجنوبيات وبراعتهن في إعداد الخبز المرقوق على الصاج.
وسعدنا كثيراً حين اعترفت المرأة بأن نساء الجنوب أشطر وأمهر من غيرهن في إعداد خبز الصاج.
وقد استمتعنا بحديثها وضيافتها حتى نسينا أفراد المجموعة وتأخرنا عنهم.
وفجأة، حضر الأستاذ حسن أبو رائف والأستاذ محمد صادق، وقد بدا عليهما القلق بسبب غيابنا وتأخرنا. فحاولنا ترضيتهما بتقديم رغيف خبز ساخن لهما، فعادت الابتسامة إلى الوجوه.
اللعب بثلوج فاريا
تابعنا رحلتنا إلى فاريا، تلك المنطقة العالية والباردة والمكسوة بالثلوج.
لعبنا بالثلج بفرح وسعادة، والتقطنا الصور التذكارية التي احتفظت بملامح تلك الرحلة الجميلة.
من جبيل إلى بيروت و«خلي بالك من زوزو»
بعد ذلك، عدنا في طريقنا إلى جبيل وبيروت، حيث دخلنا السينما وشاهدنا فيلم الفنانة سعاد حسني «خلي بالك من زوزو».
كانت الرحلة مليئة بالضحك والغناء والمغامرات البسيطة، لكنها بقيت في ذاكرتنا واحدة من أجمل رحلات العمر.
وفاء لزمن جميل ولمعلّمين مخلصين
رزق الله أيام الزمن الجميل، وذكريات لم يتمكن الزمن من محوها.
كل الاحترام والتقدير للمعلمين والمعلمات الذين أخلصوا في تعليمنا، ومنحونا من علمهم واهتمامهم ومحبتهم.
رحم الله من رحل منهم ومن زملائنا الطلاب، وأطال الله في أعمار الأحياء، وأدام عليهم الصحة والعافية.
وفاء محمد علي أبو عبّاس

في فاريا من اليمين: جمال غريب، حنان خشيش، حنان خريس، باسمه قشمر، الاستاذ وديع عساف، وفاء ابوعباس، نجاح حيدر، وفاء الشيخ علي، اميرة قانصو، فاطمة يحيى، الاستاذ حسن عبدالله (حسن أبو رائف)، الأستاذ محمد صادق، بتول خشيش وسهام ابو عباس - ١٩٧١

وفاء محمد علي أبو عبّاس: كل الاحترام والتقدير للمعلمين والمعلمات الذين أخلصوا في تعليمنا، ومنحونا من علمهم واهتمامهم ومحبتهم.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: