
ينتهي الجزء السابق عند المرحلة التي بدأ فيها تل دبين يفقد شيئاً من أهميته في العصر البيزنطي. ومن هنا ننتقل إلى مرحلة جديدة؛ ليس للبحث عن إيون من جديد، ولا لإعادة تاريخ تل دبين، وإنما لمتابعة الحوض نفسه عندما انتقل من النظام البيزنطي إلى النظام الإسلامي، ومعرفة أي المراكز بقي حاضراً في المصادر، وأيها بدأ يكتسب وظيفة جديدة.
1. دخول الحوض في المجال الإسلامي
كان انتقال المنطقة إلى الحكم الإسلامي جزءاً من التحول الأوسع الذي أصاب بلاد الشام في النصف الأول من القرن السابع الميلادي.
وتذكر المصادر التاريخية المتعلقة بفتح بلاد الشام دخول جبل عامل في نطاق الفتوحات الإسلامية بعد وقعة اليرموك، ثم فتح صيدا وصور ومناطق الجبل. وتفرد المصادر المحلية التي جمعت أخبار هذه المرحلة فصلاً مستقلاً بعنوان «فتح مرج عيون» ضمن أخبار دخول الإسلام إلى جبل عامل.
ولا تقدم لنا هذه الروايات وصفاً تفصيلياً لتل دبين أو لقرية الخيام في تلك اللحظة، ولذلك لا ننسب إليها ما لا تقوله. لكن أهميتها في بحثنا أنها تضع حوض مرج عيون ضمن المجال الذي انتقل من الإدارة البيزنطية إلى السلطة الإسلامية في القرن السابع.
ومن هنا يبدأ تغير آخر في طبيعة المصادر التي سنعتمد عليها.
فبدلاً من النصوص البيزنطية التي كانت تصلنا بصورة متقطعة، تبدأ الجغرافيا والإدارة الإسلامية في إعطائنا معلومات أكثر تحديداً عن الطرق، والأقاليم، والكور، والقرى.
2. أول شاهد إسلامي واضح: «العيون»
من أقوى الشواهد على وضع الحوض في صدر العصر الإسلامي ما يورده ابن خرداذبه في المسالك والممالك.
ففي وصفه لطريق بعلبك إلى طبرية يقول:
«ومن أخذ من بعلبك إلى طبرية على طريق الدراج، فمن بعلبك إلى عين الجر عشرون ميلاً، ومن عين الجر إلى القرعون، وهو منزل في بطن الوادي، خمسة عشر، ومن قرعون إلى قرية يقال لها العيون تمضي إلى كفر ليلى عشرون ميلاً، ومن كفر ليلى إلى طبرية خمسة عشر ميلاً».
هذا النص مهم للغاية في تاريخ الحوض؛ لأنه يعود إلى القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، ويقدم لنا اسماً وموقعاً ضمن شبكة طريق محددة.
فالاسم هنا ليس مجرد اسم جغرافي عابر؛ بل «قرية يقال لها العيون» تقع على طريق يصل بعلبك بطبرية، ويحدد المؤلف المسافة بينها وبين المحطات التي تسبقها وتليها.
وبذلك نملك أول شاهد إسلامي واضح على أن اسم العيون ظل حاضراً في المنطقة بعد التحول من الحكم البيزنطي إلى الحكم الإسلامي.
والأهم أن المصدر لا يتحدث عن خرابة أو موضع مجهول، بل عن قرية.
3. الحوض داخل شبكة الطرق الإسلامية
تكشف رواية ابن خرداذبه أيضاً عن أمر يتجاوز اسم القرية.
فهو لا يذكر العيون منفصلة، بل يضعها ضمن سلسلة متصلة من المنازل:
بعلبك → عين الجر → القرعون → العيون → كفر ليلى → طبرية.
وهذا يجعل الحوض في صدر العصر الإسلامي جزءاً من طريق إقليمي يصل البقاع بطبرية.
والشاهد هنا ليس مجرد وجود الطريق؛ فابن خرداذبه يحدد المسافات بالميل بين محطاته، مما يدل على أن الطريق كان معروفاً لدى جهاز الدولة والجغرافيين، وأن الحركة فيه كانت منظمة بما يكفي لتسجيل مراحله.
وبذلك يظهر عنصر جديد في تاريخ الحوض:
بعد أن كان موقعه في العصر الروماني يُقرأ من خلال الحركة التجارية، أصبح في العصر الإسلامي موثقاً ضمن شبكة الطرق والمراحل التي تربط أقاليم الشام.
وهذه ليست إعادة لوصف الطرق السابقة، بل شاهد جديد من عصر جديد على استمرار وظيفة الحوض كممر للحركة.
4. «العيون» ليست مجرد اسم قديم محفوظ
تزداد أهمية النص عندما نقارنه بما حفظته المصادر اللاحقة عن اسم المنطقة.
فالمصادر الجغرافية التي تتتبع اسم إيون تذكر أن الكتاب الجغرافيين العرب الأوائل استخدموا تسمية «قرية العيون»، ثم أصبح اسم مرج العيون هو الاسم الغالب للمجال.
وتصف Encyclopaedia Judaica هذا التحول بوضوح؛ فتذكر أن الكتاب العرب الأوائل سموا الموقع Qaryat al-ʿUyūn، أي «قرية العيون»، ثم تشير إلى أن المدينة تبدو قد هُجرت في العصر العربي المبكر، وأن الاسم الذي يظهر في المصادر المتأخرة هو اسم السهل: Marj al-ʿAyyūn أي: «مرج العيون».
وهنا تظهر أمامنا عملية تاريخية مهمة: اسم المركز → اسم القرية → اسم الحوض.
ولا ينبغي أن نستنتج من ذلك أن القرية اختفت فوراً أو أن الحوض خلا من السكان؛ فابن خرداذبه نفسه، في القرن التاسع، لا يزال يذكر العيون قرية على الطريق.
لكننا نستطيع أن نلاحظ أن اسم الحوض بدأ يصبح أكثر أهمية من اسم المركز القديم في السجل الجغرافي اللاحق.
وهذا سيكون مهماً جداً في المرحلة الخامسة، عندما يصبح مرج عيون نفسه موضوعاً جغرافياً مستقلاً في المصادر الإسلامية.
5. تغير الإطار الإداري
لا تكتفي الجغرافيا الإسلامية بذكر الطرق؛ بل تبدأ بتقسيم بلاد الشام إلى أجناد وكور.
وفي المسالك والممالك يذكر ابن خرداذبه كورة آبل ضمن كور جند الأردن، كما يورد في وصف الطريق نفسه كورة السقي والحولة والمناطق المحيطة بها.
وهذا يعطينا شاهداً جديداً على أن المجال الذي نبحثه لم يكن فراغاً بين المدن الكبرى، بل كان داخلاً في تقسيم إداري واقتصادي معروف في الدولة الإسلامية.
ويجب هنا الحذر من تحديد كل اسم من هذه الأسماء بالقرى الحالية بصورة قاطعة؛ فالمصادر الجغرافية القديمة تستخدم أسماء إدارية قد لا تطابق حدودها حدود القرى الحديثة.
لكنها تثبت لنا شيئاً مهماً:
الحوض ومحيطه أصبحا جزءاً من شبكة إدارية وجغرافية إسلامية، وليس مجرد موقع قديم فقد وظيفته بعد العهد البيزنطي.
6. أين أصبح مركز الحوض؟
في هذه المرحلة تظهر أمامنا للمرة الأولى إشارة يمكن أن تفتح باباً مهماً للبحث اللاحق.
ففي النص الذي يُنقل عن ابن خرداذبه، يرد اسم العيون بوصفها قرية على الطريق، بينما يظهر اسم آبل أيضاً ضمن كور جند الأردن.
وهذا يعني أن المشهد لم يعد يتركز في اسم واحد كما كان الحال عندما كانت إيون تظهر في المصادر القديمة.
لقد أصبح لدينا الآن عدة مراكز وأسماء داخل المجال الأوسع.
لكن لا نستطيع بعد أن نقول إن آبل السقي أو آبل القمح أو الخيام أصبحت مركز الحوض في هذه المرحلة؛ لأن النص لا يمنحنا دليلاً كافياً على ذلك.
ولهذا سنحتفظ بهذه الأسماء، ونعود إليها عندما نصل إلى المرحلة التي تبدأ فيها المصادر بتحديد مواقعها ووظائفها بصورة أوضح.
7. الشاهد الذي يربط «العيون» بالموقع القديم
تأتي أهمية النص الإسلامي المبكر أيضاً من أن بعض المحققين الجغرافيين ربطوا «العيون» التي ذكرها ابن خرداذبه بتل دبين وإيون القديمة.
ففي تحقيق نص ابن خرداذبه نفسه، يرد في الهامش عند اسم «العيون»:
«العيون: قرية قديمة، وهي إيون، تل دبين».
وهذا الربط، وإن كان تحقيقاً جغرافياً لاحقاً وليس نصاً من ابن خرداذبه نفسه، يكتسب أهمية لأنه يوضح أن الجغرافيين والباحثين استطاعوا مطابقة الطريق الذي وصفه ابن خرداذبه مع الموقع المعروف بإيون.
لكننا سنحتفظ بالحد الفاصل بين النصين:
ابن خرداذبه يثبت وجود قرية باسم العيون على الطريق.
المحقق الجغرافي يرجّح أن هذه القرية هي إيون/تل دبين.
وبذلك لا نحوّل التفسير اللاحق إلى نص أصلي.
8. ما الذي تغير فعلاً في هذه المرحلة؟
إذا جمعنا الشواهد الخاصة بهذه المرحلة فقط، يظهر أمامنا تحول واضح:
في نهاية العصر البيزنطي كان الشاهد المتاح يشير إلى استمرار تل دبين مع بداية تراجعه.
ومع دخول العصر الإسلامي، يظهر اسم العيون في مصدر جغرافي من القرن التاسع الميلادي بوصفها قرية قائمة على طريق بعلبك–طبرية.
وفي الوقت نفسه تدخل المنطقة في شبكة الكور والأجناد والطرق الإسلامية.
وهكذا لا نرى اختفاءً مفاجئاً للحياة في الحوض، بل نرى إعادة إدماجه في نظام جغرافي وإداري جديد.
لكننا لم نصل بعد إلى المرحلة التي يصبح فيها مرج عيون اسماً جغرافياً مستقلاً واسع التداول؛ فهذا سيظهر بصورة أوضح في المصادر الإسلامية الوسيطة اللاحقة.
خلاصة الجزء الرابع
بعد الانتقال من الحكم البيزنطي إلى الحكم الإسلامي، يدخل حوض مرج عيون مرحلة جديدة من التوثيق.
وأقوى شاهد مبكر لدينا هو نص ابن خرداذبه في القرن الثالث الهجري، الذي يذكر:
«قرية يقال لها العيون»
ضمنالطريق من بعلبك إلى طبرية، ويحدد المسافة بينها وبين القرعون وكفر ليلى.
وهذا النص يثبت أن العيون كانت قرية معروفة في صدر العصر الإسلامي، ومتصلة بطريق إقليمي مهم.
ثم تكشف المصادر الجغرافية الإسلامية عن دخول المنطقة في شبكة الكور والأجناد، وتظهر إلى جانب العيون أسماء آبل والسقي والحولة وغيرها.
أما اسم مرج العيون نفسه، فسوف يصبح أكثر وضوحاً في المرحلة التالية، عندما تنتقل المصادر من وصف الطريق والمراحل إلى وصف الأقاليم والبلدان والمواضع.
وهنا ينتهي الجزء الرابع عند منعطف واضح:
لم يعد السؤال عن بقاء إيون؛ فقد أصبحت «العيون» قرية ضمن جغرافيا إسلامية جديدة. والسؤال التالي هو: متى أصبح اسم «مرج عيون» هو الاسم الغالب للحوض، وما المراكز التي أصبحت تشغله داخله؟
المصادر الرئيسية
ابن خرداذبه، المسالك والممالك — النص الجغرافي عن طريق بعلبك–طبرية وذكر «قرية يقال لها العيون» والمسافات بينها وبين المحطات المجاورة.
البلاذري، فتوح البلدان — أخبار فتح بلاد الشام وتنظيم المناطق التي دخلت في الدولة الإسلامية.
Raphael Frankel, “The Northwest Corner of Eretz-Israel in the Baraita ‘Boundaries of Eretz-Israel’” — الشواهد الجغرافية المتأخرة المتعلقة بأسماء المنطقة.
Encyclopaedia Judaica, “Ijon” — تتبع الاسم من إيون إلى «قرية العيون» ثم «مرج العيون»، مع مناقشة وضع الموقع في العصر العربي المبكر.
المصادر الجغرافية الإسلامية المبكرة والوسيطة، ولا سيما ابن خرداذبه — تقسيمات الأجناد والكور والطرق في بلاد الشام.
المصادر التاريخية الخاصة بفتح جبل عامل ومرج عيون — روايات انتقال المنطقة من الحكم البيزنطي إلى الحكم الإسلامي.
المهندس جلال يوسف عبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: