
الأستاذ فايز أبو عبّاس
من حكايات الجدّ عن نشأة الخيام وموقعها الاستراتيجي، إلى طرق الجيوش القديمة وشجرة الميسي الشهيرة، وصولاً إلى معارك الحرب العالمية الثانية... رحلة في ذاكرة البلدة التي كانت شاهدة على أحداث التاريخ، وبقيت عنواناً للتآخي والعيش المشترك والصمود وإرادة الحياة.
حدّثني جدّي عن بلدتي... حكاية الخيام الأولى
كان جدّي، رحمه الله، يحبّ أن يستعيد أمامنا حكايات الماضي، فيحدّثنا عن الخيام القديمة، وعن أهلها وأرضها، وعن الأحداث التي مرّت بها على امتداد القرون.
وفي إحدى جلساته، أشار إلى التلّة التي تقوم عليها بلدتنا، وقال:
«على هذه التلّة حطّ أجدادنا الأوائل رحالهم، بعدما هدأت الحروب والغزوات، وتراجعت حركة الجيوش الجرّارة التي كانت تجتاح البلاد، فتعيث في الأرض قتلاً وسلباً وتخريباً، ولا تسلم من اعتداءاتها النساء ولا الأطفال».
ثم تابع حديثه عن الأزمنة التي سبقت الاستقرار، وعن التحوّلات التي شهدتها المنطقة مع بسط الدولة العثمانية سيطرتها على بلاد الشام في مطلع القرن السادس عشر، وما رافق ذلك من تبدّل في أنظمة الحكم وحركة الجيوش وطرق التجارة.
وكان جدّي يرى أنّ هذه المرحلة أسهمت، على الرغم من تقلّباتها، في تهيئة ظروف ساعدت السكان على الاستقرار وتوسيع العمران.
الخيام القديمة... تلّة تحرس الطرق والوديان
كان جدّي يرجّح أنّ عمر الخيام بصورتها العمرانية الحالية يعود إلى قرون عدّة، وربما إلى مرحلة أعقبت انحسار الوجود الصليبي عن المنطقة في أواخر القرن الثالث عشر.
أما التلّة التي نشأت عليها البلدة، فكانت، بحسب الروايات التي تناقلها الأجداد، مكسوّة بغابة كثيفة من الأشجار تمتدّ من شمالها إلى جنوبها.
ولم يكن موقعها الجغرافي عادياً، بل كان يتميّز بإشرافه على مساحات واسعة من السهول والوديان والطرق التي سلكتها القوافل والجيوش عبر العصور.
فمن جهة الجنوب، تطلّ التلال على وادي نهر الأردن وسهل الحولة، الذي كانت تغطي أجزاء واسعة منه المستنقعات والمياه المتدفّقة من نهرَي الحاصباني وبانياس، إضافة إلى الينابيع التي تغذّي مجاري المياه في المنطقة.
ومن أبرز هذه الينابيع نبع الدان، المعروف أيضاً باسم اللدّان، الذي ينبع من السفوح الجنوبية لجبل حرمون، ونبع سريد الذي كان يتفجّر بقوّة مع بدايات الربيع من السفوح الغربية، حتى إنّ جدّي كان يروي أنّ هدير مياهه يُسمع ليلاً من الخيام، ولا سيما في حيّها الشرقي.
ويضاف إلى ذلك نبع الوزاني، بمياهه التي تتدفّق صيفاً وشتاءً، في وادي الحاصباني إلى الجنوب الشرقي من تلال الخيام.
وهكذا كانت البلدة تطلّ على منطقة غنيّة بمصادر المياه والأراضي الزراعية، وفي الوقت نفسه على طرق عبور ذات أهمية عسكرية وتجارية.
سهل مرجعيون... أرض الزراعة وممرّ الجيوش
يروي جدّي أنّ السكان الذين كانوا يزاولون الزراعة في سهل مرجعيون، خلال الفترات القديمة المضطربة، لم يكونوا كثيرين، وأنّهم كانوا معرّضين باستمرار لمخاطر الغزوات والجيوش العابرة.
ولفهم أهمية موقع الخيام، كان لا بدّ من العودة إلى الطرق التي سلكتها الجيوش القادمة من الجنوب باتجاه الشمال.
فقد كانت هناك طريقان رئيسيتان:
الطريق الأولى: الطريق الساحلية
وهي التي تمتدّ من عكا إلى صور وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس، ومنها شمالاً باتجاه اللاذقية والإسكندرونة.
الطريق الثانية: الطريق الداخلية
وكانت تسلك وادي الأردن مروراً بطبريا وسهل الحولة، ثم تتفرّع إلى مسارين:
مسار يمرّ بمرجعيون ووادي التيم والبقاع، وصولاً إلى حمص وحماة وحلب.
ومسار آخر يعبر وادي بانياس والقنيطرة، باتجاه دمشق.
وكانت التلال التي تقوم عليها الخيام تشرف على هذه الممرّات، ما منحها أهمية خاصة في مراقبة حركة العابرين والجيوش.
الدردارة... محطة استراحة للجيوش والقوافل
بحسب ما كان يرويه جدّي، شكّل سهل مرجعيون، ولا سيما منطقة الدردارة ومحيطها، مكاناً مناسباً لاستراحة الجيوش والقوافل، نظراً إلى توافر المياه والمساحات المنبسطة.
فكانت الجيوش التي تعبر المنطقة تتوقّف قرب مصادر المياه، وتنصب خيامها، وتستريح خيولها ودوابّها، وتعيد تنظيم وسائل النقل والتموين قبل متابعة المسير.
وكانت الجيوش الكبيرة تحتاج إلى كميات ضخمة من الطعام والماء والعلف، الأمر الذي كان يفرض أعباء ثقيلة على السكان المقيمين بالقرب من معسكراتها.
ولم تكن تلك الإقامة العابرة تخلو، في كثير من الأحيان، من الاعتداءات والنهب والتخريب، ما كان يدفع الأهالي إلى ترك مساكنهم والبحث عن أماكن أكثر أمناً.
وهنا، بحسب رواية جدّي، برزت أهمية التلّة المشجّرة التي نشأت عليها الخيام.
هل جاءت تسمية «الخيام» من خيام الهاربين من الغزوات؟
كان جدّي يربط بين طبيعة الموقع وأصل تسمية البلدة.
فحين كانت الجيوش تعسكر في السهل، كان السكان، وفق الرواية المتوارثة، يلجأون إلى التلال المرتفعة ليختبئوا بين الأشجار، أو يحتموا بالمغاور والكهوف، أو يقيموا خياماً مؤقّتة تؤويهم حتى زوال الخطر.
وعندما كان يلوح خطر الغزوات، كان الناس يتنادون قائلين:
«هيّا بنا إلى الخيم... إلى الخيام!»
ومن هنا، كان جدّي يفسّر نشأة اسم البلدة، ويرى أنّه ارتبط بتلك الخيام التي اتّخذها السكان ملجأً من أخطار الجيوش العابرة.
وهي رواية شعبية تستحقّ الحفظ والتوثيق، وإن كان تحديد الأصل التاريخي للتسمية يحتاج إلى الاستناد إلى وثائق ومصادر متخصّصة.
«الخرايب»... اسم يحمل آثار الماضي
وفي سياق حديثه عن الخيام القديمة، كان جدّي يشير إلى منطقة تقع عند سفح التلّة، ولا تزال تُعرف باسم «الخرايب».
وكان يعتبر أنّ هذه التسمية تحمل دلالة على وجود عمران قديم اندثر مع مرور الزمن.
فاسم «الخرايب»، في تفسيره، يوحي بأنّ المكان كان مأهولاً في مرحلة سابقة، قبل أن تتعرّض أبنيته للدمار وتتحوّل إلى أطلال.
وكان يرجّح أنّ ذلك الخراب قد يكون ناجماً عن زلزال أو عن إحدى الغزوات التي اجتاحت المنطقة، حيث كانت الجيوش تخلّف وراءها الدمار وتدمّر أحياناً معالم الحياة في القرى التي تمرّ بها.
وهكذا بقي الاسم، في الذاكرة الشعبية، شاهداً على مكان يُعتقد أنّه عرف الحياة والعمران قبل أن تطويه الأحداث.
«رأس الملوك»... التلّة التي أشرفت على معسكرات الجيوش
ومن المعالم التي كان جدّي يحرص على ذكرها منطقة «رأس الملوك»، الواقعة على تلّة تشرف على الدردارة من جهة الشرق.
وكان يروي أنّ قادة الجيوش والملوك الذين يعسكرون في السهل كانوا يختارون الأماكن المرتفعة القريبة من معسكراتهم للإقامة ومراقبة حركة الجنود.
فتُنصب لهم الخيام الكبيرة، أو ما كان يُعرف بالصيوان، في مواقع تتيح لهم الإشراف على المعسكر ومتابعة تحرّكات القوات.
ومن هنا، كان جدّي يربط اسم «رأس الملوك» بتلك الإقامات العسكرية القديمة، ويرى فيه أثراً من آثار الأهمية الاستراتيجية للمنطقة.
وقد بقي هذا الاسم متداولاً بين أبناء الخيام، حاملاً معه حكاية من حكايات المكان وتاريخه.
من الغابة إلى البلدة... كيف نشأت الخيام؟
مع تراجع الأخطار واستقرار الأهالي، بدأت التلّة التي كانت تغطّيها الأشجار تتحوّل تدريجياً إلى مكان للسكن والعمل والزراعة.
فكان السكان يزيلون بعض الأشجار لإقامة المنازل وفتح المساحات الزراعية، ويستفيدون من أخشابها في التدفئة والطهو وأعمال البناء وسائر حاجاتهم اليومية.
وكان الحرش القديم يضمّ أنواعاً متعدّدة من الأشجار، منها السنديان والبطم والملّول والخروب، إلى جانب أشجار أخرى اشتهرت بها المنطقة.
غير أنّ أبرز أشجار ذلك الحرش، وأكثرها حضوراً في ذاكرة الناس، كانت شجرة معمّرة عُرفت باسم «الميسي».
وكانت هذه الشجرة، بحسب ما تناقلته الأجيال، من أقدم أشجار الخيام وأضخمها، حتى أصبحت رمزاً للقدم والعراقة.
شجرة «الميسي»... ذاكرة الخيام ومجلس الشيخ عبد الكريم صادق
من منا لم يسمع في الخيام التعبير الشعبي:
«عمره من عمر الميسي!»
أو:
«أعتق من الميسي!»
كان هذا التعبير يُقال للدلالة على الشيء القديم جداً، أو على الإنسان الذي امتدّ به العمر، حتى صار يُضرب به المثل في القدم.
ولم يأتِ هذا التعبير من فراغ، فقد كانت «الميسي» شجرة عظيمة ومعمّرة، لا يعرف الناس على وجه الدقّة متى نبتت أو كم بلغ عمرها.
وكانت تتميّز بجذعها الكبير وأغصانها الممتدّة، حتى إنّ ظلّها كان يشكّل مظلّة طبيعية واسعة، قُدّر قطرها بنحو عشرين متراً.
وبالقرب منها كانت تقوم دار سماحة الشيخ عبد الكريم صادق، الذي ارتبط اسمه بهذه الشجرة وبالمجلس الذي كان ينعقد في ظلّها.
وكانت تحيط بالميسي مقاعد حجرية يجلس عليها الشيخ، رحمه الله، في المساء، ويلتفّ حوله رجال البلدة للتداول في شؤون الخيام وأحوال أهلها.
هناك، تحت أغصان الشجرة الوارفة، كانت تُطرح قضايا الناس، وتُناقش شؤونهم الاجتماعية، ويستمع الحاضرون إلى مواعظ الشيخ ونصائحه وأشعاره التي كان يجود بها.
وهكذا لم تكن الميسي مجرّد شجرة، بل كانت مجلساً اجتماعياً وثقافياً، وملتقى يجمع أهل البلدة على المحبّة والحوار والتشاور.
وظلّت هذه الشجرة رمزاً من رموز الخيام حتى سبعينيات القرن الماضي، حين شهدت البلدة النزوح والاعتداءات والدمار، وكانت الميسي، بحسب ما يرويه أبناء البلدة، من المعالم التي طالتها أعمال التدمير على أيدي القوات الإسرائيلية وعملائها.
وبرحيلها، فقدت الخيام شاهداً حيّاً على جانب عزيز من تاريخها وذاكرتها الاجتماعية.
الخيام... موقع للرصد والإنذار عبر العصور
لم تكن أهمية الخيام محصورة في كونها مكاناً للاستقرار والزراعة، بل إنّ موقعها المرتفع جعلها نقطة مراقبة طبيعية للطرق والممرّات المحيطة بها.
ويشير جدّي إلى وجود آثار قديمة جنوبي المعتقل، أو الثكنة العسكرية سابقاً، كان يُعتقد أنّها تعود إلى موقع استُخدم للرصد والإنذار.
وتروي الذاكرة الشعبية أنّ النيران كانت تُشعل في هذا الموقع لإرسال إشارات تحذيرية، بواسطة النار والدخان، إلى المواقع العسكرية البعيدة، ومنها قلعة الشقيف.
وكان الهدف، بحسب هذه الرواية، التنبيه إلى اقتراب قوات عسكرية من جهة الجنوب.
ففي الأزمنة التي سبقت ظهور وسائل الاتصال الحديثة، كانت إشارات النار والدخان من الوسائل المعروفة للتواصل بين مواقع المراقبة المرتفعة.
وهكذا، فإنّ موقع الخيام، بما يتيحه من رؤية واسعة، جعلها ذات أهمية في مراقبة التحركات العسكرية والإنذار المبكر.
الحرب العالمية الثانية... معارك الخيام ومرجعيون عام 1941
ولم تتوقّف أهمية موقع الخيام عند أحداث التاريخ القديم، بل ظهرت مجدّداً خلال الحرب العالمية الثانية.
فبعد سقوط فرنسا عام 1940، أصبحت القوات الفرنسية الموجودة في لبنان وسوريا تابعة لحكومة فيشي، التي تعاونت مع ألمانيا النازية.
وفي عام 1941، شنّت القوات البريطانية، بمشاركة قوات الحلفاء وفرنسا الحرّة، حملة عسكرية على لبنان وسوريا، بهدف إنهاء سيطرة قوات فيشي.
وجاء الهجوم من محاور عدّة، من بينها المحور الساحلي، والمحور الداخلي الذي مرّ عبر مرجعيون والخيام.
وكانت ثكنة الخيام من المواقع العسكرية المهمة في المنطقة، وشهدت محيطها معارك عنيفة بين القوات المهاجمة والقوات الفرنسية التابعة لحكومة فيشي.
ويروي جدّي أنّ الثكنة انتقلت السيطرة عليها أكثر من مرّة خلال المعارك، وأنّ القوات الفرنسية أبدت مقاومة شديدة في مواقعها.
وكانت من أبرز المواجهات تلك التي دارت شمالي الخيام، في منطقة تُعرف باسم «جلحة» أو «الجلاحية».
«جلحة» أو «الجلاحية»... معركة بقيت في الذاكرة
كانت معارك منطقة جلحة، كما يروي جدّي، من الأحداث التي تركت أثراً في ذاكرة أهل الخيام خلال الحرب العالمية الثانية.
فقد حاولت القوات البريطانية والقوات المتحالفة معها التقدّم عبر المحور الداخلي باتجاه البقاع، وصولاً إلى مطار رياق الذي كان يتمتّع بأهمية عسكرية كبيرة.
لكنّ القوات الفرنسية التابعة لحكومة فيشي قاومت هذا التقدّم، ودارت مواجهات عنيفة في محيط الخيام ومرجعيون.
ويذكر جدّي أنّ القوات المهاجمة واجهت صعوبة في فتح الطريق نحو البقاع عبر هذا المحور، وأنّ الجنود الفرنسيين استمرّوا في القتال في مواقعهم في منطقة الجلاحية.
وبقيت أسماء تلك المواقع والمعارك حاضرة في أحاديث الأجداد، شاهدة على مرحلة كانت فيها الخيام جزءاً من صراع عسكري واسع امتدّ إلى مناطق كثيرة من لبنان وسوريا.
الخيام... بلدة تختزن التاريخ وتحتضن التنوّع
هكذا كانت الخيام، كما عرفناها من أحاديث جدّي: بلدة تقوم على تلّة تشرف على السهول والوديان، وتختزن في أرضها وأسمائها وحجارتها وأشجارها حكايات أجيال تعاقبت عليها.
شهدت مرور الجيوش والقوافل، وعرفت فترات الحرب والخوف والنزوح، كما عرفت الاستقرار والزراعة والعمران والتعاون بين أهلها.
ولعلّ ما ميّز الخيام، إلى جانب موقعها الاستراتيجي، هو طبيعة مجتمعها وتنوّعه الديني والإنساني.
فقد عُرفت البلدة بوجود أربع كنائس وجامع واحد، في مشهد يعكس تاريخاً من التلاقي والعيش المشترك بين أبنائها.
وكانت العلاقات الاجتماعية وروابط الجيرة والعمل والمصاهرة تشكّل نسيجاً إنسانياً يجمع أهلها، على اختلاف انتماءاتهم، في إطار من المحبّة والتعاون والتكافل.
تبقى الخيام... ويبقى تاريخها حيّاً في الذاكرة
حين أستعيد اليوم حكايات جدّي، أشعر أنّ كلّ زاوية في الخيام تحمل قصّة، وأنّ كلّ اسم من أسماء مواقعها القديمة يخفي وراءه صفحات من التاريخ تستحقّ أن تُروى.
من الدردارة إلى رأس الملوك، ومن الخرايب إلى الجلاحية، ومن شجرة الميسي إلى الثكنة القديمة، تتكامل الحكايات لترسم صورة البلدة التي عاشت على تماسّ دائم مع أحداث المنطقة وتحولاتها.
وقد تتغيّر معالم الأمكنة، وتختفي الأشجار والبيوت القديمة، لكنّ الأسماء والروايات تبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال.
ولذلك، فإنّ الحفاظ على هذه الذكريات ليس مجرّد حنين إلى الماضي، بل هو حفاظ على جانب من هوية الخيام وتاريخها وتراثها الإنساني.
هذه هي الخيام التي حدّثني عنها جدّي، والتي عرفناها وأحببناها: بلدة التآخي والعيش المشترك، وبلدة المحبّة والتعاون، وبلدة الصمود وإرادة الحياة.
وإلى لقاء جديد، مع حكاية أخرى من ذكريات الماضي، وأيام الصبا في الخيام.
بكلّ المحبّة والوفاء للخيام وأهلها.
فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com