
في الريف، بما يضمّه من قرى وبلدات، كانت هناك مقولة قديمة تختصر جانباً كبيراً من حياة الناس آنذاك: «فلاح مكفّي... سلطان مخفّي».
والمقصود بها أن الفلاح الذي يؤمّن مؤونة بيته لعام كامل، ولا يحتاج إلى أحد إلا نادراً، يصبح كأنه سلطان مستقلّ بنفسه، يعيش من خيرات أرضه، ولا ينتظر دعماً أو مساعدة من أحد.
المونة... استعداد لسنة كاملة
بعد انقضاء الشتاء وظهور تباشير نهاية الربيع، كان الريفي يبدأ الاستعداد لمؤونة العام المقبل، خصوصاً مع اقتراب مواسم نضوج الثمار وحصاد القمح والعدس والحمص، ومع ولادة الماشية من أبقار وأغنام وماعز، ثم انتظار موسم الزيتون للتزوّد بالزيت والزيتون المكبوس، إضافة إلى التين المجفف والزبيب والمربيات على أنواعها.
وهكذا كانت المونة مشروعاً سنوياً متكاملاً، تشارك فيه الأسرة كلها، ويؤمّن لها جانباً كبيراً من حاجاتها حتى حلول الموسم التالي.
اللبنة المكعزلة والجبن الأبيض
في أواخر الربيع، وبعد أن تكون الأبقار والأغنام والماعز قد شبعت من خيرات المراعي، تبدأ عملية إعداد اللبنة المكعزلة.
يُروَّب الحليب أولاً لإنتاج اللبن، ثم يوضع اللبن في أكياس من الكتان أو القطن حتى يتخلص من مائه ويصبح أكثر تماسكاً. بعد ذلك تُقسم الكتلة إلى قطع صغيرة، وتُشكّل على هيئة كرات متوسطة الحجم، ثم توضع في أوعية زجاجية أو فخارية وتُغمر بزيت الزيتون، لتُحفظ حتى الشتاء وتكون جزءاً من ترويقة الصباح.
وفي حالات أخرى، كان الحليب الطازج يُستخدم مباشرة لإعداد الجبن الأبيض، فيُقطّع إلى مكعبات أو قطع متوسطة، ثم يُحفظ في الماء والملح داخل أوعية فخارية أو زجاجية.
موسم الحصاد والبيدر
مع حلول الصيف، تنضج المزروعات الشتوية من قمح وحمص وعدس، بينما يتأخر موسم الذرة إلى نهاية الصيف لأنها من الزراعات الصيفية.
وهنا يبدأ الحصاد، وينقل الفلاح إنتاجه إلى البيدر لدرسه وفصل الحبوب عن السنابل والعيدان اليابسة.
كان القمح، بعد درسه، يُجمع على شكل عرمة، ثم يُفصل التبن عن الحبوب بواسطة المدراة. وينطبق الأمر إلى حدّ كبير على العدس، أما الحمص فله طريقة مختلفة، لأن نبتته وحبوبه أكثر ليونة ولا تتحمل الدرس بالنورج بالطريقة نفسها، حتى لا تتعرض للسحق والتلف.
البرغل... مؤونة أساسية
مع نهاية الصيف تقريباً تبدأ عملية إعداد القمح لصناعة البرغل.
والبرغل في أساسه هو قمح مسلوق، ثم مجفف ومجروش، ويُصنَّف بحسب حجم الحبة بعد الجرش.
فإذا كان ناعماً جداً وقريباً من الطحين سُمّي الجريش، وهو أقل استعمالاً. وإذا كان أنعم بقليل سُمّي البرغل الناعم، ويُستخدم في الكبة النية وما شابهها. أما الحبوب الأكبر حجماً فتُعرف بـالبرغل الخشن، ويُستخدم في أنواع كثيرة من الطبخ.
«الخلقيني» والعونة الجماعية
أما سلق القمح فكان مناسبة اجتماعية بحد ذاته.
كانت تُستخدم لهذا الغرض الخلقيني، وهي طنجرة كبيرة جداً لا يقل قطرها تقريباً عن متر، وعمقها عن خمسة وسبعين سنتيمتراً.
توضع فوق موقد، وتُملأ بالماء، ثم يوضع فيها القمح المنقّى والخالي من الشوائب، وتُشعل النار تحتها حتى ينضج القمح وتبدأ بعض حباته بالتفتح.
وهنا تبدأ العونة، ويتجلى التعاون بين أبناء البيت والجيران. يتولى أحد الرجال إخراج القمح المسلوق من الخلقيني، ثم يوضع في أقفاص أو أوعية وينقل إلى سطح المنزل، الذي يكون قد أُعد مسبقاً لاستقباله، لينشر ويُجفف تحت الشمس.
وكانت النساء والأولاد يشاركون في نقل ما كنا نسميه «الألبي» إلى السطوح.
وفي نهاية العمل، يجلس المشاركون ويتناول كل واحد منهم صحناً من القمح المسلوق، يضيف إليه قليلاً من السكر، فيأكلونه بفرح وكأنها مكافأة على يوم كامل من العمل.
من الألبي إلى الجاروشة
بعد التأكد من أن القمح المسلوق قد جف تماماً، يُجمع ويُخزَّن إلى وقت الحاجة، ثم يؤخذ إلى الجاروشة ليُجرش حسب الكمية المطلوبة.
ومن هذا البرغل كانت تُعد أكلات كثيرة، من أشهرها المجدرة الحمراء مع البصل أو الفجل والزيتون، إضافة إلى المجدرة المصفاة والمجدرة بالأرز.
وكان البرغل يدخل أيضاً في كثير من أطباق الريف، مثل الكبة على أنواعها، والتبولة، وبعض أنواع الشوربة والبقوليات.
المخللات والمربيات... مؤونة الشتاء
لم تكن المونة تقتصر على الحبوب ومشتقات الحليب، بل كانت تشمل أيضاً المخللات، أو ما نسميه الكبيس، ومنها الخيار والقثاء والباذنجان.
كما كانت ربة المنزل تتفنن في إعداد المربيات، مثل مربى التين والسفرجل والمشمش والتفاح وغيرها من الفواكه، لتبقى محفوظة لأيام الشتاء.
لماذا قيل «فلاح مكفّي... سلطان مخفّي»؟
من هنا جاءت تلك المقولة الشعبية.
فالفلاح الذي أمّن خبزه، وبرغله، وزيته، وجبنه، ولبنته، ومخللاته، ومربياته، وحبوبه، كان يعيش بشعور من الاكتفاء والاستقلال وراحة البال.
ولعل أجمل ما في حياة ذلك الزمن أنها كانت أبسط وأقرب إلى الطبيعة، وأكثر حركة ونشاطاً جسدياً، قبل أن تدخل التكنولوجيا الحديثة إلى تفاصيل الحياة اليومية وتغيّر كثيراً من عادات الناس وإيقاعهم.
رحم الله أيام زمان، ورحم الله أجدادنا وأجدادكم، الذين عرفوا معنى الاكتفاء، وقيمة الأرض، وبركة العمل.
فايز أبو عبّاس - الحدث – 3/9/2026

الخيام | khiyam.com
تعليقات: