فايز أبو عباس: ذكريات من الماضي... أيام الطفولة في الخيام (الحلقة الثانية)

المربي الأستاذ فايز أبو عباس
المربي الأستاذ فايز أبو عباس


من «الحومة» و«البركة» إلى ألعاب «الكلّة» و«بونا الطابي» والطائرات الورقية... يستعيد الأستاذ فايز أبو عباس في الحلقة الثانية من ذكرياته صوراً من طفولة أبناء الخيام، يوم كانت الساحات والأزقّة ملاعبهم، وكانت الألعاب الشعبية تصنع أفراحهم ومغامراتهم، بعيداً عن عالم الشاشات ووسائل الترفيه الحديثة.


العطلة الصيفية... حين كانت الخيام ملعباً كبيراً للأطفال

في أيام طفولتنا، كانت المدرسة تأخذ نصيبها من أيام السنة، لكن ما إن تحلّ العطلة الصيفية حتى تبدأ أيام الحرية واللعب واللهو.

كانت في بلدتنا الخيام ثلاثة أماكن رئيسية نقصدها لنمارس ألعابنا بعيداً عن عيون الأهل ومراقبتهم وملاحقاتهم: «الحومة» و«البركة» ومكان ثالث كان يُعرف بـ«المزبلة القديمة».

كنا نستغل أيام العطل والأعياد لنجتمع مع أترابنا من أبناء الحارة والأقارب والجيران، ممن تقاربنا معهم في العمر، فنؤلّف مجموعات صغيرة، أو ما كنّا نسمّيه يومها «عصابات»، ونتنافس ونتصارع ونتشاجر أحياناً، ثم نعود إلى بيوتنا وثيابنا ملطّخة بالغبار والطين، وربما بالدماء نتيجة شجار أو سقوط أثناء اللعب.

لكنّ خلافاتنا لم تكن تدوم طويلاً. فما إن ينتهي الشجار حتى نتصالح ونعود إلى اللعب معاً، وكأنّ شيئاً لم يكن.

وهل يُلام الأطفال على مشاكساتهم؟ ألم يقل المثل الشعبي: «قاضي الأولاد شنق حاله»؟


«التخابي»... مغامرات الليل في أزقّة الحارة

حين يحلّ المساء، ولا سيما في الليالي المقمرة، كنّا نمارس لعبة «التخابي»، وهي من أكثر الألعاب التي أحببناها في طفولتنا.

كانت تقوم على اختباء مجموعة من الأولاد في زوايا معتمة بين البيوت والأزقّة والزواريب، بينما يتولّى أحدنا مهمة البحث عن المختبئين ومراقبة تحرّكاتهم ومحاولة الإمساك بأحدهم، ليحلّ مكانه في دور المراقبة والبحث.

لم نكن نبتعد كثيراً عن حارتنا، فقد كان لكلّ حارة أطفالها ومجموعتها الخاصة، وكان أكبرنا لا يتجاوز الثامنة من عمره تقريباً.

كنّا نعرف أزقّتنا وزوايا بيوتنا كما نعرف وجوه بعضنا بعضاً، ونحوّلها مع حلول الليل إلى عالم مليء بالمغامرات والمفاجآت والضحكات.

وفي صباح اليوم التالي، كنّا نلتقي في الساحة أمام المدرسة، فيروي كلّ واحد منّا ما جرى معه، وما قام به خلال الأيام السابقة، فتتجدّد الحكايات والمشاحنات البريئة.


«الكلّة» و«البنانير»... ألعاب المهارة والحظّ

أما في النهار، فكانت أمامنا ألعاب كثيرة، من أبرزها «الكلّة» أو «البنانير»، و«الطابة»، والطائرات الورقية، وغيرها من الألعاب الشعبية التي كانت تملأ أوقاتنا.

وكانت لعبة «الكلّة» من أكثر الألعاب انتشاراً بين الأطفال، وقد تحوّلت لدى بعضهم من مجرّد وسيلة للتسلية إلى نوع من المراهنة على الربح والخسارة.

وكانت تُستخدم فيها أحياناً القطع النقدية المعدنية، أي القروش، في زمن كانت فيه خمسة قروش تساوي فرنكاً فرنسياً، بحسب ما كنّا نتداوله، ولذلك شاع إطلاق اسم «فرنك» على قطعة الخمسة قروش اللبنانية السورية.


ومن ألعاب «الكلّة» ما كنّا نسمّيه «الشكّ».

كانت تقوم على صفّ عدد من القروش المعدنية بصورة متتابعة على خط مستقيم، ثم يتناوب اللاعبون على رمي «الكلّة» أو «البنّورة» باتجاهها، في محاولة لإصابة القطع المنصوبة، واحدة بعد أخرى.

وكان اللاعب الذي يُخطئ هدفه يفسح المجال لزميله التالي، وهكذا تستمرّ اللعبة حتى انتهاء الجولة.


لعبة الدائرة و«الجورة» و«التاسي»

لم تقتصر ألعاب البنانير على ضرب القروش المعدنية، بل كانت لها أشكال أخرى.

ففي إحدى الألعاب، كنّا نرسم دائرة على الأرض، يتراوح قطرها بين نصف متر ومتر تقريباً، ونضع داخلها مجموعة من الكلل الزجاجية.

ثم يتناوب اللاعبون على قذف كللهم باتجاه ما في داخل الدائرة، محاولين إخراج أكبر عدد ممكن منها إلى الخارج.

وكان كلّ ما ينجح اللاعب في إخراجه من الدائرة يصبح من نصيبه، أما إذا أخفق في إخراج أيّ كلّة، فينتقل الدور إلى اللاعب الذي يليه.

وكانت المهارة في التصويب، وحسن تقدير المسافة والاتجاه، تحدّد مقدار ما يربحه كلّ لاعب.

وهناك أيضاً لعبة «الجورة»، التي تقوم على محاولة إدخال الكلّة في حفرة صغيرة تُحفر في الأرض وتُعرف بهذا الاسم.

أما لعبة «التاسي»، فكانت تُستخدم فيها القروش المعدنية أيضاً، وهي أقرب إلى ألعاب الحظّ والميسر، وإن كان الأطفال يمارسونها أحياناً لمجرّد التسلية.

كانت هذه الألعاب، على بساطة أدواتها، تثير في نفوسنا حماسة كبيرة، وتعلّمنا المنافسة والصبر ودقّة التصويب، كما كانت تملأ نهاراتنا بالضحك والصياح والمغامرات.


«بونا الطابي»... اللعبة التي كانت تجمع أبناء الحارة

ننتقل الآن إلى لعبة أخرى كانت من أحبّ الألعاب إلى نفوسنا، وهي «بونا الطابي».

وكانت أداتها الأساسية كرة صغيرة مصنوعة من الجلد أو المطّاط، الذي كنّا نسمّيه «الكوتشوك».

وكانت اللعبة تُمارس بين فريقين، يضمّ كلّ منهما عدداً من اللاعبين يقارب أصابع اليد الواحدة، ويتولّى قيادة كلّ فريق أحد أفراده، الذي كنّا نطلق عليه اسم «القائد» أو «الوالد».

وكان لكلّ فريق دوره في اللعب، ويتبادل الفريقان الأدوار عندما يرتكب أحدهما خطأً يؤدّي إلى خسارته الجولة.


كيف كنّا نلعب «بونا الطابي»؟

كان قائدا الفريقين يتواجهان في بداية الجولة.

يرمي أحدهما الكرة عالياً في الهواء، فيما يتولّى قائد الفريق الآخر ضربها بعصا، محاولاً إرسالها إلى أبعد مسافة ممكنة.

وفي هذه الأثناء، ينتشر أفراد الفريق الذي رمى الكرة في أنحاء الملعب لالتقاطها، ومحاولة إصابة لاعبي الفريق المنافس بها.

أما أفراد الفريق الذي ضرب الكرة، فعليهم الانطلاق نحو نقطة محدّدة في وسط الملعب، ثم العودة سريعاً إلى مواقعهم، من دون أن تصيبهم الكرة التي يرميها الفريق الآخر.


وكانت هذه الرحلة ذهاباً وإياباً تُسمّى «الحجّ».

فمن ينجح في الوصول إلى النقطة المحدّدة والعودة سالماً، من دون أن تصيبه الكرة، يكون قد أنجز «الحجّ»، ويحقّ له عندئذٍ أن يشارك في ضرب الكرة التي يرميها قائد الفريق المنافس.

أما اللاعب الذي تصيبه الكرة أثناء محاولته الوصول إلى تلك النقطة أو العودة منها، فيُخرَج من اللعب.

وتستمرّ المنافسة حتى يُخرَج جميع أفراد أحد الفريقين، فتتبدّل الأدوار، وينتقل الفريق الخاسر إلى الموقع الذي كان يشغله الفريق الآخر.


قائد الفريق أو «الوالد»... وصيحته الشهيرة

كان لقائد الفريق دور أساسي في إدارة اللعبة.

هو الذي يقرّر متى يسمح لأفراد فريقه بالانطلاق لأداء «الحجّ»، ولا يحقّ لأيّ لاعب أن يتحرّك من دون إذنه.

ولهذا السبب، كنّا نسمّيه أحياناً «الوالد»، لما يتمتّع به من سلطة على أفراد فريقه.

وكان للقائد عدد محدّد من الضربات، يستطيع تجديده عندما ينجح أحد لاعبيه في إتمام «الحجّ» والعودة سالماً.

لكن إذا استنفد معظم ضرباته، ولم يبقَ له سوى ضربة واحدة، كان يرفع صوته منادياً أفراد فريقه بالعبارة التي ما زلت أذكرها:

«هيدي آخر هيّي... من هيّات بيّي مفكّكين!»

وكان معناها أنّها الضربة الأخيرة المتاحة للقائد، وعلى أفراد الفريق جميعاً الانطلاق إلى النقطة المحدّدة في الملعب والعودة سالمين، حتى يتمكّنوا من تجديد فرص اللعب.

فإذا أخفقوا، خسروا الجولة لصالح الفريق الآخر.

كانت «بونا الطابي» لعبة مليئة بالحركة والتشويق، تحتاج إلى سرعة الجري، وقوّة الضرب، ودقّة التصويب، وحسن التنسيق بين أفراد الفريق.

ولعلّ أكثر ما كان يميّزها تلك الحماسة الجماعية، والصيحات التي كانت تتردّد في ساحات اللعب، وتملأ أجواء الحارة حياةً وضجيجاً.


الطائرات الورقية... أحلام صغيرة تحملها الرياح

ومن الألعاب التي كانت تستحوذ على اهتمامنا أيضاً صناعة الطائرات الورقية وإطلاقها في السماء.

وكانت الطائرة الورقية تُصنع عادة من الورق والقصب، وتتّخذ أشكالاً مختلفة، فقد تكون مستديرة، أو مثمّنة الأضلاع، أو ذات شكل هندسي آخر.

وكانت تُربط بخيوط موزّعة على سطحها، تلتقي في خيط رئيسي قوي ومتِين، غالباً ما يكون مصنوعاً مما كنّا نسمّيه «المصيص».

وكان طول الخيط يختلف بحسب حجم الطائرة، وكذلك بحسب الإمكانات المادية لصاحبها أو صانعها.

ولم يكن إطلاق الطائرات الورقية ممكناً في كلّ الأوقات، بل كان يعتمد على قوّة الرياح واتجاهها.

لذلك كنّا نترقّب هبوب الرياح الغربية بفارغ الصبر، وما إن تبدأ حتى نسارع إلى إحضار طائراتنا والتوجّه إلى الأماكن المكشوفة لإطلاقها في السماء.

وكان كلّ واحد منّا يحاول أن يرفع طائرته إلى ارتفاع يفوق طائرات الآخرين، وأن يجعلها تحلّق إلى أبعد مدى ممكن.

وكم كنّا نفرح عندما تستجيب الطائرة لحركة الرياح، وترتفع شيئاً فشيئاً، حتى تكاد تختفي في أعالي السماء!

لكنّ المنافسة لم تكن تخلو من المفاجآت.

فكثيراً ما كانت خيوط الطائرات تتشابك، أو تصطدم طائرة بأخرى في الهواء، في ما كنّا نسمّيه «الشنكحة».

وعندها تبدأ محاولات إنقاذ الطائرة وفكّ خيطها، وقد تنتهي المغامرة بسقوط إحدى الطائرات أو انقطاع خيطها وضياعها.

ومع ذلك، كنّا نعود إلى صناعتها وإطلاقها من جديد، وكأنّ متعة الطيران كانت تستحقّ كلّ ذلك العناء.


«الحومة» و«البركة» و«المزبلة»... ملاعب الطفولة التي لا تُنسى

تلك كانت بعض الألعاب التي مارسناها في طفولتنا، عندما كنّا أطفالاً لا تتجاوز أعمارنا الثماني أو العشر سنوات.

لم نكن نحتاج إلى ملاعب مجهّزة أو أدوات باهظة الثمن، بل كانت الساحات القروية والأراضي المكشوفة تكفينا لنصنع عالماً واسعاً من المرح والمغامرة.

وكانت «الحومة» و«البركة» و«المزبلة القديمة» من أبرز الأماكن التي احتضنت ألعابنا، وشهدت على صداقاتنا ومنافساتنا ومشاحناتنا البريئة.

في تلك الساحات، تعلّمنا كيف نلعب معاً، وكيف نختلف ونتصالح، وكيف نتعاون ونتنافس، وكيف نحوّل أبسط الأشياء إلى مصدر للفرح والسعادة.

كانت ألعاباً متواضعة في أدواتها، لكنها غنيّة بما تتركه في النفوس من ذكريات.

واليوم، كلّما عادت بنا الذاكرة إلى تلك الأيام، نستحضر صور الأطفال الذين كنّاهم، ووجوه الأصدقاء الذين شاركونا اللعب والضحك، والساحات التي كانت تضجّ بأصواتنا.

لقد تغيّرت الأزمنة، وتبدّلت وسائل الترفيه، وربما اختفت بعض تلك الأماكن أو تغيّرت معالمها، لكنّها لا تزال حيّة في ذاكرتنا، كما لو أنّنا غادرناها بالأمس.

فما أجمل تلك الطفولة التي كانت تجد سعادتها في لعبة بسيطة، وما أغنى تلك الأيام التي لم نكن نملك فيها الكثير، لكنّنا كنّا نملك فرحاً لا حدود له!


في الحلقة القادمة... مغامرات الشتاء واللعب على الثلج

وإذا كانت أيام الصيف تحمل لنا متعة اللعب في الساحات وإطلاق الطائرات الورقية، فإنّ للشتاء في الخيام حكايات أخرى لا تقلّ إثارةً وجمالاً.

فمع تساقط الثلوج وانخفاض درجات الحرارة، كانت تبدأ مغامرات جديدة، من اللعب على الثلج، إلى المشي والانزلاق فوق سطح مياه البركة المتجمّدة، وصولاً إلى بناء التماثيل والأشكال الثلجية.


وإلى ذكريات أخرى من أيام الطفولة في الخيام، نرويها في حلقة قادمة...


فايز أبو عباس