
المهندس عدنان سمور
نشأت فكرة المشروع الصهيوني وترعرعت في احضان الإمبراطورية البريطانية ، وتمحورت حول إستغلال الغرب للحظة تاريخية شديدة الحساسية ، يتم فيها وراثة بريطانيا وفرنسا الذان يمثلان طليعة المشروع الاستعماري الغربي يومها ، لإرث الإمبراطورية العثمانية التي ظلت تتداعى وتضعف وتتراجع على مدى فترة تزيد عن القرن من الزمان ، حتى حان في نهاية المطاف ّوقت افتراسها وتقاسم تركتها الإمبراطورية من قبل حيتان الإستعمار الغربي المتمثل يومها ببريطانيا وفرنسا ، وقد تبنت بريطانيا باكراً مشروع اقتطاع فلسطين مما يعرف بالعالم العربي وإعطاءها لليهود الراغبين بالإنخراط في المشروع الصهيوني وذلك من خلال وعد بلفور ومن خلال الدعم اللامحدود لتشجيع هجرة اليهود الى فلسطين ومن خلال تسليح العصابات الصهيونية التي مثلت النواة العسكرية الحامية والمؤسسة للمشروع الصهيوني ، وكان اختيار بريطانيا لفلسطين ناتج عن اهمية موقعها الاستراتيجي قرب قناة السويس ، التي تمثل قناة الاتصال الرئيسية مع الهند التي كانت تمثل يومها درة تاج مستعمرات الامبراطورية ، التي لا تغيب عنها الشمس ، ومن الدوافع ايضا لهذا الاختيار انه من السهل على الحركة الصهيونية تبني سردية أن فلسطين تمثل أرضاً بلا شعب ، أي أنها أرض خالية من الناس منذ ما يزيد على الألفي عام ، حيث كان يسكنها أجداد هؤلاء اليهود الصهاينة الوافدين الذين ليسوا غزاة ، بل هم اهل الأرض العائدون الى ديار اجدادهم ، وما عودتهم الا تحقيق لوعد الله لهم ،كونهم يمثلون شعبه المختار ، وهذه السردية ليست سوى اسطورة خيالية يتعذر تحقيقها على أرض الواقع ، دون الإصطدام بشعب فلسطيني عريق ومتجذر في أرض فلسطين ، ودون خوضهم أي الصهاينة وداعميهم الغربيين لحروبٍ ومذابح وعمليات تطهير عرقي وإبادات جماعية متتالية ضد الشعب الفلسطيني ، وهذا ما حدث بالفعل وما زالت فصوله مستمرة على أرض الواقع الى يومنا هذا ، منذ ما يزيد على قرن من الزمان ، ولا يمكن فهم حقيقة ما جرى لتحويل الأسطورة الصهيونية الخيالية إلى واقع معاش ، دون استعراضٍ موجزٍ لتاريخ فلسطين والمنطقة بالأرقام وبالسرد الصحيح البعيد عن التحريف والتشويه والإختلاق ، ومن هنا نبدأ باستعراض ما حصل فعلاً :
1- في بداية القرن العشرين كانت نسبة الفلسطينيين العرب في فلسطين تساوي 96% من مجموع سكان فلسطين البالغ حوالي 690.000 نسمة ، كان لا يزيد عدد اليهود عن 30.000 نسمة يومها ، الأمر الذي يتناقض تناقضاً مطلقاً مع الإدعاء الصهيوني بأن فلسطين كانت تمثل قبل مجيئهم اليها أرضاً بلا شعب ، وكانت الهجرة الصهيونية الى فلسطين بدأت في نهاية القرن التاسع عشر .
2- عام 1947 أي قبل إعلان نشوء دولة إسرائل على جزء من ارض فلسطين التاريخية ، ارتفع عدد اليهود الى 608.000 نسمة ، نتيجة الهجرة المدعومة من الغرب وخاصة بريطانيا ، بينما بلغ عدد الفلسطينيين العرب الأصليين 1.4 مليون نسمة .
3- عام 1948 كانت نسبة الأرض التي يملكها اليهود تشكل 6.6% من اجمالي أرض فلسطين ، ورغم ذلك ، اعترف العالم بقيام دولة اسرائيلية على جزء من أرض فلسطين .
4- كان الآباء المؤسسون للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين يعرفون جيداً ومتيقنون بأنهم سيصطدمون بمقاومة الشعب الأصلي ، صاحب الأرض التي ادَّعوا أنها بلا شعب ، لذلك سننقل فيما يلي قولاً لصهيونيٍّ يميني متطرف ، يعتبر أحد الآباء المؤسسين الأوائل للمشروع الصهيوني ولقيام الكيان في فلسطين وهو زئيف جيبوتنسكي ، الذي يقول "كل سكان أصليين ، سواءً كانوا متحضرين أو لا ، يعتبرون أرضهم هي وطنهم القومي" ، هذا يعني ان السيد جيبوتنسكي كان يعلم جيداً أن أرض فلسطين تمثل وطناً قومياً للفلسطينيين ، وأن الصهاينة سيستولون على هذا الوطن القومي وسيسرقون بيوتهم وارزاقهم وإرثهم وموطن ذاكرتهم الجماعية ، وأن الفلسطينيين لا شك سيرفضون وسيقاومون ، ولن يكون مرور المشروع الصهيوني سهلاً .
أما ديفيد بنغريون الذي يعتبر أكثر أهمية من جيبوتنسكي بالنسبة للصهاينة ، وهو المهندس المؤسس لدولة إسرائيل ، فإنه يقول "لماذا يجب على العرب صنع السلام معنا ، فأنا لو كنت زعيماً عربياً لما أبرمت سلاماً مع اسرائيل" ويقول أيضاً "إن الفلسطينيين الأصليين لا يرون سوى شيء واحد ، هو أننا سرقنا بلادهم ، فلماذا عليهم قبول ذلك" ، فإذا كان مؤسس دولة اسرائيل يقول لقد سرقنا بلادهم ، ألا يعني هذا أن الإدعاءات الصهيونية بأن فلسطين أرض بلا شعب ليست سوى سردية مختلقة لا تمت الى الواقع بصلة وها هم قادتها المؤسسون يقولون لوكنا مكان العرب لكنا تمسكنا بحقوقنا ورفضنا تسليمها للغاصبين ، وهذا يعني أيضاً أن الصهاينة كانوا يستبطنون القيام بمشروع استعماري إحلالي ، وأنهم لن يتمكنوا من إنشاء كيانهم بدون إبادات جماعية مستمرة ، حتى يتمكنوا من قتل وإبادة وتشتيت الشعب الفلسطيني بالكامل ، لذلك إقترح جيبوتنسكي مشروع الجدار الفولاذي الذي يجب إنشاؤه لحماية اسرائيل من المقاومة الفلسطينية التي ستنشأ كردٍّ طبيعيٍّ على العدوان الصهيوني وعمليات الإبادة الجماعية التي سيمارسها الصهاينة ضدهم وذلك في مقال شهير كتبه ونشره عام 1923 ، وطرح فيه مشروع القوة القاهرة والمفرطة لإرعاب وإخضاع وتيئيس كل حركة مقاومة فلسطينية يمكن أن تنشأ ، ولذلك خطط بنغريون أيضاً للعمل على خلق مدى حيوي يحيط بإسرائيل يكون منزوع الأنياب المقاومة للمشروع الصهيوني ، ومنشغل بالفتن والحروب والإنقسامات التي على اسرائيل والغرب الجماعي أن يبقوا حريصين على نشرها في منطقة غرب آسيا لتنعم اسرائيل بتفوقها وغلبتها للعرب المحيطين بها .
4- بعد نشوء دولة اسرائيل عام 1948 على جزء صغير نسبياً من مساحة فلسطين ، ونتيجة التطهير العرقي الذي مارسه الصهاينة ، والذي تم بموجبه قتل وترحيل ما بين 700.000 و750.000 نسمة من السكان الفلسطينيين الأصليين ، صار الفلسطينيون يمثلون 20% من مجموع سكان اسرائيل ما بين العامين 1948 و 1967 ، بينما صار اليهود الصهاينة يمثلون 80% من سكان هذا الجزء المحتل من فلسطين ، وقد لجأ عدد كبير من الفلسطينيين الذين تم ترحيلهم بالقوة الى غزة والى الضفة الغربية لتتحول هاتين المنطقتين الى مناطق مكتظة بالسكان ومخيمات اللاجئين .
5- عام 1967 في حرب الأيام الستة إحتلت اسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة ، وبدأت بنشر المستوطنات فيهما ، وهكذا نشأت نواة دولة اسرائيل الكبرى على كامل الأرض التاريخية لفلسطين ، وظلت تتنكر وتعارض كافة مشاريع السلام التي طرحت والتي منها حل الدولتين ، ورغم كل هذا الإجراءات الصهيونية الإجتثاثية للشعب الفلسطيني ، استمر الواقع الديمغرافي ضاغطاً على القادة الصهاينة حتى صار التناسب السكاني اليوم داخل فلسطين التاريخية متعادل بين الفلسطينيين والصهاينة ، 7.3مليون نسمة لكلٍّ منهما ، ورغم الإجرام الصهيوني وعمليات الإبادة الجماعية التي مارسها الصهاينة ضد الفلسطينيين بقيت المقاومة الفلسطينية حيَّةً نابضةً تبتكر أساليب المقاومة رغم الضعف وبطش الإحتلال ، وبقيت تؤكد تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه وأرضه وثرواته ، تماماً كما توقع الآباء المؤسسون للمشروع الصهيوني أمثال جيبوتنسكي وبنغريون .
هكذا ونتيجة استمرار المقاومة الفلسطينية في تهديد الإحتلال الصهيوني والثورة عليه ، إضطر الزعيم الصهيوني اليميني المتطرف آرييل شارون عام 2005 للإنسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات وسحب المستوطنين ، وكان قادة الكيان الصهيوني يستبطنون في انسحابهم من غزة ، تحويلها الى معسكر اعتقال كبير كما صرح المستشار الأمني لآرييل شارون يومها دوف فيسغلاس الذي قال "إن إسرائيل تريد وضع الفلسطينيين في غزة في معسكر اعتقال ، وسنجمد العملية السياسية ولن نعطيهم أي فرصة للحكم الذاتي".
عام 2007 انتخب الغزِّيون في الإنتخابات التشريعية مرشحي حركة حماس الذين يمثلون إستمرار مشروع المقاومة ضد الإحتلال وعدم الإستسلام لتوحشه وبطشه وإجرامه ، وهكذا تم طرد ممثلي السلطة الفلسطينية التي ما زالت تراهن على إمكانية صنع سلام مع كيان استعماريٍّ إحلالي إبادي .
حصار غزة
بعد فوز حماس في الانتخابات وسيطرتها على قطاع غزة في عام 2007 ، بدأت إسرائيل بحصار ها وبالعمل على إخضاعها ، من خلال اعتماد نظام سموه "نظام الحد الأدنى من السعرات الحرارية ، بحيث يتم إدخال الحد الأدنى فقط من الغذاء والدواء الى غزة المحاصرة لمنع حدوث مجاعة جماعية كارثية تُؤذي سمعة إسرائيل دولياً ، مع إبقاء السكان على حافة النقص الدائم .
سياسة الاغتيالات المستمرة
اعتمدت اسرائيل اغتيال القيادات الفلسطينية بطريقة منهجية مكثفة ومستدامة ، لم تراعي في اغتيالها الشيخ أحمد ياسين (مؤسس حركة حماس) عام 2004 بواسطة مروحية أباتشي رغم أنه كان شيخاً مسناً مقعداً وعلى كرسي متحرك
عمليات "قص العشب
كانت استراتيجية الجيش الإسرائيلي متمثلة في شن هجمات عسكرية واسعة دورية على غزة لإضعاف فصائل المقاومة وتذكير السكان بأنها هي أي اسرائيل هي المسيطر ، لذلك نرى أن عدد القتلى في عمليتين شهيرتين قامت بهما اسرائيل يفوق عدد قتلى عملية 7 أكتوبر وهما
• في عملية "الرصاص المصبوب" (Cast Lead) عامي 2008-2009 ، قُتل فيها 1391 فلسطينياً
• في عملية "الجرف الصامد" (Protective Edge) عام 2014 ، قُتل 2023 فلسطينياً (وهو أكثر من ضعف عدد القتلي الإسرائيليين في 7 أكتوبر)
أحداث 7 أكتوبر (ثورة المعتقلين)
مما سبق ادركت قيادة المقاومة في فلسطين ، أن اسرائيل ، هذا الكيان الإلغائي المجرم ، إضافة لدعم وتغطية الغرب الجماعي لها ، في الابادة الجماعية التي تمارسها دون حسيب او رقيب من المؤسسات الدولية الراعية للنظام الدولي ولحقوق الإنسان ، لن ينفع معها الا عمل مقاوم استثنائي يهز الضمير العالمي المخدر ، ويوقظ احرار العالم واصحاب الضمائر الحية ، لذلك لم يجدوا أمامهم مخرجاً من هذا النفق المظلم إلا القيام بما قاموا به في 7 أكتوبر ، وهذا العمل الفدائي الجريء ، لم يكن نابعاً من "معاداة سامية جينية أو نازية جديدة" كما يدعي الصهاينة والغرب الجماعي في سرديتهم المختلقة والتي بدأ العالم يكتشف زيفها وخداعها ، بل كان عملاً فدائياً شبيهًا بـ "تمرد السجناء" أو "ثورة العبيد" ضد معسكر اعتقال أو سجن مفتوح عانوا فيه لعقود من الحصار والفقر وانعدام الأفق ، وكان هدفهم الأساسي هو كسر الطوق ونيل الحرية واستعادة أراضيهم .
• موقف القانون الدولي:
إن هجوم حماس داخل الأراضي الإسرائيلية يوم 7 أكتوبر (بغض النظر عن الجدل حول سلوكيات القتال الميدانية) كان قانونياً ومشروعاً بموجب القانون الدولي ، لأن القانون الدولي يعترف بحق الشعوب الواقعة تحت احتلال غير شرعي (مثل الاحتلال الإسرائيلي لغزة) في استخدام المقاومة المسلحة للدفاع عن نفسها ونيل حريتها ، ومن لديه إجتهاد مخالف لهذا الإجتهاد ، فليستعرض بصدقٍ وأمانة تاريخ الشعب الفلسطيني في صراعه مع الصهاينة الناهبين لوطنه القومي ، وليستعرض معاناة وتضحيات هذا الشعب ، ومبادراته لإيجاد حلول تضمن حفظ ولو الحد الأدنى من حقوقه في ارضه ورزقه وحريته ، وليقرأ تاريخ الحركة الصهيونية وعلاقتها بالمشروع الإستعماري الغربي الساعي للهيمنة على الشعوب ونهب ثرواتها ولو كان باستخدام ابشع انواع الجرائم ، وارتكاب افظع انواع الابادات الجماعية كما حصل في غزة على مرأى ومسمع العالم اجمع .
ع.إ.س
باحث عن الحقيقة
16/10/2026
الخيام | khiyam.com