
المربي الأستاذ فايز أبو عباس
من مدرسة «أبو عبدو» و«حسين الشيخ خليل» في العهد العثماني، إلى المدارس الرسمية والخاصة التي احتضنت آلاف التلاميذ... حكاية نهضة تربوية كان الأستاذ علي عبد الله أحد أبرز روّادها، وأسهمت في تخريج أجيال من أبناء الخيام في مختلف الميادين العلمية والمهنية.
في شهادة تستعيد جانباً مهماً من الذاكرة التربوية والثقافية لبلدة الخيام، يروي الأستاذ فايز أبو عباس مراحل تطوّر التعليم فيها، منذ أيام الحكم العثماني، مروراً بالانتداب الفرنسي والاستقلال، وصولاً إلى النهضة التعليمية الواسعة التي شهدتها البلدة خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قبل أن تتأثر مسيرتها بأحداث الاحتلال والتهجير والهجرة.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لما تتضمنه من أسماء معلمين ومدارس وشخصيات تربوية تركت بصماتها في ذاكرة أجيال من أبناء الخيام، وأسهمت في تحويل البلدة إلى مركز تعليمي وثقافي بارز في محيطها.
التعليم في العهد العثماني... الكتاتيب والمدارس الدينية
يستهل الأستاذ فايز أبو عباس حديثه بالإشارة إلى أن التعليم في الخيام خلال العهد العثماني لم يكن قائماً على نظام مدرسي رسمي بالمعنى المعروف لاحقاً، بل اعتمد بصورة أساسية على الكتاتيب والمدارس الدينية التي كان يشرف عليها رجال الدين.
وكانت هذه المدارس تُعنى بتعليم القرآن الكريم والقراءة والكتابة، في حدود الإمكانات والوسائل المتاحة آنذاك.
ويستحضر الأستاذ فايز، نقلاً عما رواه الأهل وكبار السن، اثنتين من أبرز المدارس التي عرفتها الخيام في تلك المرحلة، وهما مدرسة «أبو عبدو» ومدرسة «حسين الشيخ خليل»، اللتان تلقّى فيهما عدد من أبناء البلدة مبادئ التعليم الأولى.
وقد شكّلت هذه المبادرات التعليمية البسيطة البدايات التي سبقت ظهور التعليم الرسمي وانتشار المدارس الحديثة.
الانتداب الفرنسي... البدايات الأولى للتعليم الرسمي
مع دخول لبنان مرحلة الانتداب الفرنسي، بدأت تتشكّل في الخيام نواة التعليم الرسمي، وشرعت المدارس في الاستعانة بمعلمين من خارج البلدة، نظراً إلى ندرة الكوادر التعليمية المحلية في تلك الفترة.
واستمر هذا الواقع سنوات طويلة، إذ كان معظم المعلمين الوافدين إلى الخيام يأتون من البلدات والمناطق المجاورة، ومن مناطق أبعد في الجنوب.
ويشير أبو عباس إلى أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت حضور الأستاذ علي عبد الله، ابن الخيام، الذي أصبح لاحقاً من أبرز الشخصيات التربوية التي ارتبط اسمها بتطوير التعليم في البلدة وتوسيع نطاقه.
معلمون من خارج الخيام... وذكريات لا تُنسى
يستعيد الأستاذ أبو عباس أسماء عدد من المعلمين الذين درّسوا في الخيام خلال خمسينيات القرن الماضي، ومن بينهم الأستاذ نمر رحّال والأستاذ مكاريوس غبريل، وكلاهما من بلدة إبل السقي.
ويتوقف عند مشهد لا يزال راسخاً في ذاكرته، حين كان الأستاذ مكاريوس غبريل يصل إلى الخيام على ظهر حصانه قادماً من إبل السقي، فيربطه بالقرب من منزل آل البصبوص، ثم يتوجّه إلى المدرسة لممارسة عمله.
وهي صورة تعبّر عن ظروف التعليم والتنقّل في تلك المرحلة، وعن الجهود التي كان يبذلها المعلمون للوصول إلى تلامذتهم.
كما يذكر قدوم معلمين من صيدا ومغدوشة، ومن بينهم أستاذ يتذكّر اسمه بصورة غير جازمة، ويرجّح أنه إلياس إلياس أو إلياس إيليا.
المعلمون المحليون... من «السرتفيكا» إلى الوظيفة العامة
إلى جانب المعلمين الوافدين، شهدت الخيام وجود عدد من أبناء البلدة الذين عملوا وكلاء معلمين أو مساعدين في المدارس الرسمية.
ويذكر أبو عباس ثلاثة منهم، هم:
- الأستاذ حسين عبد المجيد.
- الأستاذ محمد أمين عبد الله.
- الأستاذ إسماعيل عبد الله.
وكان هؤلاء من حملة الشهادة الابتدائية المعروفة آنذاك باسم «السرتفيكا»، وقد مارسوا التعليم في فترة كانت فيها الشروط المطلوبة للالتحاق بهذه المهنة تختلف عما أصبحت عليه لاحقاً.
وبحسب رواية الأستاذ فايز، فإن رفع المستوى العلمي المطلوب للتعيين في وزارة التربية، واشتراط حيازة الشهادة التكميلية على الأقل، دفع هؤلاء المعلمين إلى الانتقال للعمل في وزارة المالية.
ومع مرور الوقت، بدأت أعداد المعلمين من أبناء الخيام تتزايد، ويستحضر أبو عباس من بينهم الأستاذ نايف مرعي والأستاذ عبد الحسن رشيدي، إضافة إلى معلم من آل عبد الله لم يتمكّن من استذكار اسمه.
الأستاذ علي عبد الله... رائد النهضة الثقافية والتعليمية
يخصّ الأستاذ فايز أبو عباس المربّي علي عبد الله بمكانة مميّزة في ذاكرة التعليم الخيامي، ويصفه بأنه رائد النهضة الثقافية التي شهدتها البلدة.
ففي مطلع خمسينيات القرن الماضي، كانت المدرسة الرسمية في الخيام تقتصر، في حدودها التعليمية العليا، على المرحلة الابتدائية التي تنتهي بالحصول على شهادة «السرتفيكا».
غير أن الأستاذ علي عبد الله سعى إلى توسيع التعليم وافتتاح صفوف المرحلة التكميلية، بهدف إتاحة الفرصة أمام أبناء البلدة لمتابعة دراستهم من دون الاضطرار إلى الانتقال إلى مدارس خارج الخيام.
ويروي أبو عباس أنه كان شخصياً من الطلاب الذين انتسبوا، مع عدد من زملائه، إلى الصفين الأول والثاني التكميليين خلال العامين الدراسيين 1950 و1951 تقريباً.
إلا أن نقص المعلمين حال دون استكمال الصف الثالث التكميلي، فتوقفت الدراسة في هذا المستوى بصورة مؤقتة، قبل أن تعود الصفوف التكميلية إلى العمل بعد نحو سنتين أو ثلاث.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات، شكّلت تلك المرحلة، وفق شهادة أبو عباس، نقطة تحوّل أساسية في مسار التعليم في الخيام.
الستينيات والسبعينيات... توسّع المدارس وازدهار التعليم
شهدت الخيام خلال الستينيات ومطلع السبعينيات توسّعاً ملحوظاً في عدد المدارس الرسمية ومراحل التعليم المتاحة.
وبحسب الأستاذ فايز، أصبحت البلدة تضم مدرستين تكميليتين منفصلتين، إحداهما للصبيان والأخرى للبنات.
وكان الأستاذ عبد علي عبد الله مسؤولاً عن تكميلية الصبيان، فيما تولّت إدارة تكميلية البنات معلمة من أبناء الخيام عُرفت باسم «أم عصام».
أما في المرحلة الابتدائية، فقد كانت هناك مدرسة للبنات، إلى جانب مدرستين أو ثلاث مدارس رسمية للصبيان.
ومن بين المدارس التي يستحضرها أبو عباس، مدرسة تولّى إدارتها الأستاذ يوسف عطوي، وأخرى كان مسؤولاً عنها الأستاذ نايف مرعي.
وقد ترافق هذا التوسّع مع ازدياد كبير في أعداد التلاميذ، حتى إن مجموع الطلاب في المدارس الرسمية بالبلدة تجاوز، بحسب تقديره، ألفي طالب.
وكان هذا العدد مؤشراً إلى حجم النشاط التعليمي الذي شهدته الخيام، وإلى المكانة المتنامية التي احتلّها التعليم في حياة أهلها.
مدارس خاصة أسهمت في إثراء الحياة التربوية
لم تقتصر النهضة التعليمية في الخيام على المدارس الرسمية، بل شاركت فيها مدارس خاصة أسهمت في توفير فرص إضافية للتعلّم.
ويستحضر الأستاذ فايز عدداً من هذه المؤسسات، ومنها:
- مدرسة حسن مخزوم.
- مدرسة جبرائيل القسيس.
- مدرسة أبو عبد الله البصبوص.
كما يشير إلى الدور الذي أدّته مدارس الراهبات الشويريات، التي استقبلت التلاميذ على مدى سنوات طويلة، وتميّزت، بحسب شهادته، بمستوى تعليمي جيّد وصفوف دراسية تركت أثراً طيباً في ذاكرة أبناء البلدة.
وإلى جانب هذه المؤسسات، كان بعض أبناء الخيام يتابعون تعليمهم خارج البلدة، ولا سيما في الكلية الوطنية في مرجعيون، وفي مدارس أخرى بالمنطقة.
وقد ساعد هذا التنوّع بين التعليم الرسمي والخاص، داخل الخيام وخارجها، على توسيع آفاق المعرفة أمام الأجيال المتعاقبة.
أكثر من ألفي طالب... نهضة صنعت أجيالاً من الكفاءات
يربط الأستاذ فايز أبو عباس بين ازدهار التعليم في الخيام وبين بروز أعداد كبيرة من أبنائها في مجالات العمل والعلم والإدارة.
فمن المدارس التي توسّعت خلال تلك العقود، تخرّج طلاب أصبحوا لاحقاً موظفين في مؤسسات الدولة، وضباطاً، ومديرين، وأطباء، ومهندسين، وأصحاب اختصاصات ومهن مختلفة.
ويرى الأستاذ فايز أن الفضل الأساسي في إرساء دعائم هذه النهضة يعود إلى الأستاذ علي عبد الله، الذي أسهمت جهوده في فتح أبواب التعليم أمام أجيال من أبناء الخيام.
ولم تكن هذه النهضة مجرد زيادة في عدد المدارس والطلاب، بل شكّلت تحوّلاً اجتماعياً وثقافياً ساعد على ترسيخ قيمة العلم في المجتمع الخيامي، وفتح آفاق جديدة أمام شبابه.
الاحتلال والتهجير... انقطاع مسيرة الازدهار
استمرت هذه الحركة التعليمية والثقافية، التي بلغت مرحلة لافتة من الازدهار في أواخر الستينيات وخلال السبعينيات، إلى أن بدأت الأحداث الأمنية والاحتلال الإسرائيلي وما رافقهما من تهجير وتشتّت وهجرة تؤثر في حياة البلدة ومؤسساتها.
ويشير الأستاذ فايز إلى أن هذه التطورات غيّرت واقع الخيام التعليمي والاجتماعي، بعدما كانت مدارسها تشهد نشاطاً واسعاً وحضوراً طلابياً كثيفاً.
وهكذا، فإن استعادة تلك المرحلة لا تقتصر على التذكير بأسماء المدارس والمعلمين، بل تمثّل أيضاً استحضاراً لحقبة ازدهرت فيها الحياة التربوية، قبل أن تتعرض البلدة للتحولات القاسية التي شهدها الجنوب اللبناني.
ذاكرة التعليم... وفاء للمعلّمين وحفظ لتاريخ الخيام
تشكّل شهادة الأستاذ فايز أبو عباس وثيقة شفوية قيّمة من ذاكرة الخيام، لما تحمله من تفاصيل عن تطور التعليم وأسماء المربّين والمؤسسات التي أسهمت في بناء أجيال متعاقبة.
فمن الكتاتيب المتواضعة في العهد العثماني، إلى بدايات التعليم الرسمي خلال الانتداب الفرنسي، ثم افتتاح الصفوف التكميلية وانتشار المدارس الرسمية والخاصة، قطعت الخيام مسيرة تربوية حافلة بالتحديات والإنجازات.
وتبقى أسماء المعلّمين الأوائل، وفي مقدمتهم الأستاذ علي عبد الله، جزءاً أصيلاً من التاريخ الثقافي والاجتماعي للبلدة.
إن حفظ هذه الشهادات ونقلها إلى الأجيال الجديدة ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو وفاء لمن حملوا رسالة العلم، وأسهموا في بناء الإنسان الخيامي، وترسيخ مكانة التعليم في وجدان البلدة وتاريخها.
*المهندس أسعد رشيدي (إعلامي وناشط اجتماعي وبيئي)
الخيام | khiyam.com