
في إطار حفظ وتوثيق الإرث الأدبي لشاعر الخيام الراحل الكبير سليمان داود عبدالله، وردتني قصيدته «نادى المنادي» وهي ليست مجرد قصيدة وجدانية، بل هي قصيدة سياسية عروبية ثورية.
منذ الأبيات الأولى يرفع الشاعر شعار وحدة العرب، ويصورها باعتبارها قضية تجمع الأحرار على اختلاف انتماءاتهم. لذلك فالقصيدة مشبعة بروح قومية عربية واضحة. هدفها الأساسي هو الدفاع عن فكرة الوحدة العربية، ومهاجمة حكم عبد الكريم قاسم، والتنديد بالقمع والانقسام الذي كان سائداً.
ومن خلال القصيدة يهدف الشاعر سليمان داود إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية:
1 - مهاجمة ونقد النظام الحاكم (عهد عبد الكريم قاسم ونوري السعيد):
يرسم صورة حزينة للعراق: قتل، تشريد، مشانق، خصومات، وانقسام داخلي. وكأنه يقول إن الصراع السياسي حوّل الثورة التي كان يُفترض أن تجلب الحرية إلى حالة من الظلم والاقتتال، يدين سياسات القمع والاستبداد، وينتقد شخصية "عبد الكريم قاسم" (المشار إليه بـ "قاسم الشعب") ورئيس محكمته "فاضل عباس المهداوي" (المشار إليه بـ "مهداويك")، واصفاً حكمهما بالجاسوسية، والجلادين، والثرثرة، وإخماد الثورات الشريفة كـ "ثورة الشواف" في الموصل.
2- الدفاع عن عروبة العراق والدعوة للوحدة العربية:
يؤكد الشاعر على الهوية العربية للعراق ودعوة "الأعراب والأكراد" للوحدة تحت راية القومية العربية، معرباً عن تأييده الشديد لرمز القومية العربية آنذاك (الرئيس جمال عبد الناصر، والمشار إليه في البيت: "جمال دق في المريخ أوتادا").
3- الرثاء والتذكير بمآسي الشعب العراقي:
يعبر الشاعر عن الألم لما آلت إليه الأوضاع في العراق من قتل، وتشريد، وإبعاد، وسجن للأحرار، واصفاً معاناة الشعب وتجرعه المرار نتيجة ظلمه وطغيان حكامه.
4- تخليد الشهداء والحرية:
الإشادة بالأحرار والشهداء الذين قاوموا الاستبداد، والتأكيد على أن ليل الظلم والبهيم سيزول حتماً، وأن الصبح والحرية قادمان لا محالة ("لا بد أن ينجلي الليل البهيم ومن... ورائه الصبح للباغين مرصادا").
5- الوعظ والتذكير بمصير الطغاة:
توجيه الرسائل والتحذيرات للطغاة المستبدين وتذكيرهم بمصير من سبقهم من الأمم السابقة (كـ "ثمود" و"عاد")، مؤكداً أن الكراسي والعروش لا تدوم لأحد.
..
القصيدة منسوخة بخطٍ يدوي، مع الإعتذار حال وجود أي خطأ مطبعي في إعادة الطباعة:
نادى المنادي
نادى المنادي فلبّيناه مذ نادى / لوحدةِ العُرْبِ أعراباً وأكرادا
مع كلّ حرٍّ من الأحرار ذو شرفِ / ويقظة حطّمت بالأمس أصفادا
ماد الرحاب ببانيه وصاحبه / ولم نبالِ بذاك القصر إذ مادا
نوري السعيد بإجرامٍ وتفرقةٍ / بقاسمِ الشعب بعد الموتِ قد عادا
تالله ما ارتكب الشواف من خطأٍ / لكن قاسماً في بغيه ازدادا
يا قاسم الشعب ما أصبحت تحكمه / إلا لتخلق جاسوساً وجلادا
في كل يوم لمهداويك ثرثرة / تكاد تخجل تحت الأرض أجدادا
يا ثورة ولدت تموز والدها / فطبّ في فعله نصراً وميلادا
كانت تسير ببغداد ببوثبتها / فأخمدوا نارها بالظلم إخمادا
والظالمون ببغداد لقد فعلوا / فعلاً تكاد له تنهار بغدادا
والموصل الحر لم يخضع لطاغية / من الطغاة ولا للقاسم انقادا
مع كل ناحية بغياً لقد نصبوا / مشانقاً وعدو للعرْبِ أضدادا
ثعالب الغاب أن تخلو الأسود به / ظنوا بأنهم بالغاب أسادا
شعب العراق ومن حرٍّ إلى وطن / حرّ أبيٍّ سمى فخراً وأمجادا
صبرأ على الخطب مهما السجن منك هوى / أقارباً بل وأعماماً وأولادا
لا بدّ أن ينجلي الليل البهيم ومن / ورائه الصبح للباغين مرصادا
كانت إذاعة بغداد تعاودنا / بالسب والشتم أزواجاً وأفرادا
والمجرمون بها اعتادوا على سفه / من الكلام وذاك المجرم اعتادا
لا تهظموا حقّ من نادى بوحدتنا / جمال دق في المريخ أوتادا
نريده نحن أو قل نحن نعبده / عبادة ونعادي نحن من عادى
فليتق الله من يجمد كرامته / كالسيل إن جاد أو كالبحر أزبادا
أهديته شعر قلبي بل عصارته / ألا أَعَجَبوا لأمرٍ في قلبه هادى
إن الكريم وإن شحت موارده / عند السؤال سخي بالروح أو جادا
لقاسم الشعب بعداً مثل ما بعدت / ثمود أو مثلما أهلكت عادا
ففتش ببغداد ان ما جَنَت بغداد / واسأل عن الحكم قالوا مات أو كادا
شعب العراق يذوق المر مذ عبثوا / بالشعب قتلاً وتشريداً وإبعاداً
إن العرين الذي كان الأسود به / مات الأسود وفيه ثعلب سادا
خذ عبرة أيها الطاغي بمن سلفوا / وأوغرت صدورهم للشعب أحقادا
عاد الشقي إلى الدنيا وزمرته / كأنه لم يمت والقصر ما مادا

الخيام | khiyam.com