
الأستاذ فايز أبو عباس: بقي التمسك بالأرض والهوية والكرامة جزءا أساسيا من تاريخ جبل عامل وأهله
قيل لأبناء جبل عامل، وللشيعة في لبنان عموما، إن الفقر والاضطهاد والتهجير والظلم وغياب الأمن والاستقرار كانت، عبر مراحل طويلة من التاريخ، من أبرز المحن التي رافقت وجودهم على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وفي هذه المنطقة المضطربة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا تعرّض أبناء هذه البيئة، في مراحل مختلفة، لكل هذا القدر من الملاحقة والحرمان مقارنة بغيرهم من الجماعات والطوائف التي عاشت في المنطقة؟
قد يكون الجواب، في جانب منه، مرتبطا بتاريخ جبل عامل وأهله، وبما ترسخ لديهم من قيم دينية واجتماعية ارتبطت بالولاء لأهل البيت، وبما يمثلونه في الوجدان الشيعي من رفض للظلم والاستبداد والتسلط، والتمسك بالحرية والعزة والكرامة والعدالة.
فأبناء جبل عامل، المنسوبون تاريخيا إلى قبيلة عاملة، حملوا معهم عبر الأجيال إرثا من الاعتزاز بالكرامة والاستقلال، كما ارتبطت ثقافتهم الدينية بصورة الإمام علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين وأهل البيت، وما ترمز إليه سيرتهم من قيم الحق والعدل ومواجهة الظلم.
وعبر التاريخ، كثيرا ما اصطدمت السلطات المتسلطة بكل من يرفض الخضوع أو ينتقد الظلم أو يطالب بالعدالة. فالحاكم المستبد لا يرتاح عادة إلى الأحرار وأصحاب الرأي المستقل، بل يفضّل من يسايره ويبرر سياساته ويدافع عن سلطانه.
ومن هنا يمكن فهم جانب من تاريخ الملاحقات التي تعرض لها أبناء جبل عامل وغيرهم من الجماعات التي رفعت صوت الاعتراض في وجه السلطة. فالمسألة، في جوهرها، ليست مرتبطة بطائفة وحدها بقدر ما ترتبط بالصراع الدائم بين الاستبداد والحرية، وبين الظلم والعدالة، وبين من يريد إخضاع الإنسان ومن يتمسك بحقه في الكرامة والحياة الحرة.
وقد ظل الجنوب، وجبل عامل خصوصا، ساحة لتقلبات سياسية وعسكرية متلاحقة منذ قرون، فدفع أهله أثمانا باهظة من أمنهم واستقرارهم وأرزاقهم وهجرتهم، ومع ذلك بقي التمسك بالأرض والهوية والكرامة جزءا أساسيا من وجدانهم.
نسأل الله النجاة والتوفيق والخلاص، وأن يلهم المسؤولين والحكام الحكمة والعدل، وأن يسود بين البشر الإنصاف والمساواة والرحمة.
فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com