خليل كاعين: التجربة الشيوعية في القرن العشرين (الحلقة السادسة) صراع الخلافة وكيف شقّ ستالين طريقه إلى قمة السلطة

د. خليل كاعين
د. خليل كاعين


انتهت الحلقة السابقة بوفاة لينين في كانون الثاني/يناير 1924، تاركا الاتحاد السوفياتي أمام سؤال لم يكن يملك جوابًا واضحًا عنه:

من سيقود الحزب والدولة بعد الرجل الذي قاد الثورة منذ 1917؟

قد يبدو الجواب اليوم بسيطًا: جوزيف ستالين.

لكن ذلك لم يكن واضحًا في ذلك الوقت.

كان ليون تروتسكي أكثر شهرة منه داخل روسيا وخارجها، وأحد أبرز قادة ثورة أكتوبر، والرجل الذي ارتبط اسمه بتأسيس الجيش الأحمر وقيادته خلال الحرب الأهلية.

وكان غريغوري زينوفييف وليف كامينيف ونيقولاي بوخارين شخصيات بارزة في قيادة الحزب، ولكل منهم تاريخه وموقعه وتحالفاته.

أما ستالين، فكان أقل بريقًا من معظم هؤلاء.

لكن الصراع الذي بدأ بعد لينين لن تحسمه الشهرة وحدها.

كان الحزب نفسه قد تغير، وأصبح الجهاز الذي يديره مصدرًا أساسيًا للقوة.

وهنا كانت أفضلية ستالين.

ليس هناك منصب اسمه «خليفة لينين»

من المهم أولًا ألا ننظر إلى ما حدث وكأنه سباق على منصب شاغر.

لم يكن النظام السوفياتي يملك منصبًا رسميًا يسمى «زعيم الاتحاد السوفياتي» ينتقل تلقائيًا من شخص إلى آخر.

وكانت السلطة موزعة بين مؤسسات الحزب والدولة، بينما كان لينين قد امتلك مكانة استثنائية بحكم دوره التاريخي والسياسي.

لذلك لم يبدأ الصراع بإعلان مرشحين لخلافته.

بدأ داخل القيادة نفسها: في التحالفات، واللجان، والمؤتمرات، والتعيينات، وفي النقاش حول الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه الثورة.

وهذا ما جعل موقع ستالين في الأمانة العامة أكثر أهمية مما كان يبدو.

تروتسكي... المرشح الأقوى الذي لم يعرف كيف يحول قوته إلى سلطة

كان تروتسكي شخصية استثنائية.

خطيبًا وكاتبًا ومنظرًا ماركسيًا، وأحد أبرز وجوه أكتوبر، ثم مؤسس الجيش الأحمر وأحد أهم قادة الانتصار في الحرب الأهلية.

لكن نقاط قوته كانت تخفي نقاط ضعف سياسية.

فهو لم ينضم إلى البلاشفة إلا سنة 1917 بعد سنوات من الخلاف مع لينين، بينما كان عدد من خصومه ينتمون إلى التنظيم البلشفي منذ فترة أقدم.

كما أن أسلوبه الحاد وثقته الكبيرة بنفسه خلقا له خصومات داخل القيادة.

وكان نفوذه بين قادة الجيش والمثقفين الثوريين أكبر من نفوذه داخل الجهاز الحزبي الذي أخذت أهميته تتزايد.

أما ستالين، فكان يعمل في المكان الذي أصبحت فيه السلطة تُبنى يومًا بعد يوم: داخل الحزب نفسه.

التحالف الأول... ستالين وزينوفييف وكامينيف ضد تروتسكي

لم يحاول ستالين مواجهة الجميع في وقت واحد.

تحالف أولًا مع زينوفييف وكامينيف، وشكّل الثلاثة ما عُرف بـ«الترويكا».

كان الهدف السياسي الأبرز في تلك المرحلة الحد من نفوذ تروتسكي.

والمفارقة أن زينوفييف وكامينيف لم يكونا يعملان على إيصال ستالين إلى حكم منفرد.

كانا يخشيان تروتسكي، ويعتقدان أن بإمكانهما العمل مع ستالين داخل قيادة جماعية.

لكن التحالف الذي ساعدهما على إضعاف خصمهما سيصبح لاحقًا أحد أسباب صعود الرجل الذي سيقصيهما بدورهما.

تدريجيًا تعرض موقع تروتسكي للهجوم داخل الحزب.

ولم يكن الخلاف شخصيًا فقط.

فقد بدأ يتحول أيضًا إلى صراع حول طبيعة الحزب ومستقبل الثورة.

هل أصبحت البيروقراطية خطرًا على الثورة؟

كان تروتسكي ينتقد تزايد البيروقراطية داخل الحزب والدولة، ويحذر من أن الجهاز أصبح أكثر استقلالًا عن العمال الذين يفترض أن النظام يحكم باسمهم.

وهذه المسألة لم تكن جديدة تمامًا؛ فقد كان لينين نفسه قد عبّر في سنواته الأخيرة عن قلقه من نمو الجهاز البيروقراطي.

لكن المفارقة أن تروتسكي كان يخوض هذه المعركة في حزب أصبح الجهاز التنظيمي فيه أكثر قوة، وكان خصمه الرئيسي هو الرجل الذي يسيطر على جزء مهم من هذا الجهاز.

وفي سنة 1923 ظهرت «المعارضة اليسارية» المرتبطة بتروتسكي، مطالبة بمزيد من الديمقراطية داخل الحزب ومنتقدة الاتجاه البيروقراطي.

لكن ميزان القوى داخل التنظيم لم يكن في مصلحتها.

الثورة الدائمة أم الاشتراكية في بلد واحد؟

إلى جانب الصراع التنظيمي، ظهر خلاف فكري سيصبح أحد أشهر خلافات المرحلة.

كانت الثورة الروسية قد قامت في بلد متأخر اقتصاديًا مقارنة بألمانيا وبريطانيا وفرنسا، وكان كثير من البلاشفة يأملون أن تكون مقدمة لثورات في الدول الصناعية الأوروبية.

لكن هذه الثورات لم تنتصر.

وهنا أصبح السؤال الذي طرحناه في الحلقة السابقة أكثر إلحاحًا:

هل يستطيع الاتحاد السوفياتي بناء الاشتراكية إذا بقيت الثورة معزولة؟

ارتبط تروتسكي بفكرة «الثورة الدائمة»، التي أعطت أهمية كبيرة لاستمرار الثورة على المستوى الدولي، ورأت أن بقاء الثورة الروسية وتطورها يرتبطان في المدى الطويل بانتصارات ثورية خارجها، ولا سيما في الدول الصناعية المتقدمة.

أما ستالين فطرح، منذ منتصف العشرينيات، فكرة «الاشتراكية في بلد واحد».

وبحسب هذا التصور، يستطيع الاتحاد السوفياتي، رغم تخلفه وعزلته، أن يبدأ بناء المجتمع الاشتراكي داخل حدوده حتى إذا لم تنتصر الثورة في أوروبا.

كان الخلاف فكريًا، لكنه كان سياسيًا أيضًا.

فبعد سنوات من الحرب والثورة والاضطراب، كانت فكرة التركيز على بناء الدولة السوفياتية نفسها تجد صدى داخل حزب ومجتمع أنهكتهما المواجهات.

لكن هذا الخلاف لا ينبغي اختزاله إلى شعارين فقط؛ فقد ظل الطرفان يعتبران الثورة العالمية مهمة، وكان النزاع يدور أيضًا حول إمكان بناء الاشتراكية داخل الاتحاد السوفياتي وشروط بقائها وتطورها.

تروتسكي يخسر موقعه

تدريجيًا بدأ تروتسكي يفقد مواقعه.

وفي سنة 1925 أُبعد عن قيادة الجيش.

كان الرجل الذي أنشأ الجيش الأحمر وقاده في الحرب الأهلية قد خسر إحدى أهم قواعد نفوذه.

لكن المفاجأة التالية كانت أن التحالف الذي هزمه بدأ يتفكك.

فبعد تراجع تروتسكي، بدأ زينوفييف وكامينيف يدركان أن ستالين أصبح أقوى مما توقعا.

وهنا بدأت مرحلة جديدة من لعبة التحالفات.

خصوم الأمس يصبحون حلفاء

انقلب زينوفييف وكامينيف على ستالين.

ثم اقتربا من تروتسكي، الرجل الذي تحالفا مع ستالين لإضعافه قبل سنوات قليلة.

وفي سنة 1926 ظهرت «المعارضة المتحدة» التي جمعت تروتسكي وزينوفييف وكامينيف.

لكن الوقت كان قد تغير.

فستالين أصبح أكثر رسوخًا داخل الجهاز، وتحالف في هذه المرحلة مع بوخارين وأليكسي ريكوف وميخائيل تومسكي، الذين كانوا يميلون إلى استمرار السياسة الاقتصادية الجديدة وعدم الدخول في مواجهة سريعة مع الفلاحين.

وهكذا نجد واحدة من السمات الأساسية لصعود ستالين:

لم يكن يخوض معاركه ضد جميع خصومه في الوقت نفسه، بل كان يعيد تشكيل تحالفاته بحسب الخصم الذي يواجهه في كل مرحلة.

ومع ازدياد نفوذه داخل الجهاز الحزبي، أخذ ميزان القوى يميل تدريجيًا لمصلحته. ولم تتمكن «المعارضة المتحدة» من تحويل مكانة قادتها التاريخية إلى قوة تنظيمية قادرة على مواجهة هذا النفوذ المتنامي.

وفي سنة 1927 حُسم الصراع داخل الحزب لمصلحة ستالين وحلفائه في تلك المرحلة، فطُرد تروتسكي وزينوفييف من الحزب، كما فقد كامينيف موقعه في القيادة.

ثم نُفي تروتسكي إلى ألما آتا سنة 1928، قبل أن يُطرد من الاتحاد السوفياتي نهائيًا سنة 1929.

كان أبرز منافسي ستالين قد أصبح خارج البلاد.

لكن المعركة لم تكن قد انتهت.

بوخارين... حليف اليوم وخصم الغد

بعد هزيمة المعارضة المتحدة، بقي داخل القيادة جناح قوي ارتبط بنيقولاي بوخارين.

كان بوخارين شخصية فكرية بارزة في الحزب، ومدافعًا عن استمرار الـNEP وعن علاقة أقل صدامية مع الفلاحين.

وكان ستالين قد تحالف معه في مواجهة تروتسكي وزينوفييف وكامينيف.

لكن الاتحاد السوفياتي بدأ في أواخر العشرينيات يواجه مشكلة متزايدة في الحصول على الحبوب التي تحتاج إليها المدن والدولة.

وهنا عاد السؤال الاقتصادي الكبير:

هل ينبغي استمرار الـNEP وإعطاء الاقتصاد وقتًا أطول للتطور التدريجي؟

أم ينبغي تسريع التصنيع وانتزاع موارد أكبر من القطاع الزراعي لبناء الصناعة؟

في هذه المرة غيّر ستالين اتجاهه.

اتجه نحو التصنيع السريع وسياسات أكثر تشددًا تجاه الريف، بينما حذر بوخارين من أن الضغط الشديد على الفلاحين قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية واجتماعية.

وهكذا أصبح حليف ستالين السابق خصمه الجديد.

اليمين داخل الحزب يخسر المعركة

وأخذ بوخارين وريكوف وتومسكي يُوصَفون في الصراع الحزبي بأنهم يمثلون «الانحراف اليمي

لكنهم واجهوا المشكلة نفسها التي واجهها خصوم ستالين السابقون:

كان الأمين العام قد أصبح أقوى داخل الجهاز الحزبي.

وبحلول 1929، كان نفوذ بوخارين السياسي قد تراجع بشدة، وأصبح ستالين في موقع لا ينافسه فيه أحد من القادة الكبار الذين وقفوا معه أو ضده خلال السنوات السابقة.

والمفارقة التاريخية واضحة.

تحالف ستالين مع زينوفييف وكامينيف ضد تروتسكي.

ثم تحالف مع بوخارين ضد تروتسكي وزينوفييف وكامينيف.

ثم انقلب على بوخارين نفسه.

وفي نهاية كل مرحلة، كان حلفاؤه السابقون أضعف، بينما كان موقعه هو أقوى.

هل كان انتصار ستالين نتيجة دهائه وحده؟

سيكون من السهل تفسير ما حدث باعتباره قصة رجل شديد الذكاء السياسي تلاعب بخصومه واحدًا بعد الآخر.

لكن هذا التفسير غير كافٍ.

فصعود ستالين ارتبط أيضًا بطبيعة الحزب الذي خرج من الحرب الأهلية.

كان الحزب قد أصبح شديد المركزية، وتراجعت داخله إمكانية تكوين تيارات منظمة بعد قرار منع التكتلات الذي اتُخذ في المؤتمر العاشر سنة 1921.

كما توسع عدد أعضاء الحزب، ودخل إليه كثيرون لم يعيشوا سنوات العمل السري والمنفى والنقاشات الفكرية القديمة التي عرفها الجيل البلشفي الأول.

وفي هذه البيئة أصبحت السيطرة على التعيينات والترقيات والتنظيم أداة سياسية بالغة الأهمية.

وكان ستالين في قلب هذه المنظومة.

كما استفاد من أخطاء خصومه وانقساماتهم.

فقد استهان بعضهم به في البداية، وتحالف بعضهم معه ضد الآخرين، ولم يدركوا إلا متأخرين أن كل معركة يخسرها أحدهم كانت تغيّر ميزان القوى داخل الحزب لمصلحته.

هل أصبح ستالين حاكمًا مطلقًا سنة 1929؟

ليس تمامًا.

فالنظام الذي سيُعرف لاحقًا بالستالينية، بما فيه من عبادة للشخص وعمليات تطهير واسعة وقمع جماعي، لم يكن قد اكتمل بعد.

لكن شيئًا أساسيًا كان قد حدث.

لم يعد داخل القيادة السوفياتية مركز سياسي قادر على منافسة ستالين كما كان الحال بعد وفاة لينين.

وتحول منصب الأمين العام، الذي بدا قبل سنوات موقعًا تنظيميًا، إلى مركز القوة الأهم داخل الحزب.

وهنا يظهر جانب آخر من مفارقة الثورة.

فالصراع الذي بدأ حول مستقبل الثورة والاقتصاد والعلاقة مع الفلاحين والثورة العالمية انتهى أيضًا بإعادة تشكيل طبيعة السلطة نفسها.

انتهت معركة الخلافة... وبدأت معركة تغيير المجتمع

مع نهاية عشرينيات القرن العشرين، كان المشهد قد تغير جذريًا.

لينين مات.

تروتسكي أصبح خارج الاتحاد السوفياتي.

زينوفييف وكامينيف فقدا نفوذهما.

وبوخارين، الذي كان قبل سنوات حليفًا لستالين، خسر معركته السياسية.

أما ستالين، الرجل الذي لم يكن سنة 1924 الوريث البديهي للينين، فقد أصبح الشخصية الأقوى في الحزب والدولة.

لكن انتصاره في الصراع على السلطة لم يكن نهاية القصة.

كان الاتحاد السوفياتي لا يزال بلدًا يغلب عليه الطابع الزراعي، ومتأخرًا صناعيًا مقارنة بالقوى الكبرى.

وكان ستالين قد حسم خياره:

لن يستمر طريق الـNEP طويلًا.

ستدخل البلاد تجربة مختلفة جذريًا تقوم على التخطيط المركزي والتصنيع السريع وتغيير بنية الريف.

وستحقق هذه التجربة خلال سنوات قليلة تحولًا اقتصاديًا وصناعيًا هائلًا.

لكنها ستفرض أيضًا ثمنًا إنسانيًا واجتماعيًا بالغ القسوة.

وهنا تبدأ مرحلة جديدة من التجربة السوفياتية.

يتبع...

الحلقة السابعة: ستالين والتحول الكبير... التصنيع، الزراعة الجماعية والثمن الإنساني

د. خليل كاعين

23 أيلول 2026