
د. خليل كاعين
بعد الحرب الأهلية.. من الثورة إلى الدولة وبداية الصراع على مستقبل الاتحاد السوفياتي
انتهت الحلقة السابقة عند واحدة من أهم نقاط التحول في التجربة البلشفية.
خرج البلاشفة منتصرين من الحرب الأهلية، لكن روسيا خرجت منها منهكة، واقتصادها شبه مدمر، وعلاقتها بالريف مضطربة، فيما دفعت الأزمة لينين إلى التراجع عن شيوعية الحرب وإطلاق السياسة الاقتصادية الجديدة، أو الـNEP.
لكن انتهاء الحرب الأهلية لم يكن يعني أن الأسئلة الكبرى قد حُسمت.
فالثورة التي قامت لإسقاط النظام القديم أصبحت الآن مطالبة ببناء دولة جديدة، وإدارة اقتصاد ومجتمع متعدد القوميات، وتحديد العلاقة بين الحزب والطبقة العاملة ومؤسسات الدولة.
وهنا بدأت تظهر مفارقة ستصبح من أهم مفارقات التجربة السوفياتية:
كيف يمكن لثورة قامت باسم تحرير المجتمع من سلطة الطبقات القديمة أن تبني، في الوقت نفسه، دولة تزداد مؤسساتها قوة ومركزية؟
ومن سيحكم فعليًا هذه الدولة: السوفييتات، أم الطبقة العاملة، أم الحزب الذي يقول إنه يمثلها؟
هذه الأسئلة، أكثر من المعارك العسكرية التي انتهى معظمها، ستحدد طبيعة المرحلة التالية من تاريخ الاتحاد السوفياتي.
كرونشتادت... الإنذار الأخير قبل التراجع
في آذار/مارس 1921 وقع حدث كان شديد الصدمة للقيادة البلشفية.
تمرد بحارة قاعدة كرونشتادت البحرية، وطالب المتمردون بمزيد من الحريات السياسية والاقتصادية وبإصلاح وضع السوفييتات.
رأت القيادة البلشفية في التمرد تهديدًا خطيرًا للسلطة في لحظة كانت البلاد لا تزال خارجة من الحرب الأهلية، وتم قمعه عسكريًا.
لكن أهمية كرونشتادت لم تكن عسكرية فقط.
فالمشكلة لم تعد مقتصرة على الملكيين والبيض والتدخل الأجنبي. كان الاعتراض يأتي هذه المرة من داخل بيئة ارتبطت بالثورة نفسها.
وفي الوقت نفسه كانت احتجاجات الفلاحين تتسع، والاقتصاد يقترب من حدود الانهيار، وأصبح واضحًا أن استمرار السياسات الاقتصادية التي فرضتها سنوات الحرب يمكن أن يهدد النظام من الداخل.
لينين يتراجع خطوة
في السنة نفسها اتخذ لينين قرارًا سيبدو متناقضًا ظاهريًا مع المسار الذي سلكته الثورة.
أطلق السياسة الاقتصادية الجديدة، أو الـNEP.
استُبدلت مصادرة الحبوب بضريبة، وأصبح بإمكان الفلاحين بيع جزء من إنتاجهم في السوق، وعادت بعض أشكال التجارة والمشروعات الخاصة الصغيرة، بينما احتفظت الدولة بالسيطرة على القطاعات الأساسية مثل الصناعة الثقيلة والمصارف والنقل والتجارة الخارجية.
كان ذلك تراجعًا واضحًا عن بعض إجراءات شيوعية الحرب.
لكن لينين لم يعتبره تخليًا عن الاشتراكية، بل تراجعًا تكتيكيًا ضروريًا لإنقاذ الاقتصاد والثورة.
وهنا تظهر مرة أخرى براغماتيته السياسية.
فالرجل الذي قاد ثورة ضد الرأسمالية لم يتردد في السماح بعودة محدودة لآليات السوق عندما رأى أن استمرار السياسات السابقة يهدد النظام كله.
هل كانت الـNEP اعترافًا بالفشل؟
يمكن النظر إليها بطريقتين.
من جهة، كانت اعترافًا بأن محاولة الانتقال السريع إلى إدارة اقتصادية شديدة المركزية خلال سنوات الحرب أدت إلى أزمة خطيرة ولم يعد من الممكن استمرارها بالطريقة نفسها.
ومن جهة أخرى، أظهرت أن القيادة البلشفية في عهد لينين كانت قادرة على التراجع عن سياسة عندما تصطدم بالواقع.
بدأ الاقتصاد يتعافى تدريجيًا، وتحسن الإنتاج الزراعي والتجارة، وظهرت فئات استفادت من النشاط الاقتصادي الخاص المحدود.
لكن النجاح النسبي للسياسة الجديدة طرح أسئلة جديدة:
إلى متى تستمر؟
وهل يمكن السماح بوجود السوق داخل دولة تريد بناء الاشتراكية؟
وهل تمثل الـNEP مرحلة انتقالية طويلة، أم مجرد هدنة اقتصادية قبل استكمال التحول الاشتراكي؟
هذه الأسئلة لن تبقى اقتصادية فقط، بل ستصبح لاحقًا جزءًا من الصراع على مستقبل الاتحاد السوفياتي.
القوميات... كيف تتحول الإمبراطورية إلى اتحاد؟
لم تكن المشكلة اقتصادية وحدها.
فالإمبراطورية الروسية السابقة لم تكن دولة قومية متجانسة، بل فضاءً واسعًا يضم عشرات الشعوب والقوميات واللغات.
وكان البلاشفة قد رفعوا مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، لكن تطبيق هذا المبدأ اصطدم باعتبارات الأمن والسياسة والحرب والمحافظة على الدولة الجديدة.
وهنا ظهرت معضلة سترافق الاتحاد السوفياتي حتى نهايته:
كيف يمكن الجمع بين الاعتراف بحقوق القوميات وبين المحافظة على دولة واسعة ومتماسكة تضم عشرات الشعوب؟
وجد البلاشفة الحل في صيغة اتحادية.
وفي كانون الأول/ديسمبر 1922 أُعلن قيام اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.
قامت الدولة الجديدة على جمهوريات اتحادية تتمتع رسميًا بقدر من الحقوق القومية والثقافية، بينما بقيت السلطة السياسية الأساسية شديدة الارتباط بالحزب وقيادته في موسكو.
وهكذا ظهرت منذ البداية مفارقة أخرى: دولة اتحادية في بنيتها الرسمية، لكنها تسير في الوقت نفسه نحو مركزية سياسية متزايدة.
من الثورة العالمية إلى بناء الدولة
لم يكن البلاشفة في البداية يتصورون أن الثورة الروسية ستبقى معزولة داخل حدود الإمبراطورية السابقة.
كان قسم كبير منهم يعتقد أن روسيا ستكون الشرارة الأولى لثورات عمالية في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا الصناعية.
لكن الثورات الأوروبية التي انتظرها البلاشفة لم تنتصر.
وبدأت القيادة السوفياتية تواجه واقعًا لم يكن متوقعًا بهذه الصورة:
الثورة بقيت، لكن الثورة العالمية لم تأت.
وأصبحت الدولة السوفياتية مطالبة بالبقاء والتطور في عالم تهيمن عليه القوى الرأسمالية.
ومن هنا بدأ يتشكل خلاف فكري وسياسي سيصبح بالغ الأهمية بعد وفاة لينين:
هل ينبغي أن يبقى مستقبل الثورة مرتبطًا بامتدادها إلى الخارج، أم يمكن بناء الاشتراكية وترسيخها داخل الاتحاد السوفياتي نفسه؟
سيصبح هذا السؤال لاحقًا أحد خطوط الصراع الأساسية بين تروتسكي وستالين.
ماذا بقي من الثورة بعد الحرب؟
خرج البلاشفة منتصرين عسكريًا، لكن روسيا التي حكموها لم تكن روسيا التي حلموا بإدارتها سنة 1917.
كانت البلاد مدمرة، والاقتصاد منهكًا، والمجتمع قد خسر أعدادًا هائلة من البشر بفعل الحرب والمجاعة والمرض والهجرة.
وفي المقابل، أصبح الحزب أكثر مركزية، وازدادت قوة أجهزة الدولة والأمن والجيش.
وهنا ظهرت واحدة من أكبر مفارقات التجربة.
كان ماركس قد تصوّر، في الأفق الشيوعي البعيد، مجتمعًا تزول فيه الطبقات، فتتراجع معه الحاجة إلى الدولة بوصفها جهازًا للسلطة والقسر الطبقي. ولم يكن المقصود أن يعيش المجتمع بلا تنظيم أو مؤسسات تدير شؤونه، بل أن يؤدي زوال الانقسام الطبقي، وفق هذا التصور، إلى تراجع الوظيفة القسرية للدولة.
لكن الوصول إلى ذلك المجتمع كان يفترض المرور بمرحلة انتقالية تصبح فيها السلطة السياسية في يد الطبقة العاملة، أو ما عُرف بـ«ديكتاتورية البروليتاريا». ولم يكن المقصود بالمصطلح، في أصله عند ماركس، ديكتاتورية فرد أو حاكم بالمفهوم الذي أصبحت الكلمة تحمله لاحقًا، بل سلطة سياسية انتقالية للطبقة العاملة في مواجهة الطبقات المالكة وتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية للنظام القديم.
وهنا ظهر سؤال لم يعد نظريًا فقط:
إذا استولت البروليتاريا على الدولة واستخدمت سلطتها لإلغاء النظام الطبقي القديم، فما الذي يضمن ألا تتحول السلطة الانتقالية نفسها إلى سلطة دائمة، وألا تنشأ داخلها فئة جديدة تحتكر القرار باسم الطبقة العاملة؟
فالذي حدث في روسيا خلال السنوات الأولى للثورة سار، عمليًا، في اتجاه معاكس لما كان متصورًا للأفق البعيد: بدل أن تتراجع الدولة، ازدادت قوة مؤسساتها، وتعززت المركزية، واتسعت أجهزة الأمن والجيش والحزب.
هل كان ذلك انحرافًا عن المشروع الأصلي؟
أم ضرورة فرضتها الحرب الأهلية والحصار والانهيار الاقتصادي؟
أم أن محاولة تغيير المجتمع جذريًا بهذه السرعة كانت تحتاج بطبيعتها إلى سلطة مركزية قوية؟
وهل يمكن لسلطة تُبنى لمواجهة ظروف استثنائية أن تتخلى بسهولة عن أدواتها عندما تنتهي تلك الظروف؟
لا توجد إجابة بسيطة عن هذه الأسئلة. لكن المؤكد أن سنوات الثورة والحرب الأهلية تركت بصمتها العميقة على طبيعة النظام الذي خرج منها.
الحزب والدولة... من يحكم باسم من؟
هنا أصبحت مشكلة أخرى أكثر وضوحًا.
كان يفترض نظريًا أن تكون الطبقة العاملة صاحبة السلطة الجديدة، لكن إدارة دولة مترامية الأطراف تحتاج إلى مؤسسات وموظفين ومديرين وأجهزة حزبية وإدارية.
والحزب الذي كان قبل الثورة تنظيمًا يعمل في السر والمنفى أصبح الآن يدير دولة.
ومع اتساع وظائف الدولة اتسع الجهاز الذي يديرها.
وهكذا برز سؤال يتجاوز الأشخاص:
إذا كان الحزب يحكم باسم الطبقة العاملة، فمن يراقب الحزب نفسه؟
وهل يمكن أن تتحول الطبقة السياسية والإدارية التي تدير الدولة باسم العمال إلى فئة تمتلك مصالح ونفوذًا خاصين بها؟
لم تكن الإجابة قد اتضحت بعد، لكن البيروقراطية كانت تتحول تدريجيًا إلى واحدة من القضايا الأساسية داخل النظام الجديد.
وفي هذا الجهاز تحديدًا كان رجل قليل الظهور مقارنة بلينين وتروتسكي يراكم نفوذًا متزايدًا.
كان اسمه جوزيف ستالين.
ستالين... القوة التي تنمو داخل الجهاز
عُيّن ستالين أمينًا عامًا للحزب الشيوعي سنة 1922.
ولم يكن المنصب يبدو في البداية الموقع الطبيعي لمن يريد أن يصبح قائد الدولة. فتروتسكي كان أكثر شهرة، وقادة مثل زينوفييف وكامينيف وبوخارين كانوا يمتلكون حضورًا سياسيًا وفكريًا بارزًا.
لكن منصب الأمين العام منح ستالين موقعًا داخل الجهاز الحزبي والتعيينات والعلاقات التنظيمية.
وفي حزب أصبح أكثر ارتباطًا بإدارة الدولة، لم تعد السيطرة على الجهاز مسألة إدارية بسيطة.
كانت تتحول تدريجيًا إلى مصدر للقوة السياسية.
لينين في سنواته الأخيرة
في الوقت نفسه بدأت صحة لينين تتدهور بسرعة.
كان قد تعرض لمحاولة اغتيال سنة 1918 وأصيب بجروح خطيرة، ثم أصيب ابتداءً من سنة 1922 بسلسلة من الجلطات التي قللت تدريجيًا قدرته على العمل السياسي.
ومع ابتعاده القسري عن النشاط اليومي، أصبحت مسألة العلاقات بين كبار قادة الحزب أكثر أهمية.
وفي سنواته الأخيرة أبدى لينين قلقًا من تركز نفوذ متزايد بين يدي ستالين، وانتقد خشونته واقترح التفكير في إبعاده عن منصب الأمين العام.
لكن لينين لم يعد قادرًا على إدارة الصراع السياسي كما في السابق.
وعندما توفي في كانون الثاني/يناير 1924، لم يترك وريثًا سياسيًا واضحًا.
ترك دولة، وحزبًا، وثورة انتصرت على أعدائها.
لكنه ترك أيضًا سؤالًا لم يكن أقل أهمية من الأسئلة التي واجهت الثورة منذ 1917:
من سيحكم الاتحاد السوفياتي بعد لينين؟
قد يبدو الجواب اليوم بديهيًا: ستالين.
لكنه لم يكن بديهيًا سنة 1924.
فتروتسكي كان أكثر شهرة دوليًا، وأكثر ارتباطًا بانتصار الجيش الأحمر، وكان عدد من القادة يمتلكون تاريخًا بلشفيًا أقدم من ستالين.
ومع ذلك، وخلال سنوات قليلة، سيتمكن ستالين من إقصاء خصومه واحدًا بعد الآخر.
ولفهم كيف حدث ذلك، لا يكفي أن نعرف النتيجة مسبقًا.
علينا أن نفهم الحزب الذي ورثه، والمنصب الذي شغله، والتحالفات التي بناها، والأخطاء التي ارتكبها خصومه، والخلاف الفكري حول مستقبل الثورة والـNEP والتصنيع والعلاقة مع الفلاحين والثورة العالمية.
فهناك ستبدأ مرحلة مختلفة من تاريخ التجربة الشيوعية.
يتبع...
الحلقة السادسة: بعد لينين... صراع الخلافة وكيف شقّ ستالين طريقه إلى قمة السلطة.
د. خليل كاعين
18 أيلول 2026
#كرونشتادت
#NEP
#ديكتاتورية_البروليتاريا
#تروتسكي
#لينين
#ستالين
الخيام | khiyam.com