
تُعدّ الكبة النيّة من أشهر الأكلات اللبنانية، ولا يكاد يزور لبنان سائح أو عابر إلا ويتعرّف إليها ويتذوقها. وفي كثير من المناطق اللبنانية، ترتبط الكبة النيّة بـالتبولة، ولا سيما عندما يكتمل المشهد بـ«كاس العرق»، فتتحول المائدة إلى واحدة من أشهر صور المطبخ اللبناني وأكثرها جاذبية.
ومع ما يرافق الكبة النيّة من زيت الزيتون والنعناع والبصل والفجل والزيتون، تصبح وجبة متكاملة بطعمها ونكهتها ومكانتها الخاصة على المائدة.
من ماذا تتكوّن الكبة النيّة؟
تُحضّر الكبة النيّة أساساً من اللحم الأحمر الهبرة، أي اللحم المنزوع منه الدهن والأعصاب والشوائب قدر الإمكان.
وكان اللحم في عدد من المناطق يُهرس قديماً داخل جرن الكبة، وهو حجر كبير محفور في وسطه، يتسع لكمية من اللحم، وتُستخدم معه مدقّة من الخشب الصلب، غالباً من السنديان أو من أنواع الخشب القادرة على تحمّل الطرق المتواصل.
أما في الخيام، فقد كان للموضوع طابع مختلف، إذ استُعيض عن الجرن بما كان يُعرف بـ**«البلاطة»**.
البلاطة الخيامية والدقماقة
كانت البلاطة حجراً مسطّحاً، غالباً متعدد الأضلاع، محفوراً في وسطه تجويف دائري بعمق يقارب خمسة سنتيمترات، توضع فيه اللحمة وتهرس بواسطة «الدقماقة»، وهي مطرقة خشبية ذات رأسين، تُصنع عادة من خشب قوي كالسنديان.
وأذكر أن والدي، رحمه الله، كان بنّاءً، كما كان يتقن مهنة نقش الحجارة التي تعلمها، كما أخبرنا، من حرفيين برعوا في تشييد الأبنية ذات العقود والأقواس الحجرية.
وقد نقش والدي لنا بلاطة كبة مميزة، ذات ثمانية جوانب، وزيّنها بأشكال من الطيور والأعمدة والزخارف الهندسية الجميلة.
كانت هذه البلاطة بالنسبة إلينا أكثر من مجرد أداة لتحضير الطعام؛ كانت ذكرى من الوالد وقطعة من تراث البيت. وقد بقيت في منزلنا الذي هُجّرنا منه ثم دُمّر، بما كان يحتويه من مكتبة وكتب وأثاث ومقتنيات وثياب تركناها خلفنا في ليلة قاسية، حين اضطررنا إلى الخروج تحت القصف المدفعي وغارات الطيران، قرابة الساعة الحادية عشرة ليلاً، بثياب النوم.
ما الذي كان يميّز الكبة على البلاطة؟
كانت للبلاطة الخيامية ميزتان أساسيتان.
الأولى أن عملية هرس اللحم عليها كانت تسمح بسحب «الشروش»، أي الأعصاب والخيوط القاسية التي تبقى في اللحم الهبرة، وإزالتها واحدة تلو الأخرى.
أما الثانية فهي أن الكبة كانت تُفرك بعد ذلك على كفوف صانعتها، بعد ترطيب البرغل الناعم بالماء وتركه فترة حتى يلين. ثم يُمزج البرغل باللحم والكمون والنعناع اليابس والبهارات المختلفة، ويُدعك جيداً حتى يصبح الخليط أشبه بعجينة متماسكة وناعمة.
وعندها تصبح الكبة جاهزة لتدخل في أطباق كثيرة.
الكبة النيّة
تُقدّم الكبة النيّة مع زيت الزيتون، والزيتون المكدوس أو المرصوص، والنعناع، والبصل، والفجل، وغيرها من المرافق التي تضيف إليها نكهتها المعروفة.
الكبة بالصينية
يُفرد خليط الكبة في صينية معدنية، وكانت الصواني النحاسية شائعة قديماً، ثم يُسوّى سطحها وتُقطّع بالسكين، ويُضاف إليها قليل من السمن، قبل أن توضع في الفرن.
وحين تنضج ويكتسب سطحها لوناً ذهبياً مائلاً إلى البرتقالي، تُخرج من الفرن وتُقدّم، وغالباً ما يرافقها اللبن.
الكباب أو أكواز الكبة
ومن عجينة الكبة النيّة أيضاً تُصنع أكواز الكبة، أو ما كان يُطلق عليه أحياناً «الكباب»، وهي قطع بيضاوية مجوّفة تُحشى باللحم والجوز أو الصنوبر.
وقد تُقلى هذه الأكواز بالزيت وتُقدّم على المائدة، أو تدخل في أطباق أخرى، ومنها اللبنية مع الكباب.
اللبنية مع الكباب
في هذه الطبخة توضع أكواز الكبة في طنجرة، ويُضاف إليها لبن الغنم أو الماعز مع قليل من الماء. وكان بعض الناس يضيفون إليها الذرة الصفراء، فيما يضيف آخرون الأرز، ثم تُترك على نار هادئة حتى تنضج الحبوب والكبة.
فتصبح لدينا أكلة اللبنية مع الكباب، وهي من الأطباق الشهية التي لا تُنسى.
الفراكي... نكهة خيامية خاصة
ويبقى نوع آخر لا يجوز، في الذاكرة الخيامية، أن يمر تحضير الكبة النيّة من دونه، وهو «الفراكي».
والفراكي تُحضّر من اللحم الذي انتهى للتو من هرسه وتنظيفه من الشروش، ويُمزج معه البرغل وهو لا يزال أكثر جفافاً وصلابة من البرغل المستخدم لاحقاً في الكبة النيّة، مع الكمون والبهارات وقليل من النعناع الأخضر.
وكان الحاضرون يتناولونها مباشرة خلال مراحل إعداد الكبة، وكأنها المكافأة الأولى لمن ينتظر انتهاء التحضير.
وللفراكي مكانة خاصة لدى أهل الخيام، وهي من التفاصيل التي تستحق التوثيق لأنها تعبّر عن خصوصية المطبخ الخيامي وعاداته القديمة.
من البلاطة إلى مطحنة اللحم
اليوم، تغيّرت طرق التحضير كثيراً. فقد حلّت مطحنة اللحم محل البلاطة والدقماقة في معظم البيوت، وصار اللحم يُطحن عند اللحّام أو بواسطة المطحنة المنزلية، واختفت تقريباً تلك الطقوس الطويلة التي كانت ترافق تحضير الكبة.
ومع ذلك، تبقى البلاطة والدقماقة والفراكي والكبة النيّة جزءاً من ذاكرة جيل كامل؛ ذاكرة بيوت كانت الأطعمة فيها تُحضّر باليد، وبصبر، ومن مكونات طبيعية بسيطة.
واليوم، حين نستعيد هذه التفاصيل، فنحن لا نتذكر طبقاً من الطعام فقط، بل نستعيد وجوهاً وبيوتاً وأصواتاً وأيدي أمهات وجدّات، ونستعيد زمناً كانت فيه المائدة جزءاً من الحكاية والهوية.
فايز أبو عباس

الأستاذ فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com
تعليقات: