
كان مرة في الأسبوع انتظار وصول السلال الغذائية في البوسطة من الخيام
صيف 1956... وبداية الرحلة إلى بيروت
في أوائل صيف عام 1956، سنة الهزّة، تنادينا نحن مجموعة من طلاب السنة الثانية التكميلية للذهاب إلى بيروت والتسجيل في إحدى مدارسها الصيفية، تمهيداً للانتقال إلى السنة الثالثة التكميلية. وكان السبب أن مدرسة الخيام لم تكن قد افتتحت بعد صفاً للسنة الثالثة.
وكنت قد «دوبلت» هذا الصف ثلاث مرات، مع أنني لم أرسب فيه مرة واحدة.
كنا: حسين بشير، ونزيه عبدالله، وحسن عبدو عيسى خريس، وابن أخيه عزت خريس، وغازي ضاوي، وأنا.
الوصول إلى رأس النبع
في صباح باكر، ركبنا «بوسطة الخيام»، وتوقفت بنا أمام دكان وسكن أبو إحسان المفتي في شارع رأس النبع.
وتجدر الإشارة إلى أن عدد الخياميين في بيروت لم يكن كبيراً بعد.
وبدأنا بإنزال ما تزود به كل واحد منا: فرشة، ومخدة، وغطاء خفيف، وسلة كبيرة فيها كثير من الخبز وقليل من «الدامة».
البحث عن مأوى
حُلّت مشكلة سكن نزيه فوراً، وكان ذلك معدّاً مسبقاً على ما يبدو، إذ سكن كيفما تيسّر عند أبو إحسان.
أما الباقون، فقد دلّنا أبو إحسان على سمسار عقارات. وظل الرجل يفتش لنا عن سكن طوال النهار، ولكن من دون جدوى.
فمن الذي كان سيؤجر مجموعة كبيرة من المراهقين القادمين من الريف؟
ولحسن الحظ، كان السمسار يتمتع بشيء من الإنسانية، فيما بقي عفشنا يحتل جزءاً من الرصيف الضيق. وعندها لمعت في رأسه فكرة.
خطة لليلة واحدة
قال لنا إن في أعلى «الخندق الغميق» امرأة تعيش وحيدة وتمتلك طابقين في بناية متواضعة، تضم غرفاً صغيرة تؤجرها «باليوم» للبائسين من العمال اليوميين.
لكن المشكلة أنها لا تؤجر الغرفة إلا لشخص واحد.
فاقترح علينا أن يستأجر واحد منا غرفة مع عفشه، ثم ينتظر الباقون حتى يحل الهزيع الأول من الليل، فيدخلون واحداً تلو الآخر، «بسلام آمنين».
انكشاف الأمر صباحاً
عند الصباح، أدركت صاحبة المكان هول ما جرى.
لكنها، وبدلاً من الصراخ، ولإدراكها أنها لا بالقوة ولا بالحق تستطيع أن ترمينا في الشارع، طلبت منا أن نخلي الغرفة ونفتش عن شقة للإيجار، وسامحتنا بإيجار الليلة التي مضت.
شقة قرب جامع الشياح
كان من الصعب جداً تحقيق ذلك الغرض في بيروت، لكننا تمكنا، بعد كثير من التفتيش، من استئجار شقة تشكل الطابق الأرضي من مشروع بناية تعود للسيد علي زعرور، جار السيد وهبي، قرب جامع الشياح.
سلال الخيام تصل كل أسبوع
مرة في الأسبوع، كنا ننتظر وصول السلال الغذائية إلينا في البوسطة من الخيام.
ولاحظ الأمر السيد إبراهيم عيسى ذيب عواضة، معاون السائق وشريكاً في ملكية البوسطة، فأعجبه أمرنا وطلب منا أن ينضم إلينا ابنه خليل، رغم أنه كان لا يزال في الصف الثالث الابتدائي.
وهكذا، صارت السلال تصلنا كل أسبوع بالبوسطة إلى أمام البيت.
إلى صف البريفيه
عند بداية العام الدراسي، وبفضل كتاب زودني به الأستاذ علي عبدالله موجهاً إلى مدير تكميلية الجديدة، استطعت أن أتسجل في صف البريفيه.
وكنا ثلاثة تلاميذ من الخيام: أنا، وإبراهيم محمد خليل عطوي، ومحمد رضا سعيد الحاج جواد.
مسارات مختلفة بعد نهاية السنة
في امتحانات آخر السنة، لم يحالف الحظ إبراهيم ومحمد رضا في تحقيق النتيجة المطلوبة.
فتحول إبراهيم إلى مدرسة الصنائع، وفي فترة بناء سد القرعون انتسب إلى العاملين فيه، فتحققت له بحبوحة مادية ومعنوية ذات قيمة.
أما محمد رضا، فقد سافر بعدها إلى السعودية، وما أدراك ما كان يعنيه العمل في السعودية في تلك الأيام.
الدكتور علي عواضة
الخيام | khiyam.com
تعليقات: