عدنان سمّور: ذيبة فارس نعمة الجلبوط «أم عصام».. المربّية الأولى في الخيام


تمهيد لا بدّ منه

يُظهر تاريخ التربية والتعليم في الخيام أن تعليم المرأة كان موضع اهتمام منذ عهد الكُتّاب الأول، لدى المسلمين والمسيحيين على السواء. فقد كان الأستاذ إبراهيم محمد عواضة «أبو عبدو» يدرّس الصبيان والبنات في منزله، كما كان الرهبان يعلّمون الصبيان والبنات في الكنائس قبل ظهور المدارس الإرسالية والرسمية.

إلا أن النقص ظل قائماً في وجود معلمات يتولين تدريس البنات والصبيان، ولا سيما مع انتشار المدارس الرسمية وازدياد الحاجة إلى إشراك المرأة بصورة فاعلة في القطاع التعليمي. وكان ذلك خطوة ضرورية، أولاً لإعطاء المرأة حقها في التعليم والعمل التربوي، أسوة بالنهضة العلمية التي شهدها الرجال في هذا المجال، وثانياً لتعزيز دورها في الحياة الاجتماعية بصورة عامة.


النشأة في بيت محب للعلم

ولدت ذيبة فارس نعمة الجلبوط عام 1906، في بيت كان ربّ الأسرة فيه مختاراً محباً للعلم والتعلّم. وكان والدها ميسور الحال، منفتح الفكر، لا يميّز بين أبنائه وبناته، ويرى بوضوح أن مستقبل أولاده لا يُبنى إلا بالعلم.

ولهذا حرص على تعليم أبنائه منذ طفولتهم في مدارس الخيام. وعندما أنهى ولداه موسى وتوفيق دراستهما الابتدائية فيها، أرسلهما لمتابعة دراستهما المتوسطة والثانوية في مدرسة الحكمة في بيروت، في القسم الداخلي.

وبعد تخرجهما من الثانوية، تابعا دراستهما في الجامعة الأميركية. وكان موسى أول طبيب تخرّج من أبناء الخيام، لكنه لم يعمل في مهنة الطب فيها إلا فترة وجيزة، ثم عمل طبيباً لدى شركة التابلاين (I.T.C.) في طرابلس، قبل أن يصبح لاحقاً الطبيب الشخصي للملك عبدالله ابن الشريف حسين في الأردن، الذي منحه لقب «بيك».

أما شقيقه توفيق، فقد تتلمذ في طفولته على يد أخته ذيبة، إلى جانب حسيب وحسين، ابني خنجر عبدالله، حتى نال الثلاثة شهادة «السرتفيكا». وبعد تخرجه من الجامعة، انتسب توفيق إلى سلك الأمن العام، وترقى حتى رتبة عميد، وتولى لاحقاً منصب مدير الأمن العام في لبنان.


ذيبة... من مدارس الخيام إلى المدرسة الإنجيلية في صيدا

في طفولتها، تتلمذت ذيبة على يد والدها حتى نالت الشهادة الابتدائية «السرتفيكا». وعندما وصلت إلى المرحلة المتوسطة، قام والدها بتسجيلها في المدرسة الإنجيلية الأميركية في صيدا، في القسم الداخلي.

وكان هذا القرار، بمقاييس ذلك الزمن، موقفاً جريئاً ومتقدماً من المختار فارس نعمة الجلبوط، ولا سيما في ظل العادات والتقاليد السائدة آنذاك تجاه تعليم البنات.

كانت ذيبة تنتقل إلى صيدا بعربة يجرها حصان، يقودها أحد العاملين في مزارع والدها. وعندما يحين موعد العطلة، كان السائق يعود بالعربة والحصان ليصطحبها إلى بيت أهلها، حيث تمضي إجازتها وتستعيد نشاطها.

وكان والداها يرسلان إليها «الزوادة» كلما سنحت لهما فرصة سفر أحد أبناء الخيام إلى بيروت أو صيدا، لأن الفترات الفاصلة بين العطل كانت طويلة في ذلك الزمن.


أول فتاة خيامية تنال الشهادة الثانوية

كانت ذيبة فتاة جديّة ومجتهدة في تحصيلها العلمي، وكانت، بحسب ما يروى، أول فتاة خيامية تتخرج من المرحلة الثانوية في صيدا. كما كانت تتقن ثلاث لغات بطلاقة: العربية والفرنسية والإنكليزية.

ومن زملائها في الدراسة روز غريب وإميل البستاني.

وعندما عادت إلى الخيام في أواخر عشرينيات القرن الماضي حاملة الشهادة الثانوية، عُرض عليها أكثر من مرة الانتساب إلى سلك التعليم الرسمي أو العمل في مؤسسات الدولة.

إلا أن رغبة والدها، المختار فارس، كانت أن تتفرغ ابنته لتربية أولادها باعتبار ذلك أولوية. وكان هذا الموقف نابعاً من مركزية دور الأسرة في حياة المجتمع الشرقي، حيث اعتُبرت الأسرة المدرسة الأولى التي تتولى تنشئة أفراد ناجحين أخلاقياً، نافعين لمجتمعهم، وقادرين على مواجهة ما يعترض حياتهم من محن وصعوبات.


الزواج وتكوين الأسرة

تزوجت ذيبة فارس الجلبوط في سن مبكرة من قريبها نعمان إبراهيم الجلبوط، الذي تلقى تعليمه في طفولته في الخيام، لكنه لم يتمكن من متابعة دراسته خارجها، إذ فقد والده وهو في الثالثة من عمره.

وعلى الرغم من ذلك، امتلك نعمان خبرة وكفاءة أهلتاه لاحقاً لتولي منصب مختار، وظل في هذا الموقع نحو ثلاثين عاماً. كما تولى إدارة توزيع مياه نبع الدردارة خلال فصل الصيف على الأراضي الزراعية والمزارعين في سهل المرج.


شخصية مثقفة ومؤمنة

كانت ذيبة امرأة مؤمنة ومتدينة، تحرص على الذهاب إلى الكنيسة وحضور القداس باستمرار. كما كانت محبة للمطالعة، واقتنت مكتبة في منزلها، وشجعت أبناءها دائماً على القراءة وتوسيع معارفهم.

وكان لها أيضاً محاولات جادة في كتابة الشعر. إلا أن الحروب المتعاقبة التي دمّرت الخيام أكثر من مرة أتت، للأسف، على مكتبتها ودفاترها التي كانت تضم مذكراتها ونتاجها الشعري.


أم عصام... الأم والمربّية

وفاءً لوالدها ورغبته، تفرغت أم عصام لتربية أبنائها وتعليمهم وتهذيبهم. وكانت أماً مثالية في أخلاقها وتواضعها وحرصها المستمر على زيادة ثقافتها من خلال المطالعة.

وقد ظهرت نتائج جهودها التربوية والتعليمية في أسرة أصبح جميع أفرادها من المتعلمين.

فابنتها ليلى، مواليد 1937، درست مع أختها ناديا في الكلية الوطنية في مرجعيون للأستاذ لبيب غلمية، ثم تابعتا دراستهما في المدرسة الإنجيلية في صيدا، وهي المدرسة نفسها التي درست فيها والدتهما.

أما هند فدرست هي الأخرى، وتعيش اليوم مع أسرتها في نيجيريا.

وأما نهى، مواليد 1943، فقد بدأت دراستها في مدرسة الراهبات في مرجعيون، ثم نالت شهادة البروفي عام 1962 في مدرسة الخيام، وكان مديرها آنذاك الأستاذ علي حسين عبدالله. وتابعت دراستها الجامعية، فحصلت على شهادة الليسانس في التاريخ من الجامعة العربية.

أما أبناء أم عصام الذكور، فكان لكل منهم مساره:

عصام عمل في السلك العسكري، وخليل أصبح عميداً في الجيش اللبناني وعُرف بمواقفه الوطنية ومحبة الخيام والخياميين، وإبراهيم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون في سبعينيات القرن الماضي، فيما تخصص فؤاد في الهندسة المدنية وأصبح أستاذاً جامعياً، ويعيش في الولايات المتحدة الأميركية.


أم عصام تدخل سلك التعليم

توفي فارس نعمة الجلبوط عام 1948، وكان أبناء أم عصام قد كبروا، فيما بلغ أصغرهم نحو ثماني سنوات. عندها أصبح بإمكانها أن توظف العلم الذي حصّلته في شبابها في خدمة أبناء بلدتها.

فالتحقت بسلك التعليم الرسمي في مدرسة المعارف الخاصة بالبنات عام 1950.

وكانت المدرسة يومها في مبنى البلدية القديم قرب بيت علي نعيم عبدالله، بعد أن كانت قبل ذلك في بيت الحاج مصطفى قرب منزل حليم القسيس.

وكان يديرها في تلك المرحلة الأستاذ علي عبدالله، كما عملت فيها في فترات مختلفة عدد من المعلمات، منهن نهاد شاهين من مدينة النبطية، وفيوليت خوري من مرجعيون، ومعلمة من آل رحمة من طرابلس، ونهاد أبو صبحا التي أصبحت زوجة علي فايز عبدالله، ونزيهة الأنصاري التي أصبحت لاحقاً زوجة أحمد مهنا.

وكانت المدرسة تدرّس حتى مرحلة الشهادة الابتدائية، وقد تولت أم عصام إدارتها حتى عام 1970.

وكان الطلاب والمعلمون يتعاملون معها كأم لهم أكثر مما يتعاملون معها كمديرة أو زميلة، لما كانت تتمتع به من أخلاق عالية وإحساس عميق بالمسؤولية التربوية والرسالة التعليمية.


نهى تتابع مسيرة والدتها

التحقت الأستاذة نهى، ابنة أم عصام، بسلك التعليم عام 1963 تحت إدارة والدتها، فكانت الأم مديرة، والابنة ناظرة.

وفي عام 1971، تسلمت الأستاذة نهى إدارة المدرسة بعد بلوغ والدتها سن التقاعد، وتم تعيين الأستاذة شما كايد سمور، والدة الشهيد علي صادق، ناظرة مكانها.

وكانت تسود المدرسة روح عالية من التعاون بين المعلمين والمعلمات. وتروي الأستاذة نهى أنه عندما أُدخل منهج الرياضيات الحديثة إلى التعليم الرسمي، لم يكن ممكناً إرسال جميع المعلمين إلى دورة التأهيل الخاصة بالمنهج الجديد، فتم إرسال الأستاذ كامل يوسف مخزوم، الذي عاد ونقل ما تعلمه إلى زميله الأستاذ حسين عبدالله، فتمكن الاثنان من أداء دورهما في تعليم المنهج الجديد على أكمل وجه.

ومن زميلات الأستاذة نهى اللواتي عملن معها في التدريس: ليلى محمد إبراهيم، زينب أبو عباس، زينب محمد عطوي، شما كايد سمور، عطاف فاعور، فاطمة صادق، فاطمة سعيد مهنا، ونازك علي عبدالله.

ومن زملائها: كامل يوسف مخزوم، كامل رحيم، ورياض فاعور.


سيرة امرأة سبقت زمنها

تمثل سيرة ذيبة فارس نعمة الجلبوط «أم عصام» صفحة مهمة من تاريخ التربية والتعليم في الخيام؛ فهي تنتمي إلى جيل من النساء اللواتي حصلن على التعليم في زمن كان تعليم الفتاة فيه لا يزال يواجه الكثير من العوائق، ثم حملت ما تعلمته إلى بيتها ومدرستها ومجتمعها.

فكانت أمّاً ومربّية ومديرة مدرسة، وأسهمت، بهدوء ومن دون ضجيج، في إعداد أجيال من أبناء الخيام وبناتها، لتبقى سيرتها جزءاً من الذاكرة التربوية والاجتماعية للبلدة.


من تاريخ التربية والتعليم في الخيام (ج7)


* المصادر:

ليلى نعمان ابراهيم الجليوط.

نهى نعمان ابراهيم الجلبوط.

عدنان ابراهيم سمور.

باحث عن الحقيقة.

05/05/2024