خليل كاعين: التجربة الشيوعية في القرن العشرين (الحلقة العاشرة) الاتحاد السوفياتي والحرب العالمية الثانية

د. خليل كاعين
د. خليل كاعين


..من كارثة بارباروسا إلى سقوط برلين

انتهت الحلقة السابقة عند فجر 22 حزيران/يونيو 1941، حين انهار ميثاق عدم الاعتداء الذي جمع ألمانيا والاتحاد السوفياتي لنحو اثنين وعشرين شهرًا، وبدأت عملية «بارباروسا».

انتهت الحسابات الدبلوماسية، وبدأ اختبار الوجود.

هاجمت ألمانيا النازية الاتحاد السوفياتي، مدعومة بقوات من عدد من حلفائها الأوروبيين، وعلى جبهة امتدت آلاف الكيلومترات.

لم تكن الحرب التي بدأت في الشرق حربًا تقليدية على الأراضي والنفوذ فقط.

كان هتلر ينظر إليها باعتبارها حربًا أيديولوجية وعرقية أيضًا: تدمير الدولة السوفياتية، والقضاء على الشيوعية، والاستيلاء على الأراضي والموارد، وإعادة تشكيل شرق أوروبا وفق التصور النازي لـ«المجال الحيوي».

لذلك لم يكن الاتحاد السوفياتي يواجه احتمال خسارة حرب فحسب.

كان يواجه خطر تفكيك الدولة نفسها وإخضاع أجزاء واسعة من سكانها لمشروع استعماري وعنصري بالغ القسوة.

لكن الأسابيع الأولى طرحت سؤالًا أكثر إلحاحًا:

كيف يمكن لدولة أنفقت سنوات في بناء جيش وصناعة عسكرية ضخمة أن تتعرض لكارثة بهذا الحجم منذ الضربة الأولى؟

الكارثة الأولى

كان الهجوم الألماني هائلًا ومباغتًا على المستوى العملياتي.

دُمرت أعداد كبيرة من الطائرات السوفياتية، كثير منها على الأرض، واختُرقت خطوط الدفاع، وتقدمت الوحدات المدرعة الألمانية بسرعة كبيرة، وحوصرت تشكيلات سوفياتية كاملة.

وقع مئات الآلاف من الجنود في الأسر خلال عمليات التطويق الأولى، ثم وصل عدد الأسرى السوفيات خلال الأشهر التالية إلى الملايين.

تقدمت مجموعة الجيوش الشمالية نحو لينينغراد، وتحركت المجموعة الوسطى نحو موسكو، أما في الجنوب فاتجه الهجوم إلى أوكرانيا بثرواتها الزراعية والصناعية.

كان الجيش الأحمر يمتلك أعدادًا ضخمة من الجنود والدبابات والطائرات، لكن العدد وحده لم يكن كافيًا.

كانت القوات المسلحة قد توسعت بسرعة، ولم يكتمل تدريب أعداد كبيرة من الضباط والجنود، وكانت منظومة القيادة والاتصالات تعاني مشكلات خطيرة، فيما بقيت آثار التطهير الذي أصاب المؤسسة العسكرية في السنوات السابقة حاضرة.

وفوق ذلك كله جاء خطأ ستالين في تقدير توقيت الهجوم، وهو ما تناولناه في الحلقة السابقة.

كانت النتيجة أن دولة استعدت للحرب سنوات وجدت نفسها غير مستعدة للحرب التي بدأت فعلًا.

لكن الدولة لم تنهَر

كانت خطة بارباروسا تقوم على افتراض أن الاتحاد السوفياتي يمكن إسقاطه خلال حملة قصيرة.

اعتقدت القيادة الألمانية أن تدمير الجيوش السوفياتية في المناطق الغربية والاستيلاء على المراكز السياسية والاقتصادية الكبرى سيؤديان إلى انهيار النظام.

وكانت الخسائر السوفياتية في البداية من الضخامة بحيث بدا هذا الاحتمال واقعيًا.

لكن شيئًا لم تحسبه القيادة الألمانية بالحجم الكافي بدأ يظهر.

كان الجيش الأحمر يخسر جيوشًا كاملة، لكن قوات واحتياطيات جديدة كانت تدخل المعركة.

وكانت المصانع مهددة بالوقوع في يد الألمان، لكن الاتحاد السوفياتي بدأ واحدة من أضخم عمليات نقل الصناعة في التاريخ.

المصانع تتحرك شرقًا

مع تقدم القوات الألمانية، جرى تفكيك ونقل أعداد ضخمة من المصانع والمعدات من المناطق الغربية إلى الأورال وسيبيريا وآسيا الوسطى ومناطق أخرى بعيدة عن الجبهة.

انتقلت الآلات والعمال والمهندسون وعائلاتهم عبر شبكة السكك الحديدية، وفي ظروف شديدة الصعوبة أعيد تركيب خطوط الإنتاج وبدأت المصانع العمل من جديد.

وهنا ظهرت أهمية ما حدث في الثلاثينيات.

فالقاعدة الصناعية الثقيلة التي بُنيت بسرعة وبكلفة بشرية واجتماعية هائلة أصبحت الآن أحد أهم شروط بقاء الدولة.

بدأت المصانع تنتج الدبابات والمدافع والطائرات والذخائر بأعداد ضخمة.

وهنا يصبح تقييم مرحلة التصنيع أكثر تعقيدًا.

فالكلفة الإنسانية التي رافقتها لا تختفي، لكن من الصعب أيضًا إنكار أن القاعدة الصناعية التي أُنشئت قبل الحرب كانت عاملًا أساسيًا في قدرة الاتحاد السوفياتي على الصمود ثم الانتقال لاحقًا إلى الهجوم.

لينينغراد... مدينة تحت الحصار

في الشمال وصلت القوات الألمانية إلى محيط لينينغراد، بينما شاركت فنلندا في الحرب ضد الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى من الجبهة الشمالية.

بدأ حصار سيستمر نحو تسعمئة يوم.

عانى السكان الجوع والبرد والقصف، ومات مئات الآلاف، وغالبيتهم من المدنيين.

لكن المدينة لم تستسلم.

تحولت لينينغراد إلى رمز للمقاومة السوفياتية، لكنها أصبحت أيضًا صورة مرعبة لطبيعة الحرب في الشرق.

لم يكن المدنيون على هامش المعركة.

كانوا في قلبها.

إلى أبواب موسكو

مع خريف 1941 اقترب الجيش الألماني من موسكو.

بدت العاصمة مهددة، وأُجلِيَت مؤسسات حكومية ودبلوماسية إلى الشرق، وظهرت حالة خوف واضطراب.

لكن ستالين بقي في موسكو، وكان لبقائه قيمة رمزية وسياسية واضحة.

استُدعيت قوات واحتياطيات جديدة، ووصلت وحدات من الشرق السوفياتي بعدما أصبحت القيادة أكثر اطمئنانًا إلى أن اليابان لن تفتح في تلك اللحظة جبهة ضد الاتحاد السوفياتي في الشرق الأقصى.

وفي كانون الأول/ديسمبر بدأ الجيش الأحمر هجومًا مضادًا أبعد القوات الألمانية عن العاصمة.

لم تكن ألمانيا قد هُزمت.

لكن الخطة التي افترضت إسقاط الاتحاد السوفياتي في حملة واحدة كانت قد فشلت.

وتلقت صورة الجيش الألماني الذي لا يمكن إيقافه أول ضربة استراتيجية كبيرة.

ستالين يتعلم من الكارثة

في بداية الحرب تدخل ستالين في القرارات العسكرية بصورة شديدة المركزية، وأسهمت بعض قراراته في زيادة حجم الكارثة.

لكنه لم يبقَ ثابتًا تمامًا على الأسلوب نفسه.

مع مرور الوقت بدأ يمنح قادته العسكريين المحترفين مساحة أكبر في التخطيط والعمليات.

برزت أسماء مثل جورغي جوكوف، وألكسندر فاسيليفسكي، وقسطنطين روكوسوفسكي وغيرهم.

ظل ستالين القائد السياسي والعسكري الأعلى وصاحب القرار النهائي في القضايا الكبرى، لكنه أصبح أكثر استعدادًا للاستماع إلى قادته والاستفادة من خبراتهم مقارنة بالأشهر الأولى للحرب.

وهذه نقطة مهمة في تقييم دوره.

فالأخطاء الأولى كانت هائلة، لكن قدرة القيادة السوفياتية على التعلم والتكيف كانت جزءًا من أسباب الصمود أيضًا.

الحرب تصبح «وطنية»

كان النظام السوفياتي يقوم على أيديولوجيا شيوعية أممية.

لكن عندما تعرضت البلاد للغزو، لم تعتمد القيادة على الخطاب الشيوعي وحده.

استُدعيت الذاكرة الوطنية والتاريخ العسكري والدفاع عن الوطن والأرض والعائلة، وأصبحت الحرب تُعرف في الذاكرة السوفياتية باسم «الحرب الوطنية العظمى».

حتى العلاقة بالدين شهدت تغيرًا نسبيًا، إذ خففت الدولة بعض القيود عن الكنيسة الأرثوذكسية واستفادت من قدرتها على تعبئة المشاعر الوطنية.

كانت البراغماتية تظهر مرة أخرى.

عندما أصبح وجود الدولة مهددًا، استخدمت القيادة كل عناصر التعبئة المتاحة، لا الأيديولوجيا الماركسية وحدها.

1942... هتلر يتجه جنوبًا

بعد فشل الاستيلاء على موسكو، تغير الاتجاه الاستراتيجي الألماني في 1942.

ركز هتلر على الجنوب، وكانت أهدافه تشمل الوصول إلى نفط القوقاز والسيطرة على مناطق اقتصادية ومواصلاتية مهمة.

وفي هذا المسار ظهرت مدينة على نهر الفولغا تحمل اسم ستالين:

ستالينغراد.

لم تكن أهمية المدينة في اسمها فقط.

كانت مركزًا صناعيًا وموقعًا مهمًا على نهر الفولغا، والسيطرة عليها كانت تساعد في حماية الجناح الألماني المتجه نحو القوقاز.

بدأت معركة ستصبح واحدة من أكثر معارك الحرب دموية.

ستالينغراد... نقطة التحول

دخل الألمان المدينة.

وتحولت الشوارع والمصانع والمباني إلى ساحات قتال، وكانت المسافات بين القوات أحيانًا أمتارًا قليلة.

دُمرت أجزاء واسعة من ستالينغراد، لكن المدافعين السوفيات تمسكوا بمواقعهم قرب ضفة الفولغا.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1942 أطلق الجيش الأحمر عملية «أورانوس».

وبدل مهاجمة القوة الألمانية الرئيسية داخل المدينة مباشرة، ضرب القوات الأضعف التي تحمي جناحيها، وخصوصًا الوحدات الرومانية.

أُغلق الطوق حول الجيش السادس الألماني.

رفض هتلر السماح له بالانسحاب.

وفي شباط/فبراير 1943 استسلم ما تبقى من القوات المحاصرة.

كانت ستالينغراد نقطة تحول نفسية وعسكرية كبرى.

لم تعد المسألة فقط:

هل يستطيع الاتحاد السوفياتي البقاء؟

بل بدأ سؤال جديد يظهر:

إلى أي مدى يستطيع الجيش الأحمر دفع الألمان غربًا؟

كورسك... المبادرة تنتقل

في صيف 1943 حاولت ألمانيا استعادة المبادرة في منطقة كورسك.

كانت القيادة السوفياتية على علم بالاستعدادات الألمانية، وأقامت دفاعات عميقة ومتعددة الطبقات.

وقعت معارك مدرعة هائلة، وفشل الهجوم الألماني في تحقيق أهدافه.

وبعد كورسك انتقلت المبادرة الاستراتيجية بصورة متزايدة إلى الجيش الأحمر.

منذ ذلك الحين أصبح الاتجاه العام للحرب على الجبهة الشرقية هو التراجع الألماني والتقدم السوفياتي، وإن استمرت الحرب قرابة عامين آخرين وبخسائر هائلة.

من الذي كان يقاتل؟

من الخطأ اختزال الاتحاد السوفياتي بروسيا وحدها.

قاتل في الجيش الأحمر الروس والأوكرانيون والبيلاروسيون والجورجيون والأرمن والكازاخ والأوزبك وغيرهم من شعوب جمهوريات الاتحاد.

وتعرضت أوكرانيا وبيلاروسيا، بصورة خاصة، لدمار هائل.

كان الانتصار سوفياتيًا متعدد القوميات، حتى لو بقيت روسيا الجمهورية الأكبر ومركز الدولة الأساسي.

وهذا مهم لأن الروايات القومية اللاحقة حاولت أحيانًا احتكار النصر أو فصل تضحيات شعب عن تضحيات الشعوب الأخرى.

الاحتلال النازي... ماذا كان يعني؟

لفهم شدة المقاومة ينبغي معرفة طبيعة الاحتلال.

لم يكن المشروع النازي في الشرق مشروع إدارة عسكرية مؤقتة فحسب.

شهدت المناطق المحتلة عمليات قتل جماعي وتجويع وترحيل وعمل قسري.

وكان اليهود من الأهداف الأساسية لسياسة الإبادة النازية.

ارتكبت وحدات القتل المتنقلة، إلى جانب أجهزة الاحتلال وبمشاركة متعاونين محليين في بعض المناطق، مذابح جماعية واسعة.

كما مات ملايين أسرى الحرب السوفيات نتيجة القتل والتجويع والمرض وسوء المعاملة.

لهذا لم تكن الحرب بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السكان مجرد دفاع عن نظام سياسي.

كانت أيضًا حرب بقاء.

الحلفاء يدخلون المعادلة

بعد الهجوم الألماني أصبح الاتحاد السوفياتي حليفًا لبريطانيا.

وبعد دخول الولايات المتحدة الحرب في كانون الأول/ديسمبر 1941، تشكل التحالف الكبير بين موسكو ولندن وواشنطن رغم التناقض الأيديولوجي العميق بينها.

قدمت الولايات المتحدة وبريطانيا مساعدات مهمة للاتحاد السوفياتي، وخصوصًا عبر برنامج الإعارة والتأجير.

وصلت شاحنات ومركبات وقاطرات وسكك حديدية ومواد غذائية ومواد خام وطائرات ومعدات اتصالات وآلات ومستلزمات أخرى.

لم تكن المساعدات الغربية هي التي أنشأت القوة العسكرية السوفياتية، ولم تنتج معظم دباباتها ومدافعها.

فالاتحاد السوفياتي أنتج القسم الأكبر من أسلحته الثقيلة بنفسه.

لكن التقليل من أهمية المساعدات خطأ أيضًا.

كانت وسائل النقل والاتصالات والمواد الغذائية والقاطرات والمواد الصناعية ذات قيمة كبيرة، وازدادت أهميتها خصوصًا عندما انتقل الجيش الأحمر إلى العمليات الهجومية الواسعة والسريعة باتجاه الغرب.

والصورة الأقرب إلى الواقع هي:

الصناعة السوفياتية وفرت القسم الأساسي من القوة القتالية، بينما ساهم الدعم الغربي بصورة مهمة في تعزيز الحركة والإمداد والقدرة على مواصلة الحرب.

أين كانت بريطانيا والولايات المتحدة؟

كان ستالين يطالب منذ وقت مبكر بفتح جبهة ثانية في غرب أوروبا لتخفيف الضغط عن الجيش الأحمر.

لكن الإنزال في فرنسا لم يحدث حتى حزيران/يونيو 1944.

هل يعني ذلك أن بريطانيا والولايات المتحدة كانتا تنتظران أن يستنزف الألمان والسوفيات بعضهم بعضًا؟

ظهر هذا التفسير كثيرًا، وخصوصًا في الرواية السوفياتية.

لكن الصورة أكثر تعقيدًا.

كانت بريطانيا تقاتل ألمانيا منذ 1939، وخاضت معارك في الجو والبحر وشمال أفريقيا والبحر المتوسط.

ودخلت القوات الأميركية والبريطانية شمال أفريقيا سنة 1942، ثم صقلية وإيطاليا سنة 1943.

كما كانت هناك حرب جوية وبحرية ضخمة ضد ألمانيا.

أما إنزال جيش كبير عبر القناة الإنجليزية فكان يحتاج إلى إعداد هائل من القوات والسفن والطائرات والإمدادات.

ومع ذلك، تبقى حقيقة أن تأخر فتح الجبهة في فرنسا جعل الاتحاد السوفياتي يتحمل لسنوات العبء الأكبر من الحرب البرية ضد القسم الرئيسي من القوات الألمانية.

الجبهة الشرقية... مركز استنزاف القوة البرية الألمانية

هذه نقطة ينبغي التعامل معها بعيدًا عن الدعاية من الجانبين.

خاضت ألمانيا حربًا عالمية متعددة الجبهات.

القصف الجوي البريطاني والأميركي استنزف الصناعة والقوة الجوية الألمانية.

والحرب البحرية كانت أساسية.

والجبهة الإيطالية شغلت قوات ألمانية.

وإنزال نورماندي فتح جبهة غربية ضخمة.

لكن القسم الأكبر من القوات البرية الألمانية كان متمركزًا على الجبهة الشرقية خلال معظم الحرب، وهناك تكبدت ألمانيا الجزء الأكبر من خسائرها العسكرية.

هناك وقعت معارك موسكو وستالينغراد وكورسك، إلى جانب عشرات العمليات الكبرى الأقل حضورًا في الذاكرة الغربية.

لذلك يصعب فهم هزيمة ألمانيا النازية من دون الاعتراف بأن الاتحاد السوفياتي كان القوة البرية الرئيسية في استنزاف الجيش الألماني.

لكن هذا لا يعني أنه انتصر وحده.

عملية باغراتيون

في حزيران/يونيو 1944، بعد وقت قصير من إنزال الحلفاء في نورماندي، أطلق الجيش الأحمر عملية «باغراتيون» في بيلاروسيا.

كانت واحدة من أكثر العمليات تدميرًا للقوات الألمانية خلال الحرب.

انهارت مجموعة الجيوش الألمانية الوسطى، وتقدم الجيش الأحمر مئات الكيلومترات.

أصبحت ألمانيا الآن تحت ضغط هائل من الشرق والغرب في الوقت نفسه.

وبدأت النهاية تقترب.

التحرير أم بداية نفوذ جديد؟

مع تقدم الجيش الأحمر دخل بولندا ورومانيا وبلغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وأجزاء أخرى من أوروبا الشرقية.

بالنسبة إلى الشعوب التي كانت تحت الاحتلال النازي، كان الجيش الأحمر قوة أساسية في هزيمة ألمانيا وإنهاء الاحتلال النازي.

لكن مع اقتراب الحرب من نهايتها ظهرت مسألة أخرى.

لم ينسحب النفوذ السوفياتي ببساطة من المناطق التي وصل إليها الجيش.

وخلال السنوات التالية ستنشأ أنظمة شيوعية موالية لموسكو في معظم أوروبا الشرقية.

وهكذا حمل التقدم السوفياتي معنيين تاريخيين متداخلين:

تحرير أجزاء واسعة من أوروبا الشرقية من السيطرة النازية، ثم دخول معظمها تدريجيًا ضمن مجال النفوذ السوفياتي.

والاعتراف بأحدهما لا يقتضي إنكار الآخر.

إلى برلين

في بداية 1945 دخل الجيش الأحمر الأراضي الألمانية.

كانت المعارك الأخيرة شديدة العنف.

وفي نيسان/أبريل بدأت معركة برلين.

حاصرت القوات السوفياتية العاصمة الألمانية ودخلتها بعد قتال عنيف.

انتحر هتلر في 30 نيسان/أبريل.

وفي أيار/مايو استسلمت ألمانيا.

ورُفع العلم السوفياتي فوق مبنى الرايخستاغ، لتصبح الصورة أحد أشهر رموز القرن العشرين.

الدولة التي بدت قبل أقل من أربعة أعوام وكأنها تقف على حافة الانهيار أصبحت قواتها الآن في قلب العاصمة الألمانية.

الثمن

لكن كلمة «النصر» وحدها لا تكفي لوصف ما حدث للاتحاد السوفياتي.

كانت الخسائر البشرية كارثية.

تشير التقديرات الشائعة إلى أن الاتحاد السوفياتي فقد نحو 27 مليون إنسان، من العسكريين والمدنيين، مع اختلاف التقديرات والتصنيفات.

دُمرت مدن وقرى ومصانع وبنية تحتية واسعة.

وقُتل ملايين المدنيين تحت الاحتلال أو نتيجة المجازر والحصار والجوع والمرض.

لم يكن انتصارًا رخيصًا.

خرج الاتحاد السوفياتي منتصرًا، لكن جزءًا واسعًا من أراضيه الغربية كان مدمّرًا.

وستساعد هذه التجربة لاحقًا في تفسير هاجس الأمن السوفياتي والرغبة في إقامة منطقة عازلة في شرق أوروبا.

لكنها لن تبرر تلقائيًا كل ما ستفعله موسكو في تلك الدول.

فالتفسير شيء، والتبرير شيء آخر.

من انتصر على هتلر؟

بعد الحرب بدأت كل قوة تبني ذاكرتها الخاصة.

في الغرب احتلت نورماندي وتحرير فرنسا والحرب الجوية مكانة مركزية.

وفي الاتحاد السوفياتي أصبحت «الحرب الوطنية العظمى» محورًا أساسيًا في الذاكرة الوطنية والشرعية السياسية.

لكن السؤال: من هزم هتلر؟ لا يحتاج إلى اختيار بطل واحد.

بريطانيا لعبت دورًا حاسمًا في الاستمرار بالمقاومة عندما كانت ألمانيا تهيمن على معظم أوروبا الغربية.

والولايات المتحدة قدمت قوة صناعية وعسكرية ومالية هائلة، وحاربت دول المحور في مسارح متعددة.

والاتحاد السوفياتي تحمل العبء الأكبر من الحرب البرية ضد ألمانيا النازية ودفع أكبر ثمن بشري بين القوى الكبرى المنتصرة.

كما ساهمت حركات المقاومة وجيوش دول أخرى في النصر.

لذلك كان الانتصار انتصار تحالف.

لكن داخل هذا التحالف كان الدور السوفياتي في استنزاف وتدمير القسم الأكبر من القوة البرية الألمانية دورًا مركزيًا لا يمكن اختزاله.

هل انتصر ستالين أم الشعب السوفياتي؟

لعبت قيادة ستالين دورًا حقيقيًا في تعبئة الدولة والاقتصاد، وكانت القاعدة الصناعية التي بُنيت قبل الحرب شرطًا أساسيًا للصمود.

كما تعلمت القيادة السوفياتية من عدد من أخطائها، وأصبحت أكثر كفاءة في إدارة الحرب مع مرور الوقت.

لكن ستالين يتحمل أيضًا مسؤولية أخطاء خطيرة، ولا سيما سوء تقدير توقيت الهجوم وبعض القرارات العسكرية الكارثية في المراحل الأولى.

أما العبء الأساسي للحرب فحمله ملايين الجنود والعمال والفلاحين والنساء والمدنيين من مختلف شعوب الاتحاد السوفياتي.

ولهذا فإن تحويل الانتصار كله إلى إنجاز شخص واحد يظلم المجتمع الذي دفع الثمن.

وفي المقابل، فصل الانتصار بالكامل عن الدولة والاقتصاد والصناعة التي بناها الاتحاد السوفياتي قبل الحرب يجعل تفسير قدرة البلاد على الصمود ناقصًا.

مرة أخرى، الحقيقة أكثر تعقيدًا من الروايتين.

الشيوعية تخرج من الحرب أقوى

دخل الاتحاد السوفياتي الحرب وهو موضع شك وعداء لدى قسم كبير من العالم.

وخرج منها إحدى القوتين الأعظم على الأرض.

كان الجيش الأحمر موجودًا في قلب أوروبا، وأصبحت موسكو صاحبة نفوذ مباشر في شرق القارة.

كما اكتسبت الشيوعية رصيدًا سياسيًا عالميًا كبيرًا بفعل الدور السوفياتي في هزيمة النازية.

وفي فرنسا وإيطاليا واليونان ويوغوسلافيا ودول أخرى، خرجت الأحزاب الشيوعية وحركات المقاومة المرتبطة بها من الحرب بمكانة متزايدة.

وفي أجزاء واسعة من العالم الخاضع للاستعمار، ستكتسب صورة الاتحاد السوفياتي كقوة كبرى منافسة للإمبراطوريات الغربية أهمية متزايدة لدى عدد من حركات التحرر الوطني.

لكن التحالف الذي جمع ستالين وتشرشل وروزفلت لم يكن قائمًا على رؤية مشتركة للعالم.

كان قائمًا قبل كل شيء على وجود عدو مشترك.

وعندما اختفى هتلر، عادت الخلافات التي أخفتها الحرب إلى الواجهة.

عالم جديد يولد

في 1945 لم تعد أوروبا مركز القوة العالمية كما كانت قبل الحرب.

ألمانيا مدمرة.

بريطانيا وفرنسا منتصرتان، لكنهما خرجتا منهكتين.

برزت الولايات المتحدة قوة اقتصادية وعسكرية هائلة.

وفي المقابل، خرج الاتحاد السوفياتي بقوة عسكرية وسياسية غير مسبوقة، رغم الخراب والخسائر التي أصابته.

كان العالم يتجه نحو قطبين:

واشنطن وموسكو.

وفي أوروبا أصبحت الجيوش السوفياتية موجودة في الشرق، بينما كانت القوات الأميركية والبريطانية وحلفاؤها في الغرب.

بدأ الخلاف حول مستقبل ألمانيا وبولندا وأوروبا الشرقية.

وسرعان ما ستأتي أزمات جديدة، ومشروع مارشال، والانقسام الألماني، وحلف شمال الأطلسي، والرد السوفياتي، وسباق التسلح النووي.

وسيتحول الصراع بين الرأسمالية والشيوعية إلى صراع عالمي يمتد من أوروبا إلى آسيا، ثم إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

لكن المفارقة أن الحرب التي ستُعرف باسم «الحرب الباردة» لن تبقى باردة بالنسبة إلى ملايين البشر.

فستقع حروب وثورات وانقلابات وصراعات بالوكالة في أنحاء مختلفة من العالم.

وهناك أيضًا سيظهر مسار آخر له أهمية خاصة في منطقة الشرق الاوسط، سنعود إليه في مكانه ضمن هذه السلسلة:

في سنة 1947 سيؤيد الاتحاد السوفياتي قرار تقسيم فلسطين، وفي 1948 سيكون من أوائل الدول التي تعترف بإسرائيل، وستصل أسلحة من تشيكوسلوفاكيا إلى القوات اليهودية ثم إلى الدولة الجديدة.

ثم بعد سنوات ستتحول موسكو إلى أحد أبرز داعمي عدد من الدول العربية في صراعها مع إسرائيل.

كيف حدث هذا التحول؟ ولماذا؟

سنصل إلى ذلك في مكانه.

أما أولًا، فعلينا أن نفهم العالم الذي خرج من الحرب، وكيف تحول الحلفاء الذين هزموا هتلر معًا إلى خصمين يقودان معسكرين عالميين ويملكان، بعد سنوات قليلة، القدرة على تدمير العالم.

يتبع...

الحلقة الحادية عشرة: من التحالف إلى الحرب الباردة... كيف انقسم العالم بين واشنطن وموسكو؟

د. خليل كاعين

#ارباروسيا

#جورغي_ثجوكوف

#ألكسندر_فاسيليفسكي،

#قسطنطين

#روكوسوفسكي

#الحرب_الوطنية_العظمى

#أورانوس

#باغراتيون

#الرايخستاغ

#مشروع_مارشال

#الحرب_الباردة