عدنان سمور: من ذاكرة الخيام.. حكاية مهنة التنجيد ورجالاتها في البلدة، من غسل الصوف إلى صناعة الفرش واللحف (ج 2)


من غسل الصوف إلى صناعة الفرش واللحف

رحلة غسل الصوف

كان صوف الأغنام والخراف يُجز مرة واحدة في السنة، غالباً خلال فصل الصيف. وكان الصوف عند جزه شديد الاتساخ، تفوح منه رائحة الغنم، لذلك كان يحتاج إلى عملية غسل طويلة قبل أن يصبح صالحاً للتنجيد.

ولم تكن عملية غسل الصوف مجرد عمل منزلي، بل كانت تتحول أحياناً إلى رحلة عائلية ترفيهية. فتتوجه الأسرة إلى محيط نبع الدردارة أو إلى ضفاف نهر الحاصباني، حيث تتوافر المياه والمساحات الواسعة اللازمة للغسل والنشر والتجفيف.

كانت كمية الصوف، المعروفة باسم «الجزة»، تجمع في مكان واحد، ثم يرش عليها مسحوق الغسيل ويسكب فوقها الماء. بعد ذلك يبدأ أفراد الأسرة بضربها بواسطة «المخابيط»، ومفردها مخباط، وهي قطعة خشبية يبلغ طولها نحو 75 سنتيمتراً ولها مقبض تمسك به اليد.

ومع تكرار الضرب تتحول جزة الصوف إلى كتلة تشبه العجين وتغطيها الرغوة. ثم تُغسل مرة أو أكثر بحسب الحاجة، حتى تصبح نظيفة وناصعة البياض.

التجفيف والنقل

بعد الغسل، كان الصوف يُنشر فوق الصخور النهرية البيضاء أو فوق أغصان الدفلى حتى يجف تماماً، ثم يوضع في أكياس من الجنفيص أو القماش الخام النظيف.

وكانت الأكياس تُنقل قديماً على ظهور الدواب، ثم أصبحت تُنقل بالسيارات بعد انتشارها، ليحتفظ بها أصحابها إلى حين حضور المنجد.

الفرش واللحف

كان صوف الغنم يُستخدم حشوة للفرشات، ويتراوح وزن الفرشة الواحدة عادة بين 12 و15 كيلوغراماً. ويوضع الصوف داخل قالب من القماش الخام الأبيض، ثم يغطى بقالب خارجي جميل وملون وناعم.

أما اللحف، فكان يُفضّل أن تُحشى بصوف الخراف الصغيرة التي يقل عمرها عن ستة أشهر، ويُعرف صوفها باسم «القصب». وكان وزن اللحاف يتراوح بين أربعة وستة كيلوغرامات، ويصنع وجهه الداخلي من قماش الساتان، بينما يختار أصحابه القماش الخارجي ولونه بحسب رغبتهم.

الدشك والمساند والوسائد

كانت مقاعد «الدشك» الخشبية، التي تتسع عادة لثلاثة أشخاص، تُفرش بحشوات من قصل الذرة وقشور عرانيسها الجافة. وكانت المساند توضع في غرف الجلوس وحول المدفأة، ويصنع قالبها الداخلي من الجنفيص، ثم يخاط بالمسلة وخيطان المصيص المتينة.

أما الوسائد، فكان بعضها يُحشى بالصوف، وبعضها الآخر بمادة تُعرف باسم «الرويشة»، وهي قشور القمح المسلوق الناتجة عن جرش السميد في المطحنة.

أدوات المنجد

اعتمد المنجد الخيامي على مجموعة من الأدوات البسيطة، أبرزها:

- القوس أو العود: يُستخدم لندف الصوف والقطن بواسطة وتر مصنوع من أمعاء الخروف. وكان المنجد يضرب الوتر بالمدق، فيهتز داخل الصوف ويفكك تكتلاته.

- المدق: قطعة أسطوانية من الخشب الصلب، لها مقبض، تُستخدم لضرب وتر القوس.

- الكشتبان: حلقة معدنية يضعها المنجد في إصبعه ليحميه من وخز الإبرة أو المسلة.

- الإبر والمسلات: تتنوع أحجامها وفق سماكة القماش ونوع العمل.

- المطرق: قضيب يصنع من شجر الرمان أو المعدن، ويُستخدم لنفش الصوف وتوزيعه بالتساوي داخل القالب.

ومنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ المنجدون يستبدلون القوس التقليدي بماكينات تنفيش الصوف الآلية، لما توفره من سرعة في الإنجاز وتخفيف للتكلفة والجهد.

التنجيد مناسبة للفرح

كان يوم التنجيد أشبه بمناسبة احتفالية داخل البيت الخيامي، ولا سيما عند تجهيز العرسان. فتُنجّد الفرش واللحف والطراحات والوسائد والمساند، ويُكرم المنجد بالطعام والحلوى والضيافة.

وكان الأطفال يتحلقون حوله، يراقبون بدهشة حركة القوس وتطاير الصوف، ويعجبون بالدوائر والزخارف الهندسية التي يرسمها على اللحف. وكان بعضهم يساعده في ندف الصوف وسط أجواء من الفرح والحبور.

مصادر البحث:

الحاج خليل علي موسى خريس

كمال محمد علي القلوط

حسين علي رشيدي

الأستاذ فايز أبو عباس

زكي ونا

حسين محمد يوسف «أبو رضا المنجد»

صباح حسن عبدالله

إعداد: المهندس عدنان سمور

الحلقة التالية: علي حسن قاسم «الشطوط»… أول منجد خيامي



تعليقات: