مها خليل عبّود: «أنا كل أسبوع ناطرك».. حكاية أبٍ جعل الزيارة رسالة صمود

المرحوم خليل عبود لابنه الشهيد عبود: أنا كل أسبوع ناطرك.. وهياني حدّك
المرحوم خليل عبود لابنه الشهيد عبود: أنا كل أسبوع ناطرك.. وهياني حدّك


إبّان الاحتلال، وبينما كان والدي خليل صالح عبّود، أبو عدنان، برفقة عائلته في بيروت لوداع أحد أبنائه قبل سفره إلى فرنسا، تم اعتقال ابنه عبّود، الذي استُشهد لاحقاً، واقتياده إلى معتقل الخيام، حيث أمضى ثلاث سنوات في الأسر.

زيارة كل أربعاء

خلال تلك الفترة، كان يُسمح لأهالي المعتقلين، كل يوم أربعاء، بالحضور إلى محيط المعتقل لإيصال بعض الحاجيات المحددة إلى أبنائهم، وكانت تلك المناسبة تُعرف باسم «الزيارة».

ولم تكن الحاجيات المسموح بها تتعدّى صابونة وعلبة محارم ورقية. وكان على الأهالي، قبل تسليمها إلى السجّانين، أن ينتظروا ساعات طويلة تحت الأشجار خارج المعتقل، صيفاً وشتاءً، في الحرّ والصقيع، إلى أن يُسمح لهم بتسليم ما أحضروه.

وكان والدي مواظباً على هذه الزيارة أسبوعاً بعد أسبوع، من دون انقطاع.

«إنت ما بتزهق؟»

ومع مرور الوقت، استاء أحد السجّانين من حضوره الدائم، فقال له مستنكراً:

«إنت ما بتزهق؟! كل أسبوع بدك تجي؟! شو هو لحّق يصرفن للصابونة والمحارم؟!»

وكان يقصد عبّود.

فأجابه أبو عدنان، بصلابته المعهودة:

«إنت هالأد بتفهم... أني مش جايي لجبلو صابونة ومحارم. أني جايي لقلو إني كل أسبوع ناطرك، وهياني حدّك.»

كانت الزيارة، بالنسبة إليه، أبعد بكثير من صابونة ومحارم. كانت رسالة أسبوعية إلى ابنه تقول له: أنا هنا، لم أنسك، وما زلت إلى جانبك.

اسم عبّود على كل صابونة وكل علبة

في كل زيارة، كان أبو عدنان يكتب بخطه المعروف لدى ابنه، وبالقلم العريض كما كان يسمّيه:

«عبّود عبّود»

على الصابونة وعلى علبة المحارم، حتى يعرف ولده أن والده جاء، وأنه ما زال ينتظره.

ولم يكن ذلك يخدم عبّود وحده.

فكلما خرج أسير من المعتقل في المنطقة المحتلة، كان والدي يقصده ويسأله عن أحوال عبّود. وكان يسمع غالباً الجواب نفسه:

«أكيد بعرفو... ما الحبس كلو معو صابون ومحارم عليهن اسمو.»

زيارة لابنه... ولغيره أيضاً

وهذا أيضاً كان من أهداف أبي عدنان في مواظبته على الحضور أسبوعياً. فقد كان يعلم أن هناك أهالي لا يستطيعون زيارة أبنائهم أو إيصال الحاجيات إليهم، فكان حضوره يتحول، بطريقة ما، إلى حضور عنهم أيضاً، وإلى مساهمة في إعانة أسرى آخرين داخل المعتقل.

هكذا لم تكن «الزيارة» مجرد موعد أسبوعي، بل كانت موقفاً من الوفاء والصبر والصمود، ورسالة أبٍ إلى ابنه الأسير تقول، من خلف الأسلاك والجدران:

«أنا كل أسبوع ناطرك.. وهياني حدّك».

مها خليل صالح عبّود

تعليقات: