فايز أبو عباس: المجتمع الخيامي بين العهد العثماني والاستقلال.. الموظفون والتجار وأصحاب المهن (ج2)

الأستاذ فايز أبو عباس: تكوّن المجتمع الخيامي من فئات عدة، منها موظفو الدولة العاملون في تحصيل الضرائب وتخمين الإنتاج الزراعي والحيواني، ورجال الأمن والشرطة، إلى جانب بعض الشخصيات النافذة التي كانت تربطها علاقات بالمسؤولين
الأستاذ فايز أبو عباس: تكوّن المجتمع الخيامي من فئات عدة، منها موظفو الدولة العاملون في تحصيل الضرائب وتخمين الإنتاج الزراعي والحيواني، ورجال الأمن والشرطة، إلى جانب بعض الشخصيات النافذة التي كانت تربطها علاقات بالمسؤولين


الموظفون والملاك وأصحاب النفوذ

في أواخر العهد العثماني وبداية الانتداب الفرنسي، تكوّن المجتمع الخيامي من فئات عدة، منها موظفو الدولة العاملون في تحصيل الضرائب وتخمين الإنتاج الزراعي والحيواني، ورجال الأمن والشرطة، إلى جانب بعض الشخصيات النافذة التي كانت تربطها علاقات بالمسؤولين العثمانيين.

وضمّت هذه الفئة أيضاً أصحاب المال والأعمال وكبار ملاك الأراضي، وكان يُطلق على كثير منهم لقب «الأفندية».

ويروي الكاتب أن جدّه لأمه كان مخمّناً للضرائب على الإنتاج الزراعي والحيواني، وأن والده، الحاج مصطفى عبد الله، كان يمتلك مساحات واسعة من الأراضي، وكذلك عدد من أبناء البيت نفسه في سردة والعمرا والوزاني. وهذه المعلومات تُروى في إطار الذاكرة العائلية والمحلية.


التجارة ومسارات الأسواق

كان التجار يُصنّفون بحسب نوع تجارتهم، ومن أبرزها تجارة المواشي وحيوانات النقل، مثل الخيول والجمال والبغال والحمير، إضافة إلى الأبقار والأغنام والماعز.

وكانت أسواق المواشي تمتد من حوران إلى الجولان والقنيطرة، ثم تتفرع إلى مسارين:

مسار يتجه نحو الخالصة والحولة، ومنها إلى بنت جبيل وصور، أو إلى صفد وعكا وحيفا.

ومسار يمر من القنيطرة إلى الخيام، ثم النبطية وصيدا.

كما ازدهرت تجارة الحبوب، ومنها القمح والذرة والعدس والحمص والفول. وعُرفت في سهل مرجعيون زراعة «الماش»، وهي من الحبوب التي اشتهر الخياميون بمعرفة طرق إعدادها للطعام.

أما الأقمشة فكان معظمها يأتي من دمشق، في حين كانت الأواني الفخارية تُجلب خصوصاً من راشيا الفخار، التي اشتهرت بجرارها وأباريقها وصحونها وأواني حفظ الألبان وزخارفها الفنية.

واستُخدمت الأواني النحاسية في الطبخ وتحضير القمح والبرغل، ولا سيما «الخلّيقة» الكبيرة التي يُسلق فيها القمح قبل تجفيفه وطحنه لإنتاج البرغل بأنواعه.

وكانت المحال التجارية تعرض الأقمشة والأدوات المنزلية والحبوب والمواد الغذائية، وغالباً ما كان المحل الواحد يجمع أكثر من نوع من البضائع، من دون تخصّص دقيق.


البنّاؤون وقصّابو الحجارة

اعتمد البنّاؤون، أو «المعمّرجية»، على الحجارة الصلبة المستخرجة من سطح الأرض أو من المقالع. وكانت تُنقل على ظهور الجمال والبغال والحمير إلى من يتولى تهذيبها وتشذيبها لتتناسب مع موضعها في البناء.

وكان المتخصص في هذا العمل يُعرف باسم «قصّاب الحجارة»، ويستخدم أدوات مثل الشاقوف والمهدّة والقاطوعة والشاحوط، لتسوية وجه الحجر وضبط أبعاده.

أما المادة التي تربط الحجارة، فكانت مزيجاً من الكلس المطفأ والرمل وشظايا الحجارة الصغيرة. وبعد بناء الجدران والأعمدة، كانت القناطر تُرسم وتُقص حجارتها على الأرض، ثم تُنقل وتُركّب بالتتابع.

ولم تكن القياسات تُجرى دائماً بالمتر، بل استُخدم الحبل أو غصن مستقيم من الشجر. كما رُوي أن بعض الأراضي كانت تُقاس وتباع بما يُعرف بـ«الشملة»، وهي الزنار الذي كان يُلف فوق القمباز.

وقد برع بعض البنّائين أيضاً في نقش الآيات والأسماء والتواريخ والرسوم على الحجارة الكلسية الطرية.


النجّارون والحدّادون

كان النجّارون من أصحاب المهارات الدقيقة، فصنعوا الخزائن والمقاعد وصناديق الثياب والأبواب والنوافذ، إلى جانب الأدوات الزراعية، مثل أجزاء المحراث والنورج والقباقيب.

واستخدموا أخشاب الحور والجوز والزيتون واللوز والزنزلخت والخروب، إضافة إلى أنواع أخرى تُستورد من خارج البلدة.

أما الحدّادون فكان عددهم قليلاً، واقتصرت أعمالهم غالباً على صناعة الأدوات الزراعية وإصلاحها، وترميم عجلات العربات، وصنع الأقفال ومفاصل الأبواب والنوافذ وبعض وسائل التدفئة العاملة على الحطب.


السكّافون أو «الكندرجية»

كانت صناعة الأحذية وإصلاحها من المهن المزدهرة حتى زمن قريب. وكان الكندرجي يحتفظ بقوالب خشبية مختلفة المقاسات، فيقيس قدم الزبون ويختار القالب المناسب، ثم ينتقي نوع الجلد ولونه ويبدأ بقص أجزائه وخياطتها.

بعد إعداد الوجه الخارجي للحذاء، كان يُشد فوق القالب ويُثبّت أولاً بالمسامير، ثم بخيوط مجدولة ومغطاة بمادة شمعية لزيادة متانتها.

وكان النعل يُصنع من طبقتين من الجلد المقوّى، في حين يتكوّن الكعب من طبقات عدة. وبعد ترك الحذاء أياماً ليجف، يُفك القالب الخشبي من داخله.

كما تولّى الكندرجي إصلاح الأحذية البالية وتركيب «نصف نعل» جديد، مستخدماً أداة حديدية تُعرف بـ«السندان»، يدخل طرفها داخل الحذاء لتثبيت رؤوس المسامير ومنعها من إيذاء القدم.


فايز أبو عباس

(يتبع...)

إقرأ أيضاً، الجزء الأول من المجتمع الخيامي بين العهد العثماني والاستقلال: بنية المجتمع والألقاب والبيوتات

تعليقات: