الجامعة اللبنانية تمنح اليوم المطران غريغوار حداد شهادة الدكتوراه الفخرية

المحامي باسل عبدالله والمطران غريغوار حداد
المحامي باسل عبدالله والمطران غريغوار حداد


غريغوار حدّاد: غيري يستحقّ الـتكريم



تمنح الجامعة اللبنانية، اليوم، المطران غريغوار حداد شهادة الدكتوراه الفخرية، ومعه المهندس المعماري رهيف فياض والشاعر صلاح ستيتية. كثر فرحوا بتكريم مطرانهم، إلا هو لأسباب مختلفة يتربّع التواضع على رأسها

وحدها، تلك الابتسامة تبقى كما هي. لطيفة. بريئة. لم تغيّرها كثرة السنين التي أتعبت الجسد المتضائل يوماً تلو الآخر. ما عداها، لم يبق الكثير: الصحة لم تعد «تمام»، ورجفة اليدين المجعدتين صارت تجبر المطران غريغوار حداد على إبقائهما معلّقتين بطرف «الشرشف» الأبيض الذي يستر نحول الجسد. حتى الصوت الناعم ذبل تماماً، وصارت الكلمات تباغتنا متقطعة بين الحازوقة والأخرى. تلك التي لم تعد تفارقه أبداً.

تعب المطران كفاية. هناك، في بيت السيدة للراحة الذي يلازمه منذ سنوات، يتمدد حداد على فراشه مديراً وجهه للنور المتسرّب من النافذة المشرعة على العالم. صارت تلك النافذة كل شيء في حياة «المتقاعد» من الصخب. يوقظه نورها صباحاً، ويغفو مساءً على عتمها.

هذا الرابط الذي لا يلتفت إليه كثيرون، يعوّل عليه المطران بعدما انحصرت علاقته مع الخارج بأزهار حديقته التي يراها صباحاً وهو متوجه على كرسيّه إلى مركز العلاج الفيزيائي. لا شيء أكثر من ذلك، فمنذ ستة أشهر لم يخرج «مشواراً أطول من مشوار المركز» الذي يبعد عشرات الأمتار عن غرفته. مع ذلك، لم يشعر يوماً بأنه وحيد، فغرفته لا تفرغ من الزائرين والمحبّين «وما أكثرهم... ما بيخلصوا»، يقول ممازحاً.

اليوم، قد يخرج المطران من الغرفة إلى مجمع الحدث الجامعي، حيث تكرّمه الجامعة اللبنانية لمناسبة السنة الثانية والستين لتأسيسها، وتمنحه خلالها شهادة دكتوراه فخرية. قد تكون هذه المرة الأولى بعد ستة أشهر من الانقطاع، وقد لا تكون، إذا ما اشتدّ المرض عليه. وفي الحالة الأخيرة، يبقى المطران في «بيته»، فإما يتسلم شهادته فيه، وإما يكرّم غيابياً هناك في الحفل الذي يكرّم فيه أيضاً المعمار رهيف فياض والشاعر صلاح ستيتية.

في كلتا الحالتين، لا يعوّل الناسك على المكان، بالقدر نفسه الذي لا يعوّل فيه على التكريم. لا يجد «الهادئ» حرجاً في وصف التكريم بالـ«بلا طعمة». لم يقلها من فراغ، فثمة سببان دفعاه إلى ذلك، أوّلهما تواضعه، وثانيهما «انبهار» الآخرين بغريغوار، من دون تاريخه. في التواضع، يعرف المطران أن هناك الكثيرين «ممن يستحقون تكريماً أكثر من غريغوار حداد، وما أكثرهم وأجملهم». وفي الجانب الآخر، ليس بإمكان أحد أن يكرّم غريغوار إلا «إذا عرفوا تاريخي الحقيقي وليس الأشياء الظاهرة». يستطرد «وصعبة كتير يعرفوا حقيقتي، فأنا وحدي أعرفها، ولهذا أقول بأنني لا أستحقّ التكريم، لأنني أعرف النقص فيّ». ولهذا السبب، لا يخفي عتبه على الجامعة اللبنانية التي كان «عليها أن تجري دراسة علمية معمّقة لتعرف من يستحق التكريم ومن لا يستحق».

ثمة عتب من نوع آخر. لا على الجامعة اللبنانية وحدها، وإنما على كثر يكرّمون. فهم بـ«لفتتهم البسيطة قد يلغون ما قام به المكرّم من إنجازات وعندها بيكونوا مقصّرين». فهؤلاء «لا يمكنهم معرفة القيمة الحقيقية للإنسان، يكتفون بالظاهر».

يصرّ حداد إذاً على أنه لا يستحق التكريم. لماذا؟ لأنه «النقص»، يشدّد. ثمة إيمان لدى المطران أنه لم يتقن إنجاح المشاريع التي انطلق بها «ومنها مشاريع الحركة الاجتماعية». في هذا المكان بالذات، يستفيض. ربما، لأنه صرف عمره «في مكان على حساب آخر». يقول بحسرة «مثلاً صرفت جزءاً كبيراً من حياتي في النضال من أجل مواضيع، منها العلمانية ونسيت أموراً أخرى». ولو عاد الزمن إلى تلك الحياة البعيدة، لاختار المطران فعل «الدوزنة». ففي المسيرة العلمانية التي صرف فيها الكثير من جهده، يوقن المطران أنه «بعد تلك السنوات الطويلة بعدنا بـ(العل) ولا تزال تنقصنا (المانية)». يعني «شم ولا تدوق». مع ذلك، يفرح بالعل، التي استطاع من خلالها أن «ننشر الوعي بين الناس ليعرفوا أن العلمانية ليست إلحاداً». ومن ينسى أنه اتهمّ هو نفسه بالإلحاد عندما شطب مذهبه من سجل نفوسه قبل أربع سنوات. يومها، اتهمه المقيدون في طوائفهم بارتكابه خطيئة. أما هو، فيعرف أنه لم يفعل سوى أنه حرّر «ما بقي من السنين من الدمغة الطائفية» التي رافقته، خلافاً لإرادته، عقوداً طويلة.

ربح المطران معركته الأولى، ولكن الطريق إلى النهاية طويلة جداً. موافقاً على القول إن الوصول «ليس مستحيلاً». وتبدأ الطريق بـ«التنسيق وإعادة تركيب البازل في البلد في رقعة واحدة»، كما كان سابقاً. أو بالأحرى، كما عاشه في «سوق الغرب، عندما كنا نعيش شيعة وكاثوليك وسنة وروم، ولا نعرف كيف نسأل عن مذاهبنا».

هذا ما يطمح إليه المطران. ولهذا، استفاض بالحديث «حتى تحفظوه». ما عدا ذلك، لا يكثر من الكلام. لا يريد أن يقول أكثر من ذلك. لا يريد أن يعترف أكثر مما قاله «لميشال توما في كتابه عني». يكتفي بالابتسام وتلك الدعابات التي جعلته قريباً من ناسه. «لا أملك أكثر من ذلك»، يقول. في تلك اللحظة التي كان يتحدث فيها عن جانبه المرح، صودف دخول الممرض ليعطيه الدواء، يعلّق «شوفي مثلاً، قلت له كذا مرة ما بدي طق حنك، بيرجع بيجي بيطق حنك معي كل يوم»، ثم يستدير نحوه قائلاً «فينا بلا طق حنك من اليوم ورايح».

تعب المطران، ولا تزال ذاكرته ونظره «بعمر العشرين». أما الأولى، فقد أقفل صاحب المشاكل مع الطائفة بابها منذ زمن. فيما يستغلّ الثاني حتى الرمق الأخير «لأنني أعشق القراءة». يستطرد مبتسماً «عم بقرا إسلاميات». ومن دون سؤال، يقول «على الدين الإسلامي أن يصبح أكثر مرونة، وليعلموا أن الله محبة قبل كل شيء». يعرف مطران الفقراء أن قوله قد يجلب له أعداء مسلمين على شاكلة كارلوس عبود، المسيحي المتطرف الذي رماه أرضاً لمواقفه، ولكنه يوقن في قراره نفسه بأنه يؤسس لشيء ما، قد لا يكون في «حياة غريغوار».

تعليقات: