«المعلم وهيب» من النضال الطبقي إلى تصليح المدافئ

المعلم وهيب
المعلم وهيب


اصلح الوجاقات والمدافئ لأعيش بكرامة دون حاجة لأحد (الأخبار)اصلح الوجاقات والمدافئ لأعيش بكرامة دون حاجة لأحد (الأخبار)حشد من الناس أمام محل مختلف عن أقرانه، يقتحم الشارع العام (بيصور) بقطع الحديد والمدافئ القديمة، لا لافتة أو عنوان يعرّف عنه، فقط شهرة صاحبه «المعلم وهيب» التي طبقت آفاق المنطقة جاذبة الزبائن إليه، زبائن لا يأتون فقط من أجل تصليح وجاقاتهم بل للنقاش الفكري وقول الشعر

يقف «المعلم وهيب» داخل محله الصغير في بلدة بيصور قضاء عاليه، وسط غابة سوداء من المدافئ المستعملة وقطع الحديد وأدوات «التلحيم» و«التقطيع» و«التطعيج»، وغيرها من الأدوات التي ما زالت تبحث عن ترجمتها باللغة الفصحى. يوزع تعليماته على نجله ومساعده، يوجههما إلى كيفية تصليح مدفأة تركها عنده أصحابها قائلين إنهم «مستعجلون». لا شك بأن المستعجلين كثر في هذا الشتاء القارس. ها هم في دكانه يتوزعون المقاعد. بين من ينتظر الانتهاء من «تصليح مدفأته» وآخر يساوم على «تسعيرة» وغيره يستطلع أسعار المدافئ الجديدة، مقارناً بينها وبين كلفة تصليح مدفأته القديمة. يقعد بعض الأصدقاء منتظرين انتهاء «المعلم وهيب» من عمله كي يستكملوا معه جلسة فكرية بدأت قبل نحو ساعتين ولا يكف الزبائن عن قطعها، لا علاقة لها بالمدافئ إلا من حيت توفير الأخيرة جواً مناسباً للكلام. فمواهب المعلم وهيب تبدأ بالمدافئ ولا تنتهي بنظم الشعر.

يسارع «المعلم وهيب» لدعوتك إلى الجلوس «هنا خلف المكتب». والمكتب المقصود عبارة عن مدفأة قديمة وضع خلفها كرسي مخلع، فيما استراحت آلة حاسبة على سطحها، وقلم ودفتر صغير لتسجيل المواعيد والحسابات. أصبح المعلم وهيب «المرجعية التقنية شبه الوحيدة في قضاء عاليه لشؤون الوجاقات والمدافئ خلال فصل الشتاء»، كما يقول أحد أصدقائه الجالسين عنده مداعباً.

أصبح المعلم وهيب «المرجعية التقنية» شبه الوحيده في قضاء عاليه

لا يهدأ «أبو سليم» عن ملاطفة الزبائن وإلقاء النكات يمنةً ويسرة. فجأة يتحول إلى الجدية في مخاطبة زبون يلح لإنجاز تصليح مدفأته «هذه المدفأة تحتاج إلى شاروق هواء كي تعمل على نحو صحيح، وذلك يكلفك 25 ألف ليرة لبنانية». يعرف المعلم وهيب زبائنه جيداً، لذلك هو يصلح لهم أعطال مدافئهم إصلاح العارف بيوتهم «كي تعمل مدفأتك عليك شراء قسطل ذي قطر أكبر مع طربوش على رأسه في الخارج، ليحميه من الهوا الشمالي، وخاصةً أنك تسكن في طابق سفلي ومواجه للرياح باستمرار». لكنّ أبا سليم، ذا الماضي الحافل، لا يرغب كثيراً بالتحدث عن ماضيه، يختصر الجواب للسائل «إيام ومضت». لكنه، بعد إلحاح يقرر أن لا بأس من الكلام: «تفتح وعينا على الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى القضايا الاجتماعية، وكانت فرصتي أن انتميت في عام 1968 ‘لى «المنظمة الشعبية لتحرير فلسطين» (كانت تتبنى أفكار ماو تسي تونغ)، وكانت للمناسبة أفكارنا تتهم الحزب الشيوعي اللبناني بالتحريف، هو المؤيد يومها للاتحاد السوفياتي ويستمد قوته منه». ويسارع إلى إبريق القهوة ويسكب منه للحاضرين مالئاً فنجانه، ثم يسحب سيكارة «سيدارز طويل» صناعة وطنية، يشعلها وينفث دخانها ليستطيع أن يستكمل رواية ذكرياته، فأبو سليم مشهور إلى مدافئه بأنه «مشحرة» يشعل سيجارة من أختها. «شاركت في معارك أيلول الأسود في الأردن، في عام 1970 وقد أمضينا أياماً صعبة جداً منها مثلاً أسبوع كامل بلا أكل أو شرب أو تدخين. بعدها شاركت في العمل الفدائي بعدد من العمليات». ثم يتنهد بألم ويكمل: «ناضلت من عام 1968 إلى عام 1985، 17 سنة في المنظمة والنضال والقتال و«لاقيتهم بايعينّا» ولا أعرف لمن وبأي ثمن؟ يا أخي الناس دايماً وقود الثورة والنتائج لمصلحة الكبار». ثم فجأة يقول «ما تذكّروني بالماضي، خلونا نحكي عن المستقبل». فكيف يرى أبو سليم المستقبل؟ يقول: «أنا اليوم أعتبر أنني أختتم نضال حياتي الطويل في المكان الصحيح والحقيقي: إلى جانب الفقراء، وكل مين على قده، حاولت دائماً مساعدة الناس، وقناعاتي منذ البداية كانت كذلك. فهل هناك أجمل من لحظة ركض الناس إليك لتطلب مساعدتك حين يقبل الشتاء القارس؟». تلمع عيناه للفكرة، ثم يقول وهو يشعل سيجارة جديدة: «أعيش وسط الكراكيب والقطع والحراتيق، بدون عطل أسبوعية أو سنوية. أصلح الوجاقات والمدافئ في سبيل أن أعيش بكرامة دون حاجة إلى أحد، وأقدم خدمة جليلة للمعترين والفقراء». لكن، ما الذي أتى به إلى هذه المهنة؟ يروي: «ورثتها عن أهلي، تركتها لفترة ولكنني عدت لها بكل فخر». وهل هي مهنة «تجيب» همها؟

يرد: «انظر، تحويل مدفأة من المازوت للحطب يكلف 100 ألف ليرة، وأكبر وجاق مازوت يكلف تصليحه 60 ألف ليرة لبنانية». كذلك تنظيف مدفأة وحفّها ودهانها يكلف بين 25 إلى 30 ألف ليرة، وفي بعض الأحيان أصنع أفراناً تستخدم في صناعة المناقيش وخبز الصاج في الوقت ذاته، ويمكنني استبدال المدافئ القديمة بأخرى جديدة».

يا اخي الناس دايماً وقود الثورة والنتائج لصالح الكبار

أما فخره الكبير؟ فهو «اختراع جديد: موتور يعمل على قوة الفعل وردة الفعل لتوليد الكهرباء». كيف ذلك؟ يرفض الإجابة «حتى لا تسرق مني الفكرة قبل أن أسجلها رسمياً في الدوائر الرسمية». لكنه يقبل بشرحها «فلسفياً» على الشكل التالي: «الحركة المبذولة من الإنسان هي الفعل وتستلزم حتماً ردة فعل، وردة الفعل تكمن في غريزتها القوة الطبيعية وهكذا دواليك». ينوي المعلم وهيب بيع اختراعه للدولة «معنوياً»، أي إنه لا يريد نقوداً بل احتفالاً عاماً أمام حضور رسمي وشعبي، «وخاصة من وزارة الطاقة وأجهزتها المختصة ووزارة الداخلية». أما لماذا وزارة الداخلية؟ فالعلم عند الله. ومن ضمن الشروط التي يضعها لقبوله بيع اختراعه، أنه على الدولة «إنارة لبنان لمدة 100 سنة مجاناً على أن تتقاضى فقط بدلاً بسيطاً ورمزياً رحمةً بالناس، وذلك يمكن له أن يغطي جزءاً من عجز الدولة». ويؤكد أن «المشروع سينجح بنسبة 95%». لا تنتهي «أفكار» أبو سليم عند هذا الحد. فهو لديه العديد منها. مثلاً يريد أن يؤسس مصنعاً للشمع، ويؤكد أنه «لو كان القرار بيدي اليوم، لفرضت على مدخني قريتي التوقف عن التدخين ليوم واحد، والتبرع بثمن علبة الدخان لمصلحة بناء مصنع في المنطقة يشغل الناس أو معمل يعود ريعه لأعمال الخير». ويختم بالقول: «الناس لا يصدقون كم هو المال القليل مهم وكثير حين يستخدم في موقعه».

أما فكرته عن الشأن العام وكيفية تعاطي المواطنين له، فيختصرها كالآتي: «القضية العامة (المصلحة العامة) هي مثل صديقة، عليك أن تدعوها مرة على الأقل في الأسبوع أو فليكن كل شهر مرة، وعليك أن تقدم لها الضيافة غداءً أو حتى فنجان قهوة، وانطلاقاً من ذلك فأنا مثلاً مستعد لأن أدفع 10% من إنتاجي كي نبني للمنطقة مستشفى مجانياً، لكن كم شخصاً يفكر بهذه الطريقة؟».

أول نضال سلمي

حين كان وهيب بعمر 8 سنوات خاض «أول نضال سلمي» بإضرابه عن الطعام لثلاثة أيام حين اتهمته الجارة بسرقة ثمرات الجوز من شجرة الدار، فنال عقاباً قاسياً من والده. ولم يفك الصغير إضرابه إلا بعدما بانت الحقيقة، وأن أولاداً آخرين هم من سرق شجرة الجوز. لكنه انتقم بتكسير أغصان الشجرة نفسها على مرأى من والده وصاحبتها.

تعليقات: