عين الحلوة.. قصة المرأة التي أعادت بناء مخيمها

رسم ناجي العلي
رسم ناجي العلي


عين الحلوة:

... وفي اليوم السادس للاجتياح الإسرائيلي، سقطت عاصمة الجنوب صيدا تحت الاحتلال، في حين بقي مخيم عين الحلوة يقاتل بضراوة. ثلة من المقاتلين الفلسطينيين بينهم عدد من الاطفال رفضوا الاستسلام وأصروا على المعركة، بعدما خرج سكان المخيم وأطفاله ونساؤه وشيوخه منه الى صيدا وضواحيها للاحتماء من نيران العدو.

ورغم سكون جبهة صيدا خلال الايام الاولى للاحتلال، بقيت جبهة مخيم عين الحلوة مشتعلة، وراح من بقي في المخيم يقاتلون، وأجبروا العدو على خوض معركة كانت المعادلة الوحيدة فيها بالنسبة إلى الفلسطينيين إما الموت.. وإما الموت. ولا خيار ثالث من نوع الاستسلام أو التسليم بالامر الواقع الجديد.. أسطورة جسدها في حينه نحو 14 مقاتلاً فلسطينياً قرروا الصمود في المخيم وتمكنوا لمدة 17 يوما من منع العدو من الدخول الى مخيمهم مع انه تحول الى كتل من دمار وكأن زلزالا دمره عن بكرة أبيه. لم يبق منه جدار واحد واقف إلا وسوي بالأرض، حتى أضحى جبلاً من الركام على امتداد كيلومتر مربع هي مساحة المخيم الجغرافية. ويومها، أعلن أن أطفال الـ«آر بي جي» في مخيم عين الحلوة، وهم فتية لم تتجاوز أعمارهم سن الـ14، منعوا العدو من السيطرة على اكبر مخيمات اللاجئين في لبنان وتصدوا لدباباته بالـ«آر بي جي».

واليوم، بعد مرور نحو 27 عاما على الاجتياح، ما زالت تلك التجربة حية في عقول من عاشها من أبناء المخيم. وتبقى بعض الاسماء مثل الشيخ هشام شريدي الذي قاد المقاومة في تلك الفترة، مضيئة في سماء المخيم، إضافة الى مجموعة من المقاتلين مثل فتحي زيدان ومعين رفاعي واحمد المقدح وعبد الرحمن حمد، وآخرين غيرهم كثر حيث يتحدث أبناء المخيم عن تلك التجربة بعنفوان وإباء.

الدور الرئيسي للمرأة

أهم ظاهرة واجهها سكان المخيم بعد دخول العدو الى عين الحلوة هو قيامه باعتقال كل الرجال على حد سواء واقتيادهم الى معتقل أنصار. فبقي عين الحلوة مخيما من رماد ومن دون رجال، ومع ذلك، رفض النساء التخلي عن مخيمهن. ويؤكد ابن المخيم عدنان الرفاعي أن أحداً لم يتمكن من منع قوات الاحتلال من تدمير المخيم عن بكرة أبيه، ولم تحول اية جهة محلية ام عربية ام دولية وحتى الامم المتحدة دون ذلك.

«الأونروا»، ومعها الأمم المتحدة، تمكنت فقط من تأمين عدد من الخيم للاجئين لنصبها في المخيم من جديد، بدلا من بيوتهم المدمرة. ووزعت بمعدل خيمة لكل عائلة لاعادة جمع شملها. وهذا الامر بالنسبة للرفاعي أعاد الفلسطيني بالذاكرة الى أيام النزوح الاولى اثر نكبة فلسطين العام 1948، «عندما تم نصب الخيم لأهلنا في المكان ذاته من عين الحلوة. وبعد عدة اشهر، سمحت قوات الاحتلال بإعادة إدخال بعض مواد البناء الى المخيم كالحجارة، دون سواها من المواد، وتحديدا الحديد الذي أصدر الحاكم العسكري قراراً بمنع إدخاله الى المخيم». ومع ذلك، أعيد بناء المخيم بمعدل غرفة أو غرفتين لكل عائلة، وبقيت أسقف البيوت مغطاة بألواح «الزينكو».

ويؤكد الرفاعي أن الدور الرئيسي في اعادة بناء مخيم عين الحلوة يعود لنساء المخيم اللواتي أثبتن انهن عند المحن والشدائد يتسمن بأعلى درجات الصلابة، وانه بالرغم من وجودهن في وسط مخيم من رماد، أصررن على البقاء في المخيم والاقامة فيه، ولو تحت سقف خيمة. لا مياه، والوسائل المدنية والانسانية معدومة، والمراقبة الصحية غائبة كليا، وحتى المراحيض غير متوفرة، والعائلات مشردة، ولا مدارس فالدراسة في المخيم توقفت لأكثر من سنة ونصف.. وتحت هذه الظروف الامنية والنفسية والانسانية الصعبة، كانت المرأة الفلسطينية تعيش في عين االحلوة، وترفض الخروج منه، ولولاهن لما كان هناك شيء اسمه اليوم عين الحلوة اليوم.

الأرض بتتكلم عربي

في صمود المخيم الاسطوري قبل أسر شبابه ورجاله، كان هناك دور رئيسي للمرأة الفلسطينية. يتذكر الرفاعي ام خالد نوفل، عندما حاول عناصر من قوات الاحتلال اعتقال زوجها ومعه ابنها، كيف انتفضت بوجه الجنود، وأمسكت برقبة جندي وصاحت بوجهه: «الارض بتتكلم عربي»! واستمرت تصرخ حتى اجتمع الجيران وراحوا يهتفون بوجه قوات الاحتلال الذين هالهم المشهد وآثروا الانسحاب من دون اعتقال المربي نوفل ونجله في المرة الاولى. إلا أنهم تمكنوا من اعتقاله بعد ذلك بعيدا عن بيته وزوجته. وكذلك فعلت كل من «ام فاروق» و»ام مروان» ورغدة شناعة اللواتي قدمن صورا حية عن المرأة الفلسطينية في مواجهة جلاديها.

أطفال غسان كنفاني

لم يتعايش سكان المخيم يوما مع الاحتلال، وحتى أطفال «مؤسسة غسان كنفاني» كانت لهم تجربتهم الخاصة مع الجيش الاسرئيلي، وفق ما يروي سمير جمعة الذي يلفت الى ان جيش الاحتلال أقدم بعيد دخوله المخيم على احتلال مبنى الروضة التابع للمؤسسة الكائن في مرتفع من المخيم يطلق عليه اسم جبل الحليب، وطرد الاطفال منه. إلا ان أطفال المؤسسة ردوا على طريقتهم وراحوا يتجمعون يوميا على شكل اعتصامات عفوية بوجه القوات الغازية رافعين قضبانا خشبية وعصياً صغيرة. راحوا يصرخون، حتى أن البعض منهم راح يبكي، ما أدى الى خروج المحتل من المبنى الذي استعاده ضجيج الاطفال المفتعل، وأعيد فتح قسم الروضة في المؤسسة.

وحتى الدراسة، عندما عادت إلى المخيم اثر الاجتياح، بدأت اولا في الخيم المنصوبة لايواء العائلات وليس في مدارس او تجمعات مدرسية كونها دمرت بالكامل. لكن، يشير جمعة الى ان أي طفل فلسطيني لم يتلق أي درس في اية خيمة، والدراسة لم تستأنف، إلا بعد مرور سنة ونصف على اجتياح المخيم. فقد تحول حينها أساتذة «الاونروا» من مهنة التدريس الى أعضاء في لجان تعد الاحصاءات والاستمارات المتعلقة بالاعاشة والاغاثة بدلاً من التربية.

تعليقات: