د. هاني سليمان: مولود جديد لعبد الحسين شعبان

مولود جديد لعبد الحسين شعبان:  كتاب «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية»
مولود جديد لعبد الحسين شعبان: كتاب «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية»


منذ أيام عدة، كنّا ضيوفاً في السفارة العراقية في بيروت، في حفل توقيع كتاب «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية» للمفكر العربي الدكتور عبد الحسين شعبان.

استعرضت الحضور، فإذا به خليط من المشارب الثقافية العربية، من المغرب في أقصى الغرب، حتى البحرين في المشرق.

ولأن العراق هو العراق، النموذج العربي المتفرّد في كل شيء تقريباً، ولا سيما لجهة محبّيه وأبنائه الكثر، فإن عبد الحسين شعبان هو الصورة المصغّرة للعراق: متفرّد في كل شيء تقريباً، ويشبه بلده في هذا العدد الكبير من الأبناء الذين فاق عددهم الثمانين.

كيف؟

على هسهسات الضوء، كان عبد الحسين شعبان يطارح الكلمة، فينجب كتاباً مولوداً. ابن الثمانين ينجب بلا دنس! ما هذا الخصب والوفرة في زمن يكثر فيه الخصيان في أمتي؟

لقد قسّم عبد الحسين شعبان يومه نصفين: الليل «للإنجاب»، والنهار للرد على مكالمات التهنئة بالمولود الجديد.

الليل، حيث هسهسات الضوء تدغدغ الأحلام المكبوتة، فتفجّرها أبناءً للنور؛ والنهار، حيث الصورة أوضح، يعاين عبد الحسين مولوده الجديد، بنتاً أو ولداً، لا فرق.

ولأنه متفرّد، ومن رواد حقوق المرأة والإنسان في الوطن العربي، كان يقول: «البنت تأتي بالصهر، فتكبر العشيرة». ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تناكحوا، تزاوجوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة»؟

وبفكره المبدع، الذي لا تحدّه حدود، ولا تعيقه سدود، ولا تمنعه قيود، راح يحلّق في الآفاق الثقافية والسياسية والاجتماعية والحقوقية، حيث يرى الإنسان من فوق ما لا يراه من تحت، رغم أن هذا «التحت» هو الواقع بعينه.

ومن «ثنائية الفوق والتحت» وضحت أمامه الصورة جليّة، منظورة ومقروءة، كأنها لوحة للطبيعة تقترب منها طلباً للوضوح، وتبتعد عنها إعمالاً للخيال المجنّح.

وباعتقادي، فإن «الفوق والتحت» و«القرب والبعد» ثنائيتان جدليتان كفيلتان بفهم المجتمع من منظور علمي، يبدأ من ابن خلدون ومن سبقه، وصولاً إلى كارل ماركس ومن جاء بعده.

في «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية»، يأخذ عبد الحسين شعبان بيدنا ليدلّنا:

هنا جلس الجواهري، وهنا بكى بدر شاكر السياب، وهنا ناحت نازك الملائكة، وهنا التاع أحمد الصافي النجفي، وهنا صارت يداي وقضبان السجن كعاشقين يطمحان إلى الفراق، في زمن أصبح فيه عسف السلطة قاعدة، وأصبحت الحرية استثناءً وزورق نجاة إلى المنفى.

وهنا صرخ مظفر النواب من بين أشجار النخيل: أنا هنا يا وطني. وهذه صورة لوميض نظمي الحالم الذي قتلته النزاهة، وهذه صورة أخرى لبلند الحيدري كتب تحتها: «أنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه».

ويا عراق، يا جرحي ويا بلسمي، متى أزورك، فيأخذني المتنبي إلى شارعه، ويدخل بي إلى حانة أبي نواس؟

يا عراق، يا عراقي، يا نسغ الحضارة في شجرة التاريخ، يا جرحي اليوم الذي أحدثه المحتل، فتورّم الجرح بفعل الميكروب المذهبي، ولا من يداوي، ولا من يشفي، ولا من طبيب يعقّم الجرح فيمنع الالتهاب والبتر.

يا عراق، ما زلت على عهدي بك، أنتظر الترياق.

المحامي الدكتور هاني سليمان

المحامي الدكتور هاني سليمان
المحامي الدكتور هاني سليمان


تعليقات: