
للفنان د. يوسف غزاوي
كنّا نسمّيهنّ البدويّات، آتيات من عرب الجسر، حاملات على رؤوسهنّ ما استطعنَ من الحليب الطازج في جرار، لبيعه في الخيام، التي كانت تُشكّل سوقًا وموقعًا مهمًّا للتجّار على أنواعهم، وأصحاب ومربّي المواشي، وما ينتج عنها ومنها.
كانت حاملات الحليب تأتين إلى الخيام سيرًا على الأقدام عن طريق وطى الخيام، مرورًا بطرقات الحارة الشرقيّة صباحًا باكرًا قبل أن يشقّ الضوء عتمة الليل، حيث الهدوء والسكون يعمّان المنطقة، لا يعكّر صفوها إلّا الأصوات المرتفعة لهؤلاء النسوة، اللواتي كنّ يتحدّثن فيما بينهنّ على امتداد الطريق، وبلكنتهنّ (البدويّة) حتى تخال أنهنّ ملاصقات لكَ بالرّغم من بعد المسافة الكبيرة التي تمتدّ إلى كيلومترات!
كانت والدتي تشتري من هؤلاء النسوة الحليب، كغيرها من أمّهات الخيام، ثمّ تقوم بتمريره (الحليب) عبر رداء أبيض لتنقيته من الشوائب قبل تسخينه وغليه ثمّ سكبه في أوعية تُقدّم لنا لشربه. كان هذا الحساء الحليبيّ وجبة يوميّة للترويقة قبل الذهاب إلى المدرسة حيث الزاد اليوميّ عبارة عن "كدّوشة" زعتر، أو سُكّر مذاب بالماء! وفي بعض الأحيان القليل من اللبنة وبعض المكدوس، وذلك بسبب فقر العائلات حينها. لم نكن نعرف أنواع الجبنة، كما هو اليوم، والمرتديلّا، والشوكولا، ووووو..
كنّا نحمد الله ونشكره؛ لم نشكُ يومًا، لأن لا خيار أمامنا سوى الإذعان والقبول بالأمر الواقع..
أمّا أيّام الدراسة وأجواؤها، فلها حديث آخر..
د. يوسف غزاوي
الخيام | khiyam.com
تعليقات: