
الدكتور خليل كاعين: تحويل الألم التاريخي إلى دعوة دائمة للدفاع عن الكرامة الإنسانية ورفض الظلم أينما كان وأيا كانت هوية ضحاياه
في تاريخ الشعوب أحداث كثيرة من الحروب والمجازر والصراعات، لكن القليل منها ينجح في تجاوز زمنه ليصبح جزءا من الوعي الجمعي للأجيال اللاحقة. فبعض المآسي لا تبقى مجرد وقائع تاريخية تسجل في الكتب، بل تتحول إلى ذاكرة حية تؤثر في الهوية والثقافة والسياسة وحتى في نظرة الجماعات إلى نفسها وإلى العالم من حولها.
ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك واقعة كربلاء لدى الشيعة والهولوكوست لدى اليهود. ورغم الاختلاف الجوهري بين الحدثين من حيث الزمان والمكان والظروف التاريخية وطبيعة الصراع، فإنهما يشتركان في ظاهرة إنسانية واحدة تتمثل في قدرة المأساة على البقاء حاضرة في الوجدان الجماعي لعقود وقرون طويلة بعد وقوعها.
لم تكن كربلاء مجرد معركة انتهت بمقتل الإمام الحسين وعدد من أهل بيته وأنصاره سنة 680 للميلاد، بل تحولت إلى رمز ديني وأخلاقي للوقوف في وجه الظلم والاستبداد. وعلى مدى أكثر من أربعة عشر قرنا بقيت هذه الواقعة حاضرة في الوعي الشيعي من خلال المجالس والشعائر والخطاب الديني والثقافي، حتى أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الجماعية لملايين المؤمنين بها.
وبالمثل، لم يبق الهولوكوست مجرد فصل من فصول الحرب العالمية الثانية، بل أصبح عنصرا مركزيا في الوعي اليهودي المعاصر. فالمجازر التي ارتكبها النظام النازي بحق اليهود تركت أثرا عميقا تجاوز حدود الحدث نفسه، وأصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية التي تنقل من جيل إلى آخر عبر التعليم والثقافة والمتاحف والكتابات والشهادات الحية.
لكن السؤال الأهم ربما لا يتعلق بكربلاء أو الهولوكوست وحدهما، بل بطبيعة الذاكرة الجماعية نفسها. فالتاريخ عرف مآسي وحروبا ومجازر لا تقل فداحة، وربما تفوقهما في عدد الضحايا أحيانا، ومع ذلك لم تحظ بالحضور نفسه في وعي الأجيال اللاحقة. فما الذي يجعل بعض المآسي تبقى حية فيما تتراجع أخرى إلى هوامش التاريخ؟
يبدو أن حجم المأساة وحده لا يكفي لتفسير بقائها. فالذاكرة الجماعية لا تبنى على الأرقام فقط، بل على المعاني التي تمنحها الجماعات لأحداثها الكبرى. فعندما يتحول الحدث إلى رمز للظلم أو للمقاومة أو للخلاص أو للهوية، يصبح أكثر من مجرد واقعة تاريخية؛ يصبح جزءا من تعريف الجماعة لنفسها. ومن هنا تستمد كربلاء والهولوكوست قدرتهما على الاستمرار في الوعي الجمعي جيلا بعد جيل.
في الحالتين، لم يكن العامل الحاسم هو عدد الضحايا فقط، بل المعنى الذي أُعطي للمأساة. فالحدث التاريخي يصبح أكثر رسوخا عندما يتحول إلى رمز يحمل دلالات تتجاوز زمانه ومكانه. وعندما ترى جماعة ما في تلك المأساة تجسيدا لمعاناتها أو لقيمها أو لمخاوفها أو لطموحاتها، فإن الحدث يكتسب حياة جديدة تستمر بعد انتهاء الوقائع نفسها بوقت طويل.
إن الذاكرة الجماعية ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي أيضا أداة لفهم الحاضر وبناء المستقبل. ولذلك فإن استحضار كربلاء أو الهولوكوست لا يقتصر على تذكر الضحايا، بل يمتد إلى تشكيل المواقف والرؤى والخيارات السياسية والاجتماعية والثقافية لدى الجماعات التي تتبنى تلك الذاكرة.
غير أن قوة الذاكرة تحمل معها مسؤولية أخلاقية كبيرة. فالمآسي التاريخية يمكن أن تكون مصدرا للتعلم واستخلاص العبر وتعزيز قيم العدالة ورفض الظلم، لكنها قد تتحول أيضا إلى وسيلة لإدامة الانقسامات أو تبرير مظالم جديدة إذا جرى توظيفها خارج سياقها الإنساني والأخلاقي.
ولعل الدرس الأهم هو أن بقاء المأساة في الذاكرة لا يرتبط فقط بما جرى في الماضي، بل أيضا بمن يروي القصة في الحاضر. فالتاريخ لا يتذكر كل شيء بالدرجة نفسها، والذاكرة الجماعية ليست سجلا للأحداث بقدر ما هي سجل للمعاني التي تمنحها الجماعات لأحداثها المؤسسة.
لذلك فإن القيمة الحقيقية في استذكار كربلاء أو الهولوكوست لا تكمن في البكاء على الماضي فحسب، بل في القدرة على تحويل الألم التاريخي إلى دعوة دائمة للدفاع عن الكرامة الإنسانية ورفض الظلم أينما كان وأيا كانت هوية ضحاياه. فالمأساة التي لا تموت ليست تلك التي تبقى في الذاكرة فقط، بل تلك التي تستمر في طرح الأسئلة الأخلاقية على الأجيال المتعاقبة، وتدفعها إلى البحث عن عالم أكثر عدالة وإنسانية.
الدكتور خليل كاعين
21حزيران 2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: