
في الحروب، لا تتوقف الأسئلة عند الحدود والجبهات. بعضها يدخل إلى البيوت والمدارس وقلوب الأهالي. ومن بين هذه الأسئلة يبرز اليوم سؤال الامتحانات الرسمية، بما يحمله من قلق على المستقبل وخوف على الأبناء. وبين الأصوات المطالبة بإجرائها وتلك الداعية إلى إلغائها، وجدت نفسي أبحث عن سؤال آخر: هل يمكن أن تكون هناك مساحة أوسع من هذا الاختيار الحاد بين الإلغاء والإصرار؟
يدور النقاش حول الامتحانات الرسمية بين مؤيد لإجرائها ومعارض لها. وفي كل مرة كنت أتابع هذا النقاش، كنت أشعر أن شيئًا ما يغيب عن الصورة. ففي المدارس، وفي أحاديث الأهالي، وفي الرسائل التي يتبادلها الطلاب، لم يكن السؤال مجرد تأييد للامتحانات أو اعتراض عليها. كان هناك قلق حقيقي يختلط فيه الخوف على المستقبل بالخوف على الأبناء. بعض الأهالي كانوا يتساءلون: ماذا سيحل بمصير أولادنا إذا أُلغيت الامتحانات؟ وآخرون كانوا يسألون: كيف يمكن أن نطلب من الطلاب خوض امتحان مصيري فيما لا تزال الحرب تلقي بظلالها على حياتهم اليومية؟
وبين هذين الخوفين، بدا وكأن النقاش انحصر في خيارين متقابلين: إجراء الامتحانات أو إلغاؤها.
لكن هل نحن فعلًا أمام هذين الخيارين فقط؟
الحقيقة أن الامتحانات الرسمية ليست مجرد إجراء إداري يمكن الاستغناء عنه بسهولة. فهي شهادة وطنية تفتح أبواب الجامعة والعمل، وتشكل بالنسبة إلى آلاف الطلاب، وخصوصًا أبناء الفئات الأقل حظًا، فرصة لإثبات قدراتهم وبناء مستقبلهم اعتمادًا على ما حققوه من جهد واستحقاق.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الحرب لم تمر على جميع الطلاب بالطريقة نفسها. فهناك من تابع دراسته في ظروف مستقرة نسبيًا، وهناك من عاش تجربة النزوح أو فقدان الاستقرار أو الانقطاع الجزئي عن التعليم. وهناك من كان يحاول التركيز على دروسه فيما كانت عائلته منشغلة بالسؤال عن مصير منزل أو قرية أو مصدر رزق.
لهذا السبب، لا يبدو النقاش الحقيقي قائمًا بين مؤيد للامتحانات ومعارض لها، بقدر ما يتمحور حول سؤال آخر أكثر أهمية: كيف يمكن الحفاظ على قيمة الشهادة الرسمية من جهة، ومراعاة الظروف الاستثنائية التي عاشها الطلاب من جهة أخرى؟
ولا يمكن إنكار أن وزارة التربية حاولت مقاربة هذه الإشكالية من خلال مجموعة من الإجراءات المرنة، كاعتماد أكثر من دورة امتحانية، وتسهيل اختيار المراكز، وإطلاق برامج دعم أكاديمي للطلاب. وهي خطوات تستحق التقدير لأنها تعكس حرصًا على الحفاظ على الامتحانات الرسمية وعدم التفريط بقيمتها.
وتكشف التجربة الحالية أيضًا أهمية التواصل التربوي في إدارة الأزمات. فالناس لا يحاكمون القرارات من خلال مضمونها فقط، بل من خلال الطريقة التي تُشرح بها وتُقدَّم لهم. وعندما يعيش الطلاب والأهالي ظروفًا استثنائية من القلق وعدم اليقين، فإنهم يحتاجون إلى الشعور بأن مخاوفهم مفهومة ومشروعة، لا إلى الانطباع بأنهم موضع لوم أو أن معاناتهم يجري التقليل من شأنها. فنجاح أي سياسة تربوية لا يرتبط فقط بصواب القرار، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على بناء الثقة وشرح مبرراته بلغة تحترم مشاعر الناس وتجاربهم. وفي أوقات الأزمات تحديدًا، يصبح الحوار والتطمين والإنصات جزءًا من الحل، لا مجرد وسائل للتواصل.
لكن التجربة الحالية تطرح سؤالًا إضافيًا: هل يكفي اتخاذ مجموعة من الإجراءات المتفرقة، أم أننا بحاجة إلى رؤية أكثر شمولًا لما يمكن تسميته "العدالة التعليمية في زمن الحرب"؟
فالعدالة هنا لا تعني منح امتيازات لفئة من الطلاب على حساب فئة أخرى، ولا تعني خفض المعايير أو المساس بقيمة الشهادة الرسمية. بل تعني الاعتراف بأن الظروف التي مر بها الطلاب لم تكن متشابهة، وأن واجب الدولة لا يقتصر على تنظيم الامتحان، بل يشمل أيضًا توفير الشروط التي تسمح لجميع الطلاب بخوضه بصورة أكثر إنصافًا.
من هذا المنطلق، يبدو أن الطريق الثالث بين الإلغاء والإصرار يستحق التفكير الجدي. طريق يحافظ على الامتحانات الرسمية، ويُوسِّع في الوقت نفسه مساحة المرونة والتكيف مع الواقع.
فالدورات الامتحانية المتكافئة تتيح للطالب الذي تعذر عليه التقدم في موعد معين فرصة أخرى من دون أن يشعر أنه خسر مستقبله. وتقريب المراكز الامتحانية من أماكن إقامة الطلاب يخفف من أعباء التنقل ومن المخاوف المرتبطة بالوضع الأمني. كما أن تسهيل نقل المرشحين بين المراكز وفق أماكن إقامتهم الفعلية ينسجم مع واقع النزوح الذي فرضته الحرب على كثير من العائلات.
وفي هذا السياق، يمكن توسيع مفهوم الشراكة الوطنية في إنجاح الامتحانات. فعدد من المدارس الرسمية لا يزال يستخدم لأغراض مرتبطة بالنزوح أو يواجه صعوبات لوجستية مختلفة. لذلك يمكن الاستفادة من مباني المدارس الخاصة التي تسمح ظروفها بذلك، ومن القاعات التابعة للبلديات واتحادات البلديات والمؤسسات العامة القابلة للتجهيز وفق المعايير المطلوبة.
فكما فتحت القرى والبلدات والمؤسسات أبوابها لاستقبال النازحين في زمن الحرب، يمكنها اليوم أن تتشارك في حماية حق أبنائهم في التعليم والتقييم العادل.
ولا يقل أهمية عن ذلك الاستثمار في الدعم التعليمي نفسه. فالكثير من الطلاب لا يحتاجون إلى إعفاءات أو استثناءات بقدر ما يحتاجون إلى فرص حقيقية لتعويض ما فاتهم من تعلم. وهنا يمكن للوزارة، بالتعاون مع الجامعة اللبنانية والثانويات الرسمية والخاصة والمتطوعين من أصحاب الاختصاص، أن توسع برامج المراجعة والدعم الأكاديمي بما يخفف من آثار الفاقد التعليمي الذي خلفته الحرب.
كما أن وجود غرفة طوارئ تربوية تتابع التطورات الميدانية بصورة يومية وتملك صلاحية اتخاذ قرارات سريعة عند الضرورة قد يشكل عنصر اطمئنان إضافيًا للأهالي والطلاب على حد سواء.
وقد تبدو بعض هذه الاقتراحات طموحة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، إلا أن كلفتها تبقى محدودة مقارنة بكلفة ضياع عام دراسي كامل أو شعور فئات واسعة من الطلاب بأن ظروفهم لم تؤخذ في الاعتبار.
غير أن القيمة الحقيقية للنقاش الحالي لا تكمن فقط في معالجة أزمة هذا العام، بل في الاستفادة منها لبناء سياسة وطنية أكثر وضوحًا للمستقبل. ففي كل أزمة كبرى يعود اللبنانيون إلى الأسئلة نفسها: هل تؤجل الامتحانات؟ هل تُلغى؟ كيف تُدار العملية التعليمية؟ وما هي حقوق الطلاب المتضررين؟
ولعل الوقت قد حان للتفكير في إعداد ميثاق وطني للعدالة التعليمية في الأزمات، يحدد بصورة مسبقة حقوق الطلاب وواجبات المؤسسات التربوية وآليات التعامل مع الحروب والكوارث والأزمات الكبرى، بحيث لا يبدأ النقاش من الصفر مع كل أزمة جديدة.
لقد اعتاد اللبنانيون التكيف مع الظروف الصعبة، لكن التكيف لا يعني تجاهل المخاطر، كما أن الحذر لا يعني الاستسلام لها. وبين هذين الحدين توجد مساحة واسعة للابتكار والمسؤولية المشتركة.
في النهاية، قد لا يكون هناك حل مثالي في زمن الحرب. لكن الأوطان لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأزمات، بل بقدرتها على حماية أبنائها خلالها. وربما يكون الامتحان الحقيقي اليوم ليس امتحان الطلاب فقط، بل امتحان قدرتنا كمجتمع ودولة على حماية حقهم في التعليم، وصون قيمة الشهادة الرسمية، والحفاظ على سلامتهم في الوقت نفسه. فإذا نجحنا في تحقيق هذا التوازن، نكون قد منحنا هذا الجيل أكثر من شهادة رسمية؛ نكون قد منحناه رسالة مفادها أن الوطن، حتى في أصعب الظروف، لا يتخلى عن أبنائه.
بقلم: مي حسين عبدالله
#الطريق_الثالث
#العدالة_التعليمية
#الامتحانات_الرسمية
#التعليم_في_زمن_الحرب
#لبنان
#مي_حسين_عبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: