
عندما غادرناها للمرة الأولى عام 1978 هرباً من بطش جيش الاحتلال الصهيوني وميليشياته، غادر معنا معظم الأهالي. تبقى في الخيام خمسون رجلاً وامرأة جرى إعدامهم في مجزرة جماعية، مع السماح لشخص أو لشخصين بالرحيل كي ينقلا خبراً مفبركاً يقول زوراً إن المجزرة ارتكبتها الميليشيات لا جنود العدو.
غادرنا بلدتنا بأي وسيلة نقل توفرت، ومعظم الناس غادروا مشياً باتجاه وطى الخيام، فالنهر، فالعرقوب، وصولاً إلى بيروت أو البقاع. وما حملوه معهم لم يتعدَّ بضعة ثياب وأغطية وأوراق ملكية، أما عيونهم فقد خبأوا فيها ما استطاعوا من تقاسيم شرفاتهم وغرفهم وحدائقهم وشوارعهم ومدارسهم وحكاياهم.
سنوات أربع طويلة مرت على الغياب والشوق، تدبر الناس فيها معيشتهم سكناً وعملاً وهجرة ومرارة بانتظار العودة. إنه النزوح الأول.
عام 1982 وصل العدو إلى بيروت، وهنا أصبح الجميع تحت نير الاحتلال، فبدأ الانتقال جنوباً نحو قبلة الشوق: الخيام.
الرؤية الأولى: خيام جرداء بلا شجر، الزيتون مقتلع من جذوره ولا أثر له، هياكل منازل كأن الحرب العالمية مكثت طويلاً في بلدتنا، أشباه طرقات، بيوت مهدمة، أعمدة مجوفة، منها الواقف ومنها المنحني، لا أبواب ولا شبابيك ولا مغاسل ولا أسلاك كهربائية في الحيطان. الرشاشات الثقيلة درزت حيطان البيوت، والقنابل تركت ثغرات مختلفة الأشكال في الجدران المتداعية. أسطح تم السطو على حديدها، تماماً كما تم السطو على كل حديد المداخل والنوافذ...
جاء الناس ليسكنوا، فسدوا النوافذ بالنايلون أو بالشراشف وكذلك الأبواب. خزانات مياه جُلبت بسرعة فكانت بركاً أمنت الشرب والنظافة، وأضواء كاز وموائد للطبخ، وابتدأت الحياة، وبدأ الناس ورشة إعادة ترميم بما تيسر وكيفما تيسر.
انسحب العدو من بيروت حتى الشريط الحدودي تحت ضغط عمليات المقاومة الوطنية اللبنانية، وبقيت بلدتنا تحت الاحتلال. معاناة شديدة، اعتقالات، فرض تجنيد، شبه نزوح، مضايقات. أترك لغيري التوسع في الحديث عن أيام الاحتلال المرة البشعة.
عام 2000 انسحب العدو مكرهاً من جنوبنا بفعل مقاومة وطنية وإسلامية باسلة. وكان عرس الخيام. خياميون يتسابقون لتحرير المعتقلين، وتكسير أقفال السجون، والفرح الهستيري، والازدحام الجنوني للعائدين. العيون تبكي فرحاً والزغردات سبقت الناس إلى قراهم. بسرعة فائقة ابتدأت ورش العيش والعمل والإعمار. أصبحت العائلة عائلات، وابتدأ الإعمار، فالطابق الواحد أصبح اثنين أو ثلاثة، والبيوت تمددت فأكلت كل التلال وامتدت نحو السهل...
فرحت الخيام بأهلها العائدين، وشيئاً فشيئاً استعادت حيويتها وتميزها وجمالها، وتألقت عمراناً وفرحاً وأعراساً وعلماً ورفاهية.
عام 2006 تجدد العدوان الصهيوني، وفرغت الخيام من جديد من سكانها لأنها تعرف يقيناً أن العدو غادر وخبيث، إنما بقي فيها مقاومون أبطال تصدوا لآليات العدو وأحرقوها في مرجنا. هذه المرة لم تتأخر العودة إلى الخيام بعدما توقف إطلاق النار.
المنظر كان قاسياً، عشرات البيوت مهدمة وغيرها قيد الهدم، ومعظمها، إن لم نقل جميعها، يحتاج إلى ترميم مكلف من أعمدة وحيطان وشبابيك وأبواب وتجهيزات.
استعجل الجميع عملية البناء، وبدأت الخيام من جديد تستعيد بيوتها وحدائقها وورودها ومرجها وناسها. سنوات من الهدوء مرت، تبارى الناس خلالها في توسيع منازلهم وتجميلها. الورود والياسمين زنرا البيوت، والأشجار اصطفت في الشوارع والمداخل.
الخيام استعادت زهوها، استعادت أفراحها وأعمالها وعجقة شوارعها وازدحام ناسها وحبها وصيفها ومرجها ومقاهيها وأعراسها وتلاميذها ومغتربيها.
عام 2024 من جديد جاءت الحرب، وبدأ العدو يمارس هوايته، ليس قصفاً كما في السابق بل تهديماً وقتلاً. انتهت الحرب ولم تنتهِ، انسحب العدو جزئياً ولم ينسحب من سمائنا. عدنا، فوجدنا دماراً لأكثر من نصف بلدتنا، وشوارع مقفلة بالحطام، والغبار يحتل الفضاء. لا ماء ولا كهرباء، وما تبقى من بيوت كان دمارها هائلاً، لا أبواب من جديد ولا نوافذ، جدران صامدة وأخرى متهاوية، وحيث مر العدو قذارة ليس بعدها قذارة، وكل مفروشات المنازل مهشمة وتالفة. هكذا وجدنا كل بيوت الخيام.
جمع العائدون ما تبقى من حياة بلدتهم، كتباً أو صوراً أو بقايا تجهيزات منزلية خرجت مجروحة لا سالمة. أعادوا بناء الجدران، ورمموا قساطل الماء، واستبدلوا خزانات مياههم الخربة بأخرى جديدة. تعاونت البلدية مع هيئات داعمة ومع خيرين كثر، ونجحت بعد جهود جبارة في إعادة الكهرباء والماء، وبالتالي تأمين بنية ضرورية لمن يود السكن في بلدة تحاول الخروج من نكبتها.
تعايش السكان مع أشباه منازل، وبدأوا تأسيس أعمال تقيهم العوز، محلات صغيرة وملاحم وأفران. تسربت الحياة إلى الخيام من جديد، ومن جديد ابتدأ النزوح السريع، وابتدأ العدو في قصف الخيام كما كل الجنوب. الحرب من جديد.
بعد إخفاقات شتى تقدم العدو إلى بلدتنا ولديه شهوة التخريب والقتل والدمار. تابعنا الإذاعات، تابعنا الصور الجوية، الكل يفتش في الصور عن منزله وحارته وبلدته، وكانت النتائج تتدرج من دمار إلى دمار أوسع. المنازل التي نجت من الاعتداءات السابقة لم تنجُ هذه المرة، أما المنازل التي نجت من الدمار فتقدمت منها جرافات ضخمة أزالتها عن خارطة الخيام.
تم جرف البيوت والحارات بكل ما فيها، جرفوا حجارتها وشوارعها وأشجارها وحدائقها. الصور والكتب التي نجت في المرة السابقة داست عليها دبابات المحتل، والجرافات تحاول أن تجرف تاريخنا ومستقبلنا وحكايانا وأسماء شوارعنا، تحاول أن تجرف أماكن الحب والذكريات.
واحدة من هذه الجرافات تقدمت منها مسيّرة غاضبة صغيرة وألقت عليها قنبلتها. ماتت الجرافة وصاحبها. تسلل فرح إلى عيوني وقلبي، تسلل فرح إلى كل عيون الناس، وتسرب الفرح إلى كل حاراتنا. الجرافة ماتت، والجندي الذي كلف بحمايتها مات أيضاً.
ثمة إحساس غريب جميل تملكنا. العدو لن يتأخر في الخروج، لن يتأخر في الهروب، سنعود.
اسمعي يا كل حجارة حارتي،
اسمعي يا كل منازل بلدتي،
اسمعي يا كل طرقات الجنوب،
سنعود!

عناوين جريدة السفير 25 أيار 2000

أحدى عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضدّ الإحتلال وعملائه

الكاتب عزت رشيدي
الخيام | khiyam.com
تعليقات: