أسعد رشيدي: «علي الشطوط».. حكاية رجل خيامي جمع المال وأورث الحكايات

علي الشطوط
علي الشطوط


شخصيات لا تغيب عن ذاكرة الخيام

في الخيام مرّ أشخاص كثيرون، ترك بعضهم بصمات لا تُنسى في ذاكرة البلدة وأهلها. فمنهم العظماء، ومنهم أهل الخير، ومنهم المبدعون، ومنهم أيضاً البخلاء الذين تحوّلوا مع الزمن إلى مادة للنوادر والقصص.

وكان علي الشطوط واحداً من أكثر هؤلاء إثارة للجدل والحكايات.

قد لا يعرفه بعض شباب الخيام اليوم، لكن كبار السن ما زالوا يذكرونه جيداً، فقد شكّل حالة فريدة في أسلوب حياته، وأثار الكثير من الدهشة والتساؤلات لدى كل من عرفه أو عايشه.

شخصية غامضة بين الحاجة والربح

كان علي الشطوط شخصية غامضة، يصعب الاتفاق على توصيف واحد لها. فهناك من كان يراه ملاذاً للمحتاجين، يساعد من ضاقت بهم الأحوال، وإن كان لا يفعل ذلك من دون فائدة أو ربح بسيط. وهناك من كان يصفه بأنه كان يمارس الربا.

لكن الجميع كانوا يتفقون على أمر واحد: أن الحديث عنه لا يخلو من المتعة والفكاهة والتشويق.

وقد سمعت مرة من يقول إنه لو عاش في زمن الجاحظ، لكان الجاحظ قد أفرد له فصولاً كاملة في كتبه، لما في سيرته من غرائب وطرائف تستحق الرواية.

رجل حرم نفسه وراكم الثروة

حرم علي الشطوط نفسه من معظم متع الحياة. فلم يُعرف عنه اهتمام بالمأكل أو المشرب أو الملبس أو الترف، ولم يؤسس عائلة، بل عاش حياة شديدة التقشف، في مقابل سعي دؤوب إلى جمع المال وامتلاك الأراضي.

وقد ترك وراءه ثروة كبيرة من الأملاك والعقارات، تُقدّر قيمتها اليوم بملايين الدولارات.

لكن الثروة التي تركها لم تكن مادية فقط، بل ترك أيضاً ثروة من الحكايات والنوادر، التي ما زالت تتناقلها الألسن حتى اليوم.

ميراث كبير ومطالبون كثر

بعد وفاته، ظهر عدد كبير من المطالبين بإرثه. وقد سمعت من أكثر من جهة أن آل القلوط، وهم أقارب والدته الحاجة حمدي، كانوا الأقرب إليه والأكثر استحقاقاً للإرث.

إلا أن المطالبات تعددت وتفرعت، حتى ظهر أشخاص من مناطق بعيدة، تمتد من مشغرة إلى دير الزهراني، وربما أبعد من ذلك، يدّعون صلة القرابة به وحقهم في الميراث.

وتفاقمت الخلافات حتى وصلت إلى أروقة القضاء، في قضية معقدة طال أمدها، حتى بدا وكأن الفصل فيها يحتاج إلى سنوات طويلة.

بيت صغير وحاكورة متواضعة

كان علي الشطوط، واسمه الحقيقي علي حسن قاسم، يسكن في حيّنا، على بعد لا يتجاوز مئة متر من منزلنا. عاش في بيت صغير تحيط به حاكورة متواضعة، برفقة والدته الحاجة حمدي.

وبعد وفاة والدته قبله، أخذ بعض المدعين بالإرث يروّجون أن أقاربها من آل القلوط فقدوا حقهم في المطالبة بالميراث، وأنهم أصبحوا خارج دائرة الورثة المحتملين.

غياب التكريم رغم الحضور

المفارقة أن أحداً من أولئك الذين يجاهرون بحقهم في الإرث لم يبادر إلى رد الجميل للرجل، ولو بتخليد اسمه أو تكريمه أو إطلاق اسمه على أحد شوارع البلدة، رغم أن الخيام استفادت، وما زالت تستفيد حتى اليوم، من بعض ما تركه خلفه.

فالبلدية وضعت يدها على قطعة أرض كبيرة تزيد مساحتها على عشرة دونمات، تُعرف باسم "قلعة علي الشطوط"، وأقامت عليها لاحقاً القصر البلدي وبعض المرافق العامة، على أساس أن يُحسم موضوع الملكية بعد صدور الأحكام القضائية المتعلقة بالإرث.

كما أن بعض المطالبين بالميراث يستثمرون أجزاء من أراضيه الزراعية، من دون وجود حسم قانوني نهائي لهذه الحقوق.

ثري يعمل في التنجيد

كان علي الشطوط من أكثر أبناء الخيام ثراءً، رغم أنه كان يعمل في مهنة التنجيد. وقد تردد بين الناس أن سر ثروته يكمن في أمور لم تُعرف تفاصيلها على وجه اليقين.

أما شخصيته، فكانت مميزة بحق. كان سريع الحركة، لبق الحديث، كثير الاستشهاد بالحِكم والأمثال والأقوال المأثورة، ويتقن تجاهل ما لا يعجبه من الكلام.

معنى لقب «الشطوط»

يُقال إن لقب "الشطوط" مشتق من الفعل "شطّ"، الذي يدل على الحركة السريعة والتنقل الدائم، وهي صفة كانت تنطبق عليه تماماً.

فالرجل لم يكن ساكناً في حضوره ولا في حركته، بل كان دائم التنقل، سريع الخطى، كأن اللقب صار جزءاً من شخصيته وطريقته في الحياة.

عصاه التي كانت تقوده إلى مرجعيون

من النوادر التي كانت تُروى عنه أنه إذا أراد الذهاب إلى جديدة مرجعيون، لم يكن يستقل سيارة أجرة، بل كان يرمي عصاه بعيداً أمامه، ثم يركض ليلتقطها، ويعيد رميها من جديد.

وكان يستمر بهذه الطريقة حتى يصل إلى وجهته، وكأنه يتحدى مشقة الطريق بحركته الدائمة، ويختصر المسافة بطريقته الخاصة والغريبة.

بطاطا بلا هدر

أما آخر الطرائف التي سمعتها عنه، فقد رواها لي السيد إبراهيم قشمر، إذ قال:

"كان علي الشطوط يقشّر البطاطا بطريقته الخاصة؛ فبدلاً من استخدام السكين، كان يحكّها بالحائط ليزيل قشرتها بأقل قدر ممكن من الهدر!"

وهذه الطرفة، على بساطتها، تختصر الكثير من شخصية الرجل، وتكشف جانباً من شدة حرصه وتقشفه، حتى في أصغر تفاصيل الحياة اليومية.

رجل بقي في الذاكرة الشعبية

سواء اتفق الناس أو اختلفوا في تقييم شخصية علي الشطوط، فإنهم يتفقون على أنه كان واحداً من الشخصيات الاستثنائية التي مرّت في تاريخ الخيام.

فاسمه بقي حاضراً في الذاكرة الشعبية، لا بما جمعه من مال فقط، بل بما تركه من قصص وحكايات ونوادر أصبحت جزءاً من تراث البلدة الشفهي.

المهندس أسعد رشيدي

تعليقات: