فايز أبو عباس: من ذاكرة الخيام.. «التَّيّانة»، جني الثمار وتجفيفها وأنواع المحصول

الأستاذ فايز أبو عباس: يتحول موسم التين إلى مناسبة اجتماعية وفولكلورية يلتقي فيها الأقارب والأصدقاء، وتتجدد فيها روح الألفة والمحبة بين أبناء البلدة
الأستاذ فايز أبو عباس: يتحول موسم التين إلى مناسبة اجتماعية وفولكلورية يلتقي فيها الأقارب والأصدقاء، وتتجدد فيها روح الألفة والمحبة بين أبناء البلدة


من المعروف أن ثمار التين لا تنضج في وقت واحد، بل يمتد نضجها على مراحل متتابعة طوال عدة أشهر. ولهذا كان موسم «التَّيّانة» يتطلب إقامة شبه دائمة بالقرب من الأشجار، لمتابعة الثمار وجنيها تباعاً فور اكتمال نضجها.

وبعد القطاف، كانت الثمار تُحضَّر للتجفيف فوق أعشاب «الفاقوع»، لما تؤمّنه من تهوية جيدة، ولما تساعد عليه من حفظ خصائص التين وجودته، بل وزيادة قيمته الغذائية بعد التجفيف.

وعندما يكتمل جفاف الثمار، تُجمع وتُحفظ إلى حين موعد كبسها في قوالب أو قفف مصنوعة من سعف النخيل، بطريقة تحافظ على شكلها وطعمها وقيمتها الغذائية.


كيف كانت تُجمع الثمار؟

كانت النسوة والفتيات يجتمعن في الصباح، تحمل كل واحدة منهن سلة، ثم يتوزعن على الأشجار. وقد يعملن جماعة على شجرة واحدة، أو تتولى كل فتاة شجرة بعينها، فتنتقي منها الثمار التي بلغت درجة النضج المناسبة.

وبعد انتهاء القطاف، تجتمع النسوة في «المسطاح»، ويفرغن السلال فوق الفاقوع، لتبدأ مرحلة فرز الثمار وتشريحها وتحضيرها للتجفيف.


الشريحة… أجود أنواع التين المجفف

كانت الثمار الناضجة جيداً تُختار للتشريح، فتُشق وتُنشر فوق الفاقوع حتى تجف. وكان المنتج الناتج يُسمى «الشريحة».

ويُعد هذا النوع أجود أصناف التين المجفف، ولذلك كان القسم الأكبر منه يُحضّر للبيع. وبعد اكتمال تجفيفه، يُرص داخل قفف مصنوعة من سعف النخيل، ثم يُسلّم إلى التجار.

وكانت الأسرة تحتفظ بجزء قليل منه لإعداد «التين المعقود» مع السكر والجوز، ويضيف بعضهم إليه الصنوبر. وكان هذا الصنف يُعد من أفضل وجبات الفطور للأطفال، ومن أطيب أصناف الحلوى للكبار.


«البقع»… ثمار تحفظ شكلها

أما النوع الثاني، فهو الثمار الناضجة التي لا تزال قادرة على تحمّل بعض الوقت قبل أن تبلغ مرحلة النضج الكامل.

وكانت هذه الثمار لا تُشرح، بل تُترك كما هي، مع الضغط على أعلاها وأسفلها لتأخذ شكلاً دائرياً مسطحاً نسبياً، مع احتفاظها بجزء كبير من شكلها ومحتواها. ويُطلق على هذا النوع اسم «البقع».

وكان «البقع» يُقدّم للضيافة مع الجوز، كما كان يُستخدم أحياناً في إعداد بعض أنواع الحلوى. وكان بعض الأهالي ينظمون حباته على شكل قلائد، ثم يعلّقونها في أماكن بعيدة عن الغبار، لتُستهلك خلال فصل الشتاء.


«النقّارة»… زاد البيت والمدرسة

أما القسم الثالث، فهو الثمار التي لا تصلح للتشريح ولا لإعداد «البقع»، فتبقى على حالها ويُطلق عليها اسم «النقّارة».

وكان هذا النوع يُحفظ للاستهلاك المنزلي، كما كانت الأمهات يزوّدن به الأولاد في البيت أو أثناء ذهابهم إلى المدرسة، لما يمنحه من طاقة وقيمة غذائية.

وهكذا كانت ثمار التين المجفف تُصنّف إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

الشريحة، والبقع، والنقّارة، ولكل صنف طريقته في التحضير والحفظ والاستعمال.


موسم للعمل والفرح معاً

لم تكن «التَّيّانة» موسماً زراعياً فحسب، بل كانت من أجمل صور الحياة الاجتماعية التعاونية في الخيام.

فقد جمعت أبناء البلدة في أجواء من الطيبة والفرح والتعاون، بعيداً عن مظاهر الغش والخداع التي باتت تطغى على كثير من جوانب الحياة الحديثة.

وكانت أيام الصيف في خيام التين عامرة بالأغاني والأفراح. فالغناء يرافق جني المحصول وتعبئة السلال، ويتواصل أثناء الجلوس في المسطاح لتحضير الثمار وتجفيفها.

كما كانت تُقام حلقات الدبكة والغناء وحفلات الزجل، فيتحول موسم التين إلى مناسبة اجتماعية وفولكلورية يلتقي فيها الأقارب والأصدقاء، وتتجدد فيها روح الألفة والمحبة بين أبناء البلدة.


في الحلقة القادمة

تبقى لنا إضاءة أخيرة على ما كان يرافق موسم «التَّيّانة» من أفراح ولقاءات وحلقات دبكة وغناء وزجل، وعلى دوره في التعارف بين الشباب والصبايا، وفي ترسيخ روح التعاون والتكافل بين أهالي الخيام.


فايز أبو عبّاس

الحلقة السابقة: من ذاكرة الخيام.. «التَّيّانة»، صيفٌ بين أشجار التين وخيمةٌ للحياة

تعليقات: