
الأستاذ فايز أبو عباس: الإيمان الحقيقي يحتاج إلى الفهم والرحمة والقدوة الحسنة
الطفل وعالمه الأول
كنت طفلاً يافعاً لا يأبه بما يجري حوله من تحولات سياسية وأمنية واجتماعية. كان همّي اللعب والمشاكسة مع الأتراب، ولم أكن أفقه معنى الدين والإيمان والطقوس التي تترسخ في النفوس بالممارسة والتكرار، قبل أن يخضعها العقل للفهم والمراجعة.
فالطفل ينطلق على سجيته، تحكمه غريزة الحياة، ويتأثر بالمكان والزمان والبيئة التي يعيش فيها. وهو يكتسب معاني الحياة شيئاً فشيئاً، من خلال التجربة والاحتكاك، من دون أن يقدّر دائماً نتائج أفعاله أو أخطارها.
فالطفل، مثلاً، قد يقترب من النار من غير أن يدرك خطرها، أو يقف على حافة مكان مرتفع من دون أن يعي عاقبة السقوط. ومن هنا، قد يتعرض لأحداث لا يفهم معناها في لحظتها، لكنها تبقى صوراً محفورة في ذاكرته، ولا سيما إذا كانت مفاجئة أو خارجة عن المألوف.
ومع اقترابي اليوم من مغيب العمر، ما زالت حادثتان من طفولتي حاضرتين في ذاكرتي: إحداهما وقعت في الكنيسة، والثانية في المسجد، خلال تعلم الصلاة على أيدي علماء الدين.
من حيفا إلى الخيام
في عام 1947، كانت عائلتنا تقيم في «بلد الشيخ»، إحدى ضواحي حيفا في فلسطين، حيث كان والدي يعمل في شركة «شل».
ومع بداية تصاعد المواجهات بين الفلسطينيين أصحاب الأرض والعصابات الصهيونية الوافدة، في ظل الرعاية البريطانية وتسليحها، شعر والدي بالخطر الذي يهدد العائلة، ولا سيما الأطفال. فقرر إرسالنا إلى الخيام، لنقيم في كنف الأهل والأجداد، إذ لا مكان أكثر أمناً للطفل من أحضان عائلته.
كنت أكبر أبناء الأسرة، وقد تركت مدرستي في بلد الشيخ، وهي مدرسة الشيخ عبد الله، حيث كنت أدرس اللغة الإنكليزية. ولم تكن في الخيام آنذاك مدرسة تدرّس الإنكليزية، باستثناء مدرسة كنيسة القديس جاورجيوس التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس.
كان الراهب إسبيريدون العدس يعلّم فيها الصفوف الابتدائية، ولا سيما اللغة الإنكليزية. وأذكر من زملاء تلك المرحلة الدكتور كرم شكر الله كرم، الذي عمل لاحقاً في مستشفى الجامعة الأميركية. أما بقية مدارس الخيام، فكانت تعتمد اللغة الفرنسية.
الصفعة في الكنيسة
كان التلامذة يقفون كل صباح قبل بدء الدروس لتلاوة صلاة:
«أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك...»
وفي أحد الأيام، وقفت مع زملائي من الصبيان والبنات نردد الصلاة. وكنت أهتز إلى الأمام والخلف من دون وعي، فلم أكن أدرك معنى الصلاة ولا طقوس الوقوف خلالها.
وفجأة شعرت بكف قوية تهوي على رقبتي، أعقبها صوت حاد يصيح:
«استقم!»
انتفضت من شدة الصفعة، وبقيت فترة مرتجفاً، جاحظ العينين، خائفاً ومرتبكاً، لا أدري ماذا أفعل.
ما زالت صورة تلك الحادثة وآثارها وشماً في ذاكرتي. وتعود إليّ كلما مررت أمام الكنيسة، أو سمعت حديثاً عن الصلاة والإيمان.
لكن تلك الصورة لم تبق وحيدة، إذ لحقتها بعد مدة حادثة مشابهة، وقعت هذه المرة في المسجد.
العودة النهائية إلى الخيام
انتهى عام 1947 في فلسطين على وقع المعارك والمجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، ومنها «الهاغاناه» و«شتيرن»، في ظل الدعم البريطاني بالسلاح والتوجيه والإدارة.
وبدأ الناس يتركون أراضيهم وبيوتهم وأرزاقهم وجنى أعمارهم، آملين أن تكون هجرتهم مؤقتة وأن تتحقق العودة قريباً.
عادت عائلتي، والدي ووالدتي وأشقائي الصغار، إلى الخيام، تاركة وراءها ما جمعته من تعب العمر. وكان عليها أن تبدأ حياة جديدة، فعاد والدي إلى مهنته القديمة في البناء، وعدنا نحن إلى المدرسة.
ولأن المدارس في الخيام لم تكن تدرّس اللغة الإنكليزية، التحقنا بالمدرسة الرسمية، حيث كانت اللغة الفرنسية معتمدة، وكان التعليم الديني جزءاً من المناهج الدراسية.
عصا الرمان في المسجد
كان تعليم الصلاة يتم في المسجد، ويتضمن الوضوء، وكيفية الوقوف ووضع اليدين والركوع والسجود، وما يُتلى في كل حركة من آيات وأدعية، وصولاً إلى التسليم يميناً ويساراً.
وكان الشيخ خليل نصر الله يتولى تعليم هذه المادة، فيصطحب التلامذة إلى المسجد لتدريبهم على الصلاة وفروضها.
وفي إحدى الحصص، وأثناء الركوع، وضعت قدمي اليسرى فوق اليمنى من دون أن أنتبه. وبينما كان الشيخ يتفقد التلامذة للتأكد من صحة الحركات، لاحظ ما فعلت، فهوى بعصا من الرمان على قدميّ قائلاً:
«ألم أقل إن اليمنى فوق اليسرى، لا العكس؟»
قفزت مرتجفاً من الألم. وكانت تلك الضربة المشهد الثاني الذي انطبع في ذاكرتي بعد صفعة الكنيسة.
ومنذ ذلك اليوم، كلما هممت بالصلاة، أو مررت قرب دار عبادة، تذكرت الراهب والشيخ، وصفعة الرقبة، وعصا الرمان التي ألهبت قدميّ.
ما يبقى على شاشة العمر
تبقى حكايات الطفولة راسخة في العقل والوجدان، وتتجدد كلما مررنا بمشهد يشبهها أو يعيدنا إليها.
وهذان المشهدان لا يزالان يُعرضان على شاشة العمر: مشهد في الكنيسة، وآخر في المسجد. وقد تركا في نفسي تساؤلاً دائماً حول الأساليب القاسية التي كانت تُستخدم أحياناً باسم التربية الدينية، وكأن الإيمان لا يثبت إلا بالخوف والعقاب.
لكن الإيمان الحقيقي، في نظري، لا يحتاج إلى صفعة أو عصا، بل إلى الفهم والرحمة والقدوة الحسنة.
فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com
تعليقات: