
الأستاذ عزت رشيدي: آلاف الأشجار الجميلة التي كانت تزين شوارع الخيام وحدائقها، تلك الأشجار التي أزعجت العدو بجمالها، فداسها جميعًا بدباباته وجرافاته
عرفت الخيام، عبر تاريخها الطويل، بثلاث شجرات أصبحت جزءًا من ذاكرتها وتراثها.
شجرة الميسة، التي كانت وحيدة، تجلس منحنية تحت وطأة السنين، في المكان المقابل لما نسمّيه اليوم "السنتر"، وبالأحرى عند مدخل أحياء آل عجوز، وغزاوي، وعطية، وقانصو.
أما شجرة الوطى، فكانت أوسع ظلًا من الميسة، لكنها كانت وحيدة مثلها. وكان سرّها أنها تتوسط الوطى، فتشاهد من حولها امتدادًا واسعًا من الأراضي التي كانت تُستخدم للرعي وزراعة القمح وما شابه. كانت تلك الشجرة ملاذًا للعصافير، تتقاسمها، وفق مواعيدها، مع صيادين لا يحبون العصافير، ومع رعاة الماشية الذين كانوا يجدون في ظلها مكانًا لفتح زواداتهم المتواضعة، كما كانت محطة استراحة للمزارعين الذين يسرقون تحتها قسطًا من الراحة ولقمة غداء سريعة، إذ كانت لهم أولوياتهم وهمومهم، ورفقة الأرض الدائمة.
وتبقى الشجرة الثالثة، كناية الدردارة، أو كناية أبو علي نعيم، التي فاقت بارتفاعها شجرتي الميسة والوطى مجتمعتين. كانت عملاقة، حتى إن الطفل لم يكن يستطيع أن يبلغ ببصره قمتها. وقد تركت جذورها الممتدة في الأرض أخاديد واضحة على المصطبة تحتها، وكانت ترتوي من مياه الدردارة. حملت الكناية على جذعها من الكتابات الغزلية ما لم تحمله شجرة أخرى؛ قلوبًا، وأسماءً، وألغازًا، عاشت طويلًا بعمر الكناية نفسها، التي ما زالت حتى اليوم تحاول أن تنهض من موتها، وتستعيد ماضيها، ولكن دون جدوى.
قد يكون العمران قد قضى على الميسة، وأعتقد أن للعدو يدًا في إبادة شجرة الوطى، أما الكناية فقد اجتمع عليها العمر، والقصف، والإهمال. رحم الله أبا علي نعيم، ودكانه التي طالما تربعت تحت ظل الكناية.
ثلاث شجرات أثقلت صفحات ديوانية الخيام بالحنين والترحم عليها.
أما أنا، فلن أشاركهم هذا الحزن. سأذهب إلى مئات جذوع أشجار الزيتون المعمرة التي اقتلعها العدو ورحّلها إلى أرضٍ سرقها من الفلسطينيين. وسأذهب إلى آلاف الأشجار الجميلة التي كانت تزين شوارع الخيام وحدائقها، تلك الأشجار التي أزعجت العدو بجمالها، فداسها جميعًا بدباباته وجرافاته.
هذه الأشجار لم تحمل قلوبًا ولا أسماءً، بل حملت جمالًا، وبهاءً، وحياةً. والعدو لا يحب البهاء، ولا الجمال، ولا الحياة، فاقتلعها من أرضها، كما اقتلع البيوت، والشوارع، والحارات، والناس.
هذا ما يمنحنا العزم على استعادة بلدتنا. قبل نزوحنا، كانت الوطى تفيض بالبساتين والأشجار، وكانت شوارع الخيام تصطف على جانبيها مختلف أنواع الأشجار. وفي مكان الميسة ستكون هناك ميسات، وحول الدردارة ستعود المنتزهات. سنعيدها جميعًا، بكثير من الأمل، والحب، والشجاعة، أجمل وأروع مما كانت، كما تستحق الخيام.
عزت رشيدي
موضوع ذات صلة - فايز أبو عباس: هدى صادق.. توقظ الحنين والوفاء
موضوع ذات صلة - الشاعرة هدى صادق: شجرة الميسة.. هي ذاكرة الخيام
من الذاكرة الخيامية: الأستاذ المربّي نايف مرعي يتحدث عن شجرة الميسة:
الخيام | khiyam.com
تعليقات: