فايز أبو عباس: نبع سريد.. هدير الماء الذي كانت تسمعه الخيام

لنبع سريد العديد من الأحاديث والأقاويل، التي تدل على قوّته وغزارة مياهه
لنبع سريد العديد من الأحاديث والأقاويل، التي تدل على قوّته وغزارة مياهه


على السفوح الغربية لجبل حرمون (الشيخ)، تتفجر عدة ينابيع، إلا أن أشهرها وأكثرها أهمية وإثارةً كان نبع سريد، الذي انتظر الناس تفجره عامًا بعد عام، لما يحمله من رهبة وعظمة، بل وخطورة أيضًا لمن لا يأخذ حذره.

فهذا النبع ليس دائم الجريان على وتيرة واحدة طوال أيام السنة، بل كان أحيانًا يجف تمامًا خلال فصل الصيف، فتختفي مياهه إلى أن يحين موعد تفجره من جديد.

يقع النبع عند أقدام جبل حرمون، إلى الشرق من بلدة المارية، وينبثق من شاهق صخري يشبه المغارة. أما خزانه الحقيقي، فيقع في أعماق جبل حرمون، حيث تتجمع المياه المتسربة من ذوبان الثلوج. وعندما يمتلئ هذا الخزان، يشتد ضغط المياه المحجوزة في باطن الجبل على الصخور، فتتفتح الفوهات فجأة، وتندفع المياه بكميات هائلة، محدثة هديرًا مدويًا يشبه صوت الرعد.

وكان هذا الصوت يُسمع في القرى المجاورة، ولا سيما في الخيام، التي تبعد عنه نحو عشرة كيلومترات. أما قوة اندفاع المياه، فقد كانت مضربًا للمثل، حتى قيل إنها «تجرف الجمال». ويُعد نبع سريد أحد روافد نهر الحاصباني.

وكان هذا الانفجار المائي يحدث غالبًا في أوائل الربيع أو منتصفه، ليعلن بداية موسم الوفرة بعد ذوبان الثلوج.

ومن الظواهر التي كانت تتكرر آنذاك أن مجرى النبع، وهو أحد روافد الحاصباني، كان يجف صيفًا بعد انحسار المياه. أما في السنوات الأخيرة، فقد اختفت هذه الظاهرة تمامًا، فلم نعد نرى أو نسمع ذلك الهدير الذي رافق طفولتنا، وأصبح جزءًا من ذاكرة المكان.

وأعتقد أن السبب في ذلك يعود إلى التغير المناخي. ففي طفولتنا، كانت قمم جبل حرمون تبقى مكللة بالثلوج طوال أيام السنة، وكأنها تعتمر عمامةً بيضاء تضفي عليه مهابةً وجلالًا دائمين. أما اليوم، فلم تعد هذه العمامة البيضاء تكسو الجبل إلا نادرًا، حتى في فصل الشتاء، الأمر الذي أدى إلى تراجع كميات المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج، وبالتالي إلى عدم امتلاء الخزانات الجوفية، فلم يعد نبع سريد يتفجر كما كان في الماضي.

فايز أبو عباس

تعليقات: