في ذكراه الرابعة، الشاعر حسن عبدالله؛ كيف عرفته؟


ها هو شاعرنا حسن خليل عبدالله يمضي السنة تلو السنة تحت الثرى، فلن تجف المآقي حزنا على لوعة الفراق الأبدي، ولن يخفت لهيب القلوب الملتاعة من ألم التفارق القسري، عن الذي ظهر ككوكب دُرّي في فضاء الجنوب الثقافي منذ ستينات القرن الماضي، وأخذ يسطع رويدا رويدا، بتأني الشاب الطموح المتيقن ايماناَ بأنه سيصل يوماً الى مبتغاه، من غير عجلة أو حرق لمراحل النبوغ البازغة في نفس ذلك الشاب الخجول، الذي لم يتخلى يوما عن الطبيعة في عالمه الخيامي الصغير جُغرافياً، الكبير داخل أروقة نفسه المتمردة على الذات بصمت رهيب، فبقيت مفردات الطبيعة الخيامية؛ (المرج، السهل، الوطى، الدردارة، الرقيقة، البارده، المسّيل، الغدير، النبعة، الساقية، الكرّوسه، الباشق، الشوّحة، الحسون، أبوالحن، الدوري، الزرزور، الوروار، اليمامة، الترغل، الكينا (الكناية)، الصفصاف، الحور، الزيزفزن، الزرنزخت، السنديان، الميّسة، الدفلة، البوط، الحبق، الياسمين، الجوري، الفل، الغردينيا، اللوز، الجرنك، التين، الصُبّار، المردكوش، السماق، الزعتر، المسوبعة، السنابل، العنقود، الكوز، الكْبِش) المادة الأولية لأدبه الجزيل سواء شعراً، أو نثراً، أو مقالاً، وأخير مفاجئة العقد الأخير من حياته الدنيوية، وهي موهبة الرسم، فأبدع بها خير ابداع، ونال استحسان عباقرتها قبل اعجاب متذوقيها.

وبمناسبة مرور أربع سنوات لغياب الشاعر "حسن عبدالله"، أقامت الفنانة التشكيلية "خيرات الزين" صباح يوم الأحد (21 حزيران/يونيو 2026) في "مُلتقى خيرات الثقافي" قريطم بيروت، ذكرى تأبينيه بحضور الأهل، الأحبة، الأصحاب والأصدقاء الأوفياء بمقدمتهم أيقونة الصحافة وتاج الاعلام الأستاذ الكبير فيصل سلمان، الأديب الكاتب هيثم الأمين، العميد (م) حسن بشروش، الإعلامي عبد الغني طليس، الإعلامي فيصل عبدالساتر (الذي وصل متأخراً بعد أن غادر الكثيرون) وغيرهم الكثيرون من الذين ازدانت بهم صالات الملتقى الداخلية وتلألأت بحضورهم شرفاته الخارجية.

أُفتتح الحفل بكلمة مُعبرة للإعلامي الشاعر زاهي وهبي (مدير الحفل) "حسن العبدالله علامة فارقة بالشعر العربي الحديث، هو مزيج من البراءة والالتزام، الالتزام الإنساني العميق، حس السخرية العالي بس في نفس الوقت يعني تعبير عن قضايا كبرى تمس الانسان اللبناني الجنوبي بشكل خاص، والعربي عموماً والانسان وين ما كان."، ثم تلته الفنانة التشكيلية خيرات الزين (صاحبة الدعوة والملتقى) "حسن بيفيق فينا الحواس الخمسة بكل شيء، بحسّه لم يغادر طفولته، بكل شيّ، بقصايده، بطيبته، بعفويته"، وأخذ المنبر الشاعر الكبير مصطفى سبيتي، مُرتجلا قصيدة من وحي المناسبة إهداءً للفقيد الأفخم: "تحت شلال القوافي نستحم وأُفُسِدّت أشعارنا .... فالوحل ما نُسقى وسمُّ ما نشمُّ"، ثم المهندس أحمد مالك عبدالله (ناشط اعلامي وباحث بتدقيق وأرشفة تاريخ شرق جبل عامل) موضحاً سر علاقة شاعرنا بنبع "الدردارة" الرقراق المتربع في واسطة مرج الخيام بسهل مرجعيون، وتلاه الشاعر سليم علاء الدين الذي أتحف الحضور بقصيدة مُعبرة لهذه المناسبة العزيزة على أفئدة الحضور الكرام: "كيفك حسن؟ عم يسأل عليك الوطن ..... شايف شو عم يصير قدامك ..... عم تنوجع وتقاوم خيامك، كيفك حسن يا نايم ببال الزمن ...... وعّي القصيدة النايمة بفكرك حبق .... تعمل مع الدهشة سبق"، وأعقبه الموسيقي والشاعر علي نصار، سولاف عبدالله (كريمة الشاعر الراحل عصام عبدالله، ورئيسة المؤسسة التي تحمل اسم والدها)، الدكتور الاستشاري محمد وهبي، الإعلامية لوركا سبيتي: "سأل حسن يوما سؤالا وجوديا وجدانيا جديا: من أين أدخل في الوطن؟ الوطن الذي فتشت عن بابه، دخلته انت من قلوب الناس. دخلته قصيدة، وبقيت فيه!"، المهندس مالك غندور (رئيس التجمع اللبناني للبيئة)، المحامي حسيب سبيتي، أستاذة الفلسفة الدكتورة زينب شوربا: "إذا بدنا نقرأ أشعاره وكتاباته، حسن بيطلع مأسس تأسيس فيلسوف ملّهم"، الروائية علوية صبح "يندهش مثل ما قصيدته مليانة دهشة"، واختُتم اللقاء بكلمة عائلة الشاعر الراحل، ألقتها جاندارك عبدالله (كريمة شقيقة الشاعر) التي شكرت الحضور الكرام الذين شاركونا لقاؤنا التذكاري. هذا وفي نهاية الحفل تم توزيع نسخة مجانية لكتاب قصيدة "الدردارة" الطبعة الثانية (2026) والتي تم إنجازها من قبل السيدة النبيلة خيرات الزين.

عرفت شاعرنا مبكرا جدا، في مطلع السبعينات، في زحمة التحول الاجتماعي العربي من المجتمع المحافظ التقليدي المتمسك بتلابيب جذور تراثه الأزلي الى محاولة التمظهر بوشاح اليسار الجامح نحو التغيير في كل مظهر من مظاهر كينونة المجتمع، ومنها من دون شك المظهر الثقافي للمجتمع، ودوما يبرز الشعر كالدرة النفيسة على تاج الثقافة العربية، وكنا بدأنا نسمع عبر وسائل الاعلام ونقرأ في المدارس، ومختلف الوسائل الأخرى، بمصطلحات جديدة على مسمعنا، غريبة عن فكرنا الناشئ جديدا، وإن كنا لم نسبر أغوارها حتى حينه، مثل عبارات الشعر الحديث، والشعر المنثور، والفرق بين الشعر المُقفى والشعر غير المُقفى، والشعر الموزون والشعر غير الموزون وهكذا، من مصطلحات فرضتهم علينا جسارة الحداثة المستجدة في مجتمعنا الثقافي المحافظ. وبالعودة لشاعرنا المجيد، فقد كان مضرب المثل دوماً كرمز من رموز شعراء الحداثة تلك، فكان يُختم القول دوماً في أي مجادلة أو محاورة ثقافية في تلك الآونة بعبارة "مثل شـعـر حسن خليل ورفاقه"، ومن حسن حظي بالإضافة لعامل القربى بيننا، أننا كنا نعيش سوياً في نفس الحي في قريتنا، وطريقه اليومي (عندما كان يزور قريته في العطلات والمناسبات) من أمام منزلنا بالذات في الذهاب والإياب، متأبطاً كتاباً، أو كُراساً أو صحيفة، فكنت دوماً أهزّ رأسي محاولا التوكيد بأنه تربطني صلة ما بصاحب المثل المذكور أنفاً.

في عام (1978م) صدر له ديوانه الأول "أذكر أني أحببت"، وحدث أن زارنا حينها في غربتنا، وعندما التقى بالمرحوم والدي، بادر الى أهدئه نسخة من ذلك الديوان، مذيلا بتوقيعه وبكلماته الرقيقة، وأذكر في تلك الليلة لم يتسلل الرقاد لمقلتّي إلا بعد الفراغ من قرأته كله. (وكنت ما أزال أحتفظ بتلك النسخة في مكتبتي المتواضعة، لغاية تدمير منزلنا بالخيام منذ شهرين)

ثم كرت سُبحة مليكة الشعر لدى شاعرنا المُكرم. بدءاً من قصيدة "الدردارة" (التي صدرت في كتاب لوحدها عام 1981م)، والتي تخالها أسطورة هندية، أو ملحمة اغريقية أو معلقة جاهلية، أو كُلهم انصهروا واندمجوا معاً، وتبعها بعد فترة ليست بقصيرة ديوانان “راعي الضباب" (1999م) و"ظل الوردة" (2012م).

وأذكر أن صحيفة "السفير" البيروتية هي أول من نشر له قصيدة "الدرادرة" على صفحتين متقابلتين، وصادف أن اشترى يومها المرحوم والدي ذلك العدد، وأثناء مطالعته لها بعد ظهر ذلك اليوم، حتى وقعت عيناه على القصيدة، فاستوى في جلسته، وأخذ يقرأها علينا بصوته الجهوري، ونحن كلنا آذان صاغية، وكم كانت مفاجأته غامرة، عندما تردد اسم المرحوم جدي (أبو علي نعيم)، مرات ليست بالقليلة في نص القصيدة، (المرحوم جدي هو زارع شجرة الكينا "أيقونة الخيام الخالدة" في عام "1947م" على الضفة الجنوبية للنبع، بجانب مقهاه الذي أنشاؤه عام "1928م" والذي ما زال شاهد حتى وقتنا الحاضر)، وما أن أنهى المرحوم والدي قراءته لتلك القصيدة العصماء، حتى اقتطع تلك الصفحتين من الصحيفة، وطواهما وضمهما الى وثائقه المحفوظة.

أثناء تحصيلي العلم في بلاد الغرب، لم أكن أقع الا على الشذر الضنين من أخبار ونشاطات شاعرنا القدير، بسبب ندرة الصحف العربية التي كانت تقع بين أيدينا، الى أن تخرجت، وعدت في النصف الثاني من الثمانينات، وكان سؤالي الأول لبعض أقرانه الذي كنت التقيهم بين الفينة والأخرى، وما هي انتاجاته الجديدة، وفوجئت حين علمت أنه انعطف للإبداع في أدب الأطفال، وأخذ بكتابة قصص جميلة لهم، ومن ثم تولت إحدى دور النشر مهمة نشرها وتوزيعها، حتى بلغ عددها (60) مؤلفاً، ومنها ما طُبع أكثر من مرة، والتي نالت جميعها الاستحسان الموفور سواء من نظرائه الأدباء او من راصديه النقاد وما أكثرهم على مساحة الوطن العربي الكبير، كما وقد استحصل بعض تلك القصص على الجوائز القيّمة وشهادات التقدير الجمة بالإضافة للدروع التكريمية. هذا بالإضافة الى اقامته للمعارض الفنية التي برزت من خلالها موهبته اللامعة برسم اللوحات التشكيلية الأخاذة والتي تجاوز عددها الأربعين لوحة.

وبعد التحرير في عام 2000م، تكررت اللقاءات مع شاعرنا وبالأخص خلال عطلات الصيف في بلدتنا الخيام سواء في المناسبات الاجتماعية العامة أو في الأمسيات العائلية المتعددة، وبعض تلك الأمسيات، كنت أخرج بها بمقالة مُجزية في اليوم التالي يتم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي وبالأخص موقع (Khiyam.com)، ومن أهم تلك الأمسيات، الأمسية الرائعة التي أقامها سعادة نائب مرجعيون – حاصبيا المحامي "علي حسن خليل"، لفعاليات الجنوب اللبناني بأسره من ثقافية، أدبية، فنونية، صحفية، إعلامية، اكاديمية، وتربوية، وذلك على شرف شاعرنا "حسن عبدالله". (مرفقاً أدناه روابط بعض مقالاتي في تلك المناسبات). أما خلال لقاءاتي الشخصية معه، فكأنني كنت أخاله ينتظر أسئلتي المُجهزة سلفاً، ليأخذ مداه في التعبير الذاتي لما يرغب بأن أحفظه منه، ليقينه بأن هذه الكلمات ستجد صداها المثمر في النشر يوما ما لتبقى صلة الوصل بينه وبين الأجيال المتعاقبة. وأخيراً، كان ينتهي كل لقاء بسؤالي التقليدي: "ما هو أخر جديدك؟" فيبتسم شاعرنا ويردف قائلاً: عندما رأيتك قادماً، جهزت في ذهني الإجابة لسؤالك التقليدي هذا! (مع ابتسامة ذات مغزى) وبالطبع أكثر تلك اللقاءات كانت تتم على ضفاف نبع "الدردارة" التي كان يُعظّم زيارتها كلما صادف وجوده في الخيام، الى قبيل رحيله من عالمنا الفاني.

قد يصفه البعض بأنه شاعر اسطوري انتفض عندنا من طرابين الملاحم الاغريقية، بل هو أجزل من ذلك، هو نتاج البيئة العاملية بفلاحيها ومقاوميها، بالكادحين منذ طلوع الشمس نحو السهول والروابي ليجبلوا بعرقهم أرض جبل عامل المُعطأة، هو ذلك الثائر الرافض للذل والخنوع مُمتطيا فرسه، شاهر سيفه بوجه كل دخيل نجس أتى ليدنس أرض الطهارة والسُؤودد.

المهندس أحمد مالك عبدالله

(ناشط اعلامي وباحث بتدقيق وأرشفة تاريخ شرق جبل عامل)

بيروت في (21 حزيران/يونيو 2026)

الشاعر حسن عبدالله مُكرم في دارة الوزير علي حسن خليل 28-8-2019؛ قراءات: 5098

https://khiyam.com/news/article.php?articleID=32978

الوزير علي حسن خليل يؤكد اعتزاز الخيام بأبنائها المتميزين 2-8-2019 ؛ قراءات: 7686

https://khiyam.com/news/article.php?articleID=32739

تعليقات: