
الدكتور علي عواضة
قبل وجود التعليم الرسمي، وقبل أن تعمد الدولة إلى إنشاء المدرسة الرسمية ليتعلم فيها أبناء الفقراء، وعلى غرار العديد من قرى وأرياف ومناطق لبنان، كان هناك معلم أول طليعي، إنسان جليل، يُدعى "أبو عبدو"، يعمد إلى تعليم الأولاد مبادئ القرآن والقراءة فيه وحفظه. ويُعتبر هذا النوع من التعليم من البواكير الأولى للتعلّم في الخيام.
لم يكن يعطي دروسه تحت السنديانة، كما درجت العادة في الأرياف، بل في منزله الذي كان يُشكّل النواة الأولى للصف كما نعرفه اليوم. وكان "أبو عبدو" يُشكّل الهيئة التعليمية منفرداً؛ فهو المعلم، والمربي، والناظر، والمدير، والمفتش، ومعتمد القبض، والوزارة، والوزير.
وكان يحمل قضيباً طويلاً بطول الغرفة، يستطيع من خلاله معاقبة المشاغب الساهي من حيث يجلس في مقعده، من دون أن يتكبد عناء القيام إليه. وكان القرآن وحده يُشكّل محفظة التلميذ وقرطاسيته وكتبه.
المدرسة الرسمية في الخيام
في سنة ١٩٢٢ صدر مرسوم إنشاء مدرسة رسمية في الخيام، وفي المرسوم نفسه جرى تعيين أول معلم لها من آل شمس في حاصبيا.
شكّل هذا الحدث قفزة تاريخية في حياة البلدة، كما في غيرها من قرى جبل عامل. فقد كان التعليم، طوال قرون، يتم في مدارس عُرفت باسم الكتاتيب، وقد وصفها بإسهاب الأستاذ نايف مرعي في مقابلته مع المهندس عدنان سمور، كما وصفها طه حسين بتوسع وطرافة في كتابه «الأيام».
ولا بد من التوقف عند هذا الحدث، لأن المدارس التي أنشأتها الحكومات الفرنسية كانت من أهم نتائج الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩، إذ نزعت التعليم من سلطة الكنيسة، وحددت طبيعة برامجه، ووسّعت ميادين العلوم والمعرفة.
وبرغم سلبيات الوصاية الاستعمارية الفرنسية وأطماعها، فإنها أنشأت في مستعمراتها مدارس حملت كثيراً من سمات المدرسة الفرنسية. وأكثر من ذلك، كان بعض موظفي الوصاية، على قلتهم، والمشبعين بمبادئ الثورة الفرنسية، يقومون بمبادرات قد لا ترضى عنها السلطات، لكنها لم تكن تمنعها.
فعلى سبيل المثال، عندما تأسست مدرسة النبطية، وكانت بحاجة إلى مدرس للغة الفرنسية، تطوع ضابط فرنسي للتدريس فيها مجاناً.
وفي حادثة أخرى، عندما أُنشئت دار المعلمين، وكانت تشغل جناحاً صغيراً في مدرسة حوض الولاية في بيروت، صادف أن تشكلت حكومة كان وزير التربية فيها يؤمن بأن التعليم يجب أن يبقى محصوراً بالطبقة الميسورة، وأن دار المعلمين تفتح الباب أمام أبناء الطبقات الأقل يسراً، فأصدر قراراً بإقفالها.
وعندما علم بالأمر مسؤول فرنسي كبير في الشؤون التربوية، عمل على تأمين مقر مؤقت لدار المعلمين في إحدى المدارس الخاصة التي كانت تحت إشرافه في الأشرفية، إلى أن سقطت الوزارة، فعادت دار المعلمين إلى حوض الولاية.
وكان أول الخياميين الذين تخرجوا فيها الأستاذ علي عبدالله، وذلك عام ١٩٣٩، على ما أعتقد.
كانت المدرسة الرسمية الوسيلة الأهم للترقي الاجتماعي واكتساب المعرفة في جبل عامل. ففي عشرينيات القرن الماضي، كان عدد التلاميذ قليلاً، لا يتجاوز عشرات، وكانوا يجتمعون في غرفة واحدة أو غرفتين، بإشراف معلم واحد أو اثنين.
ولم يبدأ عدد التلاميذ بالازدياد إلا في الثلاثينيات، حيث تمكن بعضهم، سواء في الخيام أو في البلدات التي عمل فيها أبناؤها، من الحصول على شهادة السرتفيكا، ثم الالتحاق بسلك التعليم. وكان تعيين المعلمين يتم بداية من قبل وزارة التربية، ثم يعمل المعلم لاحقاً على الانتقال إلى بلدته بكل الوسائل الممكنة.
أما في الأربعينيات، فقد شهد التعليم تطوراً ملحوظاً، وأصبح بعض الطلاب يحصلون على شهادة البكالوريا، وارتفع مستوى التدريس.
وقد ساهم جميع المعلمين في نهضة التعليم، كل بحسب استطاعته، إلا أن اثنين منهم تميز عطاؤهما بصورة خاصة، هما الأستاذ علي عبدالله والأستاذ نايف مرعي.
كان الأستاذ نايف هادئ الطباع، مرحاً، محباً للحياة، يهوى قراءة المجلات الهزلية وحفظ النكات ليرويها في مجالسه. وعلى الصعيد المهني، أضاف إلى النشاطات المدرسية التقليدية الموسيقى والرياضة، فسرعان ما تأسس فريق رياضي، وتأمنت مستلزماته من شبكة ثابتة وكرة قدم. أما طريقته في التعليم، فيكفي أن عدد الناجحين في شهادة السرتفيكا قد تضاعف في عهده.
أما الأستاذ علي عبدالله، فكان من أوائل خريجي دار المعلمين، واكتسب أساليب حديثة في التعليم والإدارة. وألف العديد من الكتب التربوية وكتب التدريس، وترأس دورات تدريبية كثيرة للمعلمين.
ويطول الحديث عن إنجازاته التي يعرفها جميع من عاصروه، لكنني أكتفي بذكر حادثتين.
الأولى، عندما زارت بعثة تربوية بلجيكية، برئاسة مدام بوشولز، على ما أذكر، مدرسة الخيام في أواسط الستينيات، وهو أمر بحد ذاته ذو دلالة كبيرة. وقد أدخلها الأستاذ علي عبدالله إلى صف الأستاذ كامل خشيش لحضور أحد دروسه، وبعد انتهاء الحصة قالت البعثة:
"لا يُعطى هذا الدرس بأفضل منه في بلجيكا."
وعلى إثر تلك الزيارة، وجهت وزارة التربية البلجيكية دعوة إلى ثلاثة تربويين لبنانيين، هم: حسن الحجة، مدير ثانوية طرابلس الرسمية، وشفيق سعيد، مدير ثانوية فرن الشباك الرسمية، والأستاذ علي عبدالله.
أما الحادثة الثانية، فكانت عندما كنت في السنة الثانية التكميلية، وهي أعلى الصفوف آنذاك، في أواسط الخمسينيات. فقد قرر الأستاذ علي عبدالله فتح دورة تعليمية صيفية خاصة، وهو أمر غير مألوف في ذلك الوقت.
وفي نهاية الدورة، طلب مني أن أرافقه إلى بيروت، فتوجهنا، بالقرب من كراج الخيام، إلى مكتبة الفريد شهاب (Le Foyer) في العازارية، حيث اشترى مجموعة كبيرة من الكتب، منها المجموعة الكاملة لجرجي زيدان، وروايات لعدد من الروائيين المشهورين، وكتب باللغة الفرنسية.
وهكذا وُلدت مكتبة المدرسة.
الدكتور علي عواضة
الخيام | khiyam.com
تعليقات: