عدنان سمور: درسٌ من الحاج خليل سمور.. رزقة الصوص في كفرشوبا

المرحوم الحاج خليل حسين سمور ، بعد معالجتها بالذكاء الاصطناعي  (توفاه الله عام 1952)
المرحوم الحاج خليل حسين سمور ، بعد معالجتها بالذكاء الاصطناعي (توفاه الله عام 1952)


كان جدي، المرحوم الحاج خليل حسين سمور، المولود حوالي عام 1875، يعمل مع أخويه الحاج علي والحاج أحمد في مهنة "المكارية". وكانوا يملكون البغال التي شكّلت وسيلة النقل الأساسية في تجارتهم، التي امتدت أسواقها من سهل حوران شرقاً إلى بنت جبيل غرباً، ومن الخالصة وطبريا وحيفا جنوباً إلى دير الأحمر شمالاً.

كان الإخوة الثلاثة شركاء في العمل، ورفاق درب وأصدقاء. وقد تشرفوا معاً بأداء فريضة الحج في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، قبل دخول الخيام عصر الباصات، وقبل أن تتحول المنطقة إلى دول وحدود وجوازات سفر وتأشيرات وإقامات وكفلاء. يومها كانت رحلة الحج تتم على ظهور الدواب، وتستغرق نحو ثلاثة أشهر ذهاباً وإياباً.

وكان الحجاج من المكارية يستفيدون من رحلتهم الطويلة في التجارة بين الأسواق التي يمرون بها، فيؤمنون نفقات الحج من جهة، ويعودون ببعض المال الذي يعين عائلاتهم على مواجهة أعباء الحياة من جهة أخرى. وللحج في ذلك الزمن حكايات جميلة وتفاصيل ثرية تستحق أن تُروى في مناسبة خاصة.

أما جدي الحاج خليل، فكان أباً لست فتيات وفتيين، وكان والدي إبراهيم (أبو عاطف) أصغر أبنائه. وقد تعلّق به كثيراً وأولاه عناية خاصة، فأكثر من نصحه وتوجيهه، مستنداً إلى ما اختزنته حياته من خبرات وتجارب واسعة اكتسبها من معاشرة الناس والأسفار والأسواق.

وكان يصطحب والدي، وهو لا يزال صبياً، في بعض رحلاته التجارية إلى الأسواق القريبة من الخيام. فكان الفتى الصغير يؤنس والده في الطريق، ويساعده في بعض الأعمال، ويتولى مراقبة البسطة إذا اضطر الحاج خليل إلى الابتعاد عنها لبعض الوقت.

وذات يوم، اصطحبه إلى سوق كفرشوبا في العرقوب. أيقظه فجراً، وعلّمه كيف تُرتب البضاعة على ظهر البغل، وكيف تُربط وتُحزم بإحكام حتى لا تسقط أثناء الطريق. وكان والدي يشعر بفرح كبير لثقة والده به، ويبذل جهده ليبرهن أنه أهل لهذه الثقة.

وعندما وصلا إلى السوق، بدأ الحاج خليل بتنزيل أكياس الحبوب وترتيبها على بسطته، فيما كان إبراهيم يساعده في فتح الأكياس وعرض محتوياتها أمام الزبائن.

ومن بين تلك البضائع كان هناك كيس من الذرة المجروشة، التي كانت تُستخدم لتحضير "لبنية الذرة"، وهي أكلة صيفية شعبية تُطهى باللبن أو بالمخيض، وتؤكل مع البصل الأخضر والنعناع والخضار الطازجة.

وبينما كان والدي يعرض الذرة على قطعة قماش أمام البسطة، اقترب صوص صغير من دجاجة كانت في البيت المجاور، وبدأ يلتقط بمنقاره بعض حبات الذرة المتناثرة.

أسرع إبراهيم محاولاً طرده خوفاً على رزق والده، لكن الحاج خليل ابتسم وقال له:

"دعه يا بني، فهذا رزق قسمه الله له، فليأكله هنيئاً مريئاً."

امتثل إبراهيم لأمر والده، وراح يراقب الصوص وهو يأكل بشهية. وبعد دقائق قليلة شبع الصوص، وبدأ ينبش الذرة وينثرها خارج قطعة القماش.

عندها التفت الحاج خليل إلى ابنه مبتسماً وقال:

"الآن شبع الصوص من خيرنا، وبدأ يخرب علينا، صار يحق لك أن تزعَبَه."

فأسرع إبراهيم ولوّح بيده، فهرب الصوص راكضاً نحو أمه وإخوته.

قد تبدو الحادثة بسيطة، لكنها كانت درساً عميقاً في الكرم والرحمة والحكمة. فقد تعلّم والدي منها أن للآخرين نصيباً في أرزاقنا، وأن التسامح مطلوب ما دام الضرر لم يقع، أما إذا تحول الأمر إلى أذى وإفساد، فلكل مقامٍ حكمه.

وقد نقل إلينا والدي هذه القصة كما سمعها وعاشها، فنقلناها بدورنا إلى أبنائنا ومعارفنا، لتبقى حيّة في الذاكرة، شاهدة على أخلاق جيل من الآباء والأجداد، صنعوا الحياة بالكفاح والعمل، وتركوا لنا من حكمتهم ما يستحق الحفظ والبقاء.

المهندس عدنان سمور

باحث عن الحقيقة

المصدر، مجموعة "ديوانية منتدى الخيام" على الواتساب



تعليقات: