
الدكتور خليل كاعين: كيف يمكن التوفيق بين احترام قناعات الناس ومعانيهم الروحية، وبين الحفاظ على حق الإنسان في الحياة الكريمة، وفي حماية مستقبل الأجيال من أن تصبح المعاناة المتكررة قدرا دائما؟
في خضم الحروب المتكررة التي عصفت بمنطقتنا لعشرات السنين، يلفت النظر مشهد يتكرر بعد كل جولة من المواجهات: عودة الأهالي إلى قراهم ومناطقهم بعد توقف القتال، والوقوف أمام بيوت أصابها الدمار، بعضها لم يبق منه إلا آثار الركام. ومع ذلك، نرى مشاعر الفرح لمجرد العودة، ونرى من يرفعون إشارات النصر وكأن العودة بحد ذاتها انتصار على الألم والدمار.
هذا المشهد يطرح أسئلة إنسانية عميقة قبل أن يكون سؤالا سياسيا. كيف يستطيع الإنسان أن يتجاوز فقدان المنزل والممتلكات وضياع سنوات من التعب، ثم يجد في العودة معنى للأمل؟ هل هو الصمود والقدرة على مواجهة المحن؟ أم أن تكرار الحروب جعل الإنسان يتكيف مع الخسارة حتى أصبحت جزءا من واقعه اليومي؟
لا شك أن الإنسان في لحظات الخطر قد يقدم تضحيات كبيرة دفاعا عن أرضه وكرامته ومعتقداته، وهذه التضحيات كانت دائما جزءا من تاريخ الشعوب. كما أن التمسك بالأرض ورفض التهجير يحمل معنى عميقا لدى الشعوب التي عاشت الاحتلال والحروب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يحدث عندما تتحول التضحية من موقف استثنائي في ظروف قاهرة إلى نمط حياة دائم، وحين يصبح الحرمان مقبولا وكأنه قدر لا يمكن تغييره؟
ولا يمكن فهم هذه القدرة العالية على تحمل الخسائر بمعزل عن منظومة القيم والمعتقدات التي يحملها بعض المجتمعات، حيث تتداخل مفاهيم التضحية والواجب الديني والالتزام بالقضية في تشكيل نظرتهم إلى الألم والخسارة. فبالنسبة للبعض، لا تقرأ التضحيات فقط من زاوية الخسارة المادية أو الفردية، بل ضمن معنى أوسع يرتبط بالعقيدة والرسالة والهوية.
لكن يبقى السؤال الإنساني قائما: كيف يمكن التوفيق بين احترام قناعات الناس ومعانيهم الروحية، وبين الحفاظ على حق الإنسان في الحياة الكريمة، وفي حماية مستقبل الأجيال من أن تصبح المعاناة المتكررة قدرا دائما؟
خلف مشهد الفرح بالعودة، هناك وجه آخر لا يظهر دائما إلى العلن. فالكثير من الأهالي الذين فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم يحملون ألما عميقا قد لا يجدون دائما مساحة للتعبير عنه. فالاعتراض على حجم الخسارة أو السؤال عن المستقبل قد يفسر أحيانا خارج إطاره الإنساني، وكأنه موقف سياسي، مما يدفع البعض إلى كتمان وجعه أو التراجع عن التعبير عنه.
وهنا يصبح الصمود مفهوما مركبا؛ فهو من جهة تعبير عن التعلق بالأرض ورفض الاستسلام، ومن جهة أخرى لا يجب أن يتحول إلى إلغاء لحق الإنسان في الشكوى والتساؤل والمطالبة بحياة أكثر أمانا وكرامة. فالإنسان يستطيع أن يحب أرضه ويتمسك بها، وفي الوقت نفسه أن يحزن على ما فقده وأن يحلم بمستقبل أفضل لأبنائه.
إن الإنسان، مهما كانت قناعاته وانتماءاته، يبقى له حق طبيعي في حياة كريمة، وفي أن يحلم لأبنائه بالتعليم والاستقرار والمستقبل. فلا ينبغي أن يكون الدفاع عن قضية ما سببا في فقدان الحق بالحياة الطبيعية، ولا أن تصبح معاناة الأجيال المتعاقبة أمرا لا يناقش.
المشكلة لا تكمن في قدرة الناس على الصمود، فهذه قدرة إنسانية تستحق الاحترام، بل في أن يستمر الصمود إلى ما لا نهاية دون أن يتحول إلى مشروع لبناء حياة أفضل. فإعادة إعمار البيوت بعد كل حرب مهمة، لكن الأهم هو إعادة بناء الأمل، وتأمين مستقبل للأجيال القادمة، حتى لا يبقى الإنسان في دائرة تبدأ بالخسارة وتنتهي بانتظار الخسارة التالية.
وفي ظل الحروب والأزمات المتكررة، يدفع الشباب ثمنا كبيرا؛ فالكثيرون يضطرون إلى تغيير أحلامهم، أو ترك الدراسة، أو البحث عن الهجرة كطريق وحيد لتأمين مستقبلهم. فالحرب لا تهدم الحجر فقط، بل تهدد الزمن الإنساني نفسه، وتسرق من الأجيال فرصها في التعلم والبناء والاستقرار.
ومن هنا يظهر دور الدولة والمؤسسات. فوجود المؤسسات لا يكفي بحد ذاته، بل المطلوب تفعيلها وتمتين دورها لتكون قادرة على حماية المواطنين، وتأمين حقوقهم، ومنع تحول المجتمعات إلى ساحات مفتوحة لصراعات أكبر منها. فالدولة لا يجب أن يكون حضورها فقط عند دفع التعويضات أو تقديم المساعدات، بل في قدرتها على بناء الأمان والاستقرار.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات ليس فقط الدمار المادي، بل أن يعتاد الإنسان على واقعه المؤلم إلى درجة لا يعود يرى فيه ظلما، وأن يصبح الفقر والحرمان وعدم الاستقرار أمورا طبيعية. فحق الإنسان في الحياة الكريمة ليس ترفا، بل هو أساس أي وطن يريد أن يبقى ويستمر.
الدكتور خليل كاعين
17 حزيران 2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: