
المهندس عدنان سمور: محاولات الكيان الصهيوني الجارية اليوم على أرض جبل عامل لمحو ذاكرة العامليين، من خلال محو ذاكرة امكنتهم، ستفشل، وستنتصر في هذه في هذه المواجهة المصيرية ذاكرة الإنسان العاملي الجنوبي الصامدة
هذا المقال كتبته بتاريخ 28/12/2023 وكانت كتابته من وحي تأثري بكمية الإجرام الصهيوني المدعوم اميركياً ، في تدمير غزة وتهجير وقتل الفلسطينيين فيها وفي الضفة الغربية ، وبعد مرور سنتين من هذا التاريخ شرعت اسرائيل بغطاء اميركي مجرم بتدمير وجرف عشرات القرى والمدن في جبل عامل ، سعياً منهما لمحو ذاكرة شعبٍ اصيلٍ متجذِّرٍ في هذه المنطقة الجغرافية من العالم ، وظناً منهما ان محو ذاكرة الأمكنة كفيل بمحو ذاكرة هذا الشعب العريق والأصيل إلى الأبد ، وهم لم يتَّعضوا بعد من التجربة الفلسطينية التي لا زال شعبها يقاوم ويبدع في إبقاء جذوة المقاومة حيَّةْ ومتوقدة ، لذلك سأضع المقالة بين يديكم كما كتبتها ، وسأضيف في نهايتها بعض التعليقات التي تغني البحث وتجعله اكثر وضوحاً في التعبير عن مصير هذا النوع من السلوك الإجرامي للأميركيين والصهاينة والغرب المتمسك بإرثه الإستعماري المشين.
ذاكرة المكان وذاكرة الإنسان (1)
منذ ثلاثينيات القرن الماضي ، بدأ الغرب الجماعي ممثلاً بالكيان الصهيوني تطبيق مشروع إزالة ومحو ذاكرة الأمكنة في فلسطين ، فهدمت مدن وقرى ومزارع واسواق وابنية تاريخية ودينية وتراثية عريقة ، ومتجذرة في الذاكرة التاريخية والشعبية لفلسطين ، هنا يأتي السؤال "أتزول ذاكرة الشعوب بزوال ذاكرتها العمرانية ؟" وإذا كان الجواب كلا ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه تلقائياً هو "إذا ازيلت الذاكرة المكانية والعمرانية لشعبٍ من الشعوب ، ما الذي يبقى من تاريخه إذاً ؟"
والحقيقة أن تاريخ الشعوب يبقى حياً وفاعلاً وقادراً على الحضور ، بقدر ما يبقى حياً في الذاكرة والوجدان الشعبي لأفراده وجماعاته ، وبقدر ما يبدع المجتمع آليات وأساليب وتقنيات لتوريث الأجيال المتعاقبة ما اختزنته ذاكرته من صور وانطباعات ومفردات وتفاصيل ، عن ذاكرته التاريخية ، وذلك من خلال ما تحفظه ذاكرته الشعبية وما ينتجه هذا المجتمع من فنون وعلوم وآداب وحرفٍ وأزياء ورياضة وعادات وتقاليد ، وبقدر ما يتمسك هذا الشعب بمفردات ذاكرته ويجعلها ولَّادة ومتجددة ومتوارثة من جيل إلى جيل ، وبقدر ما يكون هذا الشعب محافظاً على هويته وتميزه واستعداداته للعودة الى الحضور المكاني الواقعي ، عندما تنضج عناصر اللحظة التاريخية المؤاتية ، وتسمح الظروف الموضوعية له ، بإزاحة الذين عملوا على تدمير ذاكرته التاريخية الجماعية ، عندها يبادر للتحرر من تسلطهم وسطوتهم واحتلالهم لأرضه واغتصابهم لتراثه وتاريخه المكاني والعمراني .
وما جرى في عملية طوفان الأقصى وما تلاها على أرض غزة وغلافها وفي والضفة الغربية ، ليس سوى دليل على ان الذاكرة الشعبية والتاريخية للفلسطينيين ، وبعد ما يزيد على المئة عام من الإبادة الصهيونية الممنهجة لهذه الذاكرة ، فإنها لا تزال هي الذاكرة الأقوى والأصلب والأكثر حضوراً وتأثيراً والأكثر قدرة على البقاء .
لأنها هي الذاكرة الأصيلة والمتجذرة وابنة الأرض الحقيقية ، وما الذاكرة الصهيونية إلا ذاكرة مفتعلة ومختلقة ، ولا تمتلك مقومات الإقناع والإستمرار والتوارث بين الأجيال ، لذلك فإن غزة صارت مُدمَّرة اكثر من عشر مرات خلال القرن الأخير ، أي دمار في كل عشر سنوات ، رغم ذلك أثبتت أنها هي المنتصرة في معركة الذاكرة ، وهي الأقدر على الحضور والإستدامة ، وان كل الرواية الصهيونية ، وعمرانها وانجازاتها العلمية وتقنياتها ومؤسساتها ومنظوماتها التسليحية ومتاحفها وفنونها ، لم تستطع الصمود والثبات والتغلب على الذاكرة الفلسطينية ، رغم الفارق الهائل بالموارد ومعدلات الإنفاق لكل فريق من الفريقين على ترسيخ وتثبيت ذاكرته ، ومن هنا يمكننا الإستنتاج أن تاريخ الشعوب يُحفظ في افكار وقيم وذاكرة الشعوب ، وما تعبير ودلالة الواقع المكاني والعمراني للتاريخ إلا صورة ، تكتسب معناها الحقيقي وحضورها الفاعل والمؤثر من حضورها في اذهان وعقول الشعب الصانع لهذا التاريخ بكل تفاصيله وأبعاده ومعانيه ، على عكس التاريخ المصطنع والمفتعل والمدعى ، كما هو الحال مع الصهاينة وملهميهم الأوروبيين الذين عملوا على إمتهان إبادة الشعوب ونهب ثرواتها ، وعملوا على محو ذاكرتها ، وها هم اليوم يصطدمون بشعب متمسك بذاكرته ، ومستعد للتضحية بكل ما يملك ، لتبقى ذاكرته حية وفاعلة ومؤثرة وحاضرة ، وسيكون النصر بإذن الله لأصحاب الذاكرة الأكثر حضوراً وأكثر قدرة على الإقناع .
موضوع "ذاكرة المكان وذاكرة الإنسان (1)" حين نُشر بتاريخ 28/12/2023
الإضافة على القتلة الأولى
إن الكيان الصهيوني عندما احدث النكبات المتعاقبة على شعب فلسطين ، كان مدعوماً من الغرب الجماعي الاستعماري ، في وقتٍ كان الغرب فيه يعيش مرحلة زَهو الإنتصار على النازية والفاشية ، وكانت نظرته الى ذاته تمتاز بالفخر والإعتزاز والثقة بالقدرات التي يمتلكها ، وبأنه (أي الغرب الجماعي)أنتج للبشرية اعظم نظام ديمقراطيٍ حرٍّ ، يراعي العدالة الاجتماعي وحقوق الإنسان ، ولا يسمح بالعدوان على الشعوب المستضعفة ونهب ثرواتها ومصادرة حقوقها وحرياتها ، ولكن بمرور الزمن ونمو وعي الشعوب ، وصعود حركاتٍ وثوراتٍ ، وأنظمة طامحة للتحرُّر من ظلم وغطرسة الأنظمة الاستعمارية ، بدأ النظام الليبرالي الذي أبدعه الغرب ، هذا النظام الذي لا يزال الفكر الإستعماري المتوحش معشعشاً في سريرته وفي عقله المادي الخبيث والنتن ، ومغلَّفاً ببراقع الديمقراطية الزائفة وحقوق الإنسان والمنظمات الحافظة لعلاقات الشعوب والكيانات المستقلة من العدوان وهضم الحقوق ، إضطر هذا النظام المفخخ في نهاية المطاف ، بعد وعي ونهضة العديد من الشعوب ، الى الإنكشاف ونزع جلده المبرقع الزائف ، والتكشير عن انياب توحشه واجرامه وعدوانه وفاشيته ونازيته ، والى إعادة سيرته الإستعمارية الأولى ، المبنية على احتلال اراضي الشعوب الأصيلة واقتلاعها من جذورها وابادتها وهدم عمرانها التاريخي ومحو ذاكرتها ، وما سعيه لتدمير إرثٍ عمرانيٍ يبلغ عمره آلاف السنين ، في قرى ومدن الحافة في جبل عامل ، إلا محاولةً منه اليوم لمحو ذاكرة سعبٍ مقاومٍ حرٍّ أبي ، بقوة الجرافات والعبوات الناسفة والغطاء التسلطي الأميركي والتفوق الجوي المزود به من قبل الغرب ، ولكن السؤال الكبير الذي يسأله أهلنا اليوم هو "هل سيفلح هذا الغرب مجدداً في متابعة مشروعه الاستعماري القائم على ابادة الشعوب ومحو ذاكرتها ؟وما هو الفرق اليوم بين نكبة فلسطين عام 1948 ، ونكبة جبل عامل الذي يحاول الأعداء صُنعها اليوم على أرض جبل عامل؟"
وللجواب على هذا السؤال لا بد من استعراض اختلاف السياق التاريخي بين النكبتين وهو على الشكل التالي:
الفرق في السياق بين النكبتين
1- كان الغرب كما سبق وذكرنا ، في حالة صعود لقوته بعد انتصار كاسح على ظاهرة مَرَضيةٍ انتجها مشروعه الحضاري المادي المتوحش وهي النازية والفاشية ، وكان ينظر الى العالم الشرقي بأنه بلاد التخلف والفوضى والتوحش ، ويعتقد أنَّ لديه دوراً رسالياً هو تدجين هذا العالم وجعله اكثر انسانية على شاكلته ، لكن هذه السردية الرومنسية بدأت تُفتَضحُ وتنتشر رائحة نتنها وزيفها ، وينكشف لشعوب الأرض قاطبة أن الحقيقة هي أن شعوب الشرق مظلومة ومعتدى على حقوقها وكراماتها من قبل هذا الغرب المادي ، الأناني ، الجشع ، وأن هناك مساعٍ غربية دائمة لتمزيقها ومحو ذاكرتها وإبادتها والشواهد الحية كثيرة وتنقلها الشاشات جهاراً نهاراً .
2- ايام حصول النكبة الفلسطينية ، كانت الشعوب العربية الإسلامية تعيش حالةً من الضياع وفقدان فهم مجريات الأحداث العالمية المعقدة ، نظراً لخضوعهم لتاريخٍ استعماريٍّ قديم ومتعاقب حرص على إفقارهم وتجهيلهم ، ونظراً لقلة النخب والمفكرين واصحاب الرأي في المجتمعات ، ونظراً لتفوق الغرب التسليحي والتقني والعلمي والإقتصادي ، أما اليوم فإن قوة الغرب بدأت تظهر عليها إشارات الضعف والوهن ، وكثرة الأزمات والتحديات التي تواجهها ، وبدأت علامات الإنكماش الإقتصادي تظهر على واقعها ، مع بروز منافسين اقتصاديين حقيقيين قادرين على الوقوف بوجهها وتحدي قوانينها التي فرضتها أيام كانت متفردةً بامتلاك القوة والسطوة ، وهذا أمرٌ بالغ الأهمية في تقدير امكانية استمرار الغرب في إبادة الشعوب ومحو ذاكرتها ، كما بان واضحاً أن الشعوب المستضعفة باتت مجتمعاتها غنية بالمفكرين الطليعيين والنخب الواعية القادرة على نشر الوعي في مجتمعاتها وكشف ومواجهة مشاريع الفتنة ومحاولات الإلهاء والتضليل التي يمارسها الغرب عليها بدهاء وإصرار ، بدون ملل .
3- كان الغرب موحَّداً ومُجمِعاً على الدور القيادي الذي تتمتع به أميركا في إدارة المعسكر الغربي ، وكان الشرق ممزَّقاً ومشرذماً نتيجة ضعفه ونتيجة مشاريع التقسيم التي ينفذها الغرب في بلاده ومجتمعاته ، أما اليوم فإن الغرب صار مغارب ، نتيجة أخطاء الأنظمة الغربية المتراكمة عبر الأجيال ونتيجة الفساد الحضاري المستشري في بلادهم ، ونتيجة الإستعلاء الأميركي على بقية الغرب الذي صنع أميركا وقوتها وسطوتها ، ونتيجة مظلومية الشعوب التي لا بد أن يأتي يوم يدفع الغرب فيه فاتورة ظلمه وطغيانه وإجرامه بحقها ، أما الشرق الذي سعى الغرب كثيراً لجعله مشارق ، فإنَّ شعوبه اليوم تميل إلى الوحدة والتعاون ورفض التقسيم الذي فرضه عليها سايكس بيكو وما تبعه من مؤامرات وفتن ، وما تشكيل منظمة البريكس وإحياء طريق الحرير التاريخي بمبادرة صينية ، ونشوء محور المقاومة في منطقة غرب آسيا بسعي إيراني حثيث ، إلا ظواهر لرغبة الشرق والشرقيين اليوم لنبذ الفرقة والتوحد ، والتعاون للنهوض والتحرر ، وهذه النزعة الشرقية الوحدوية تمثل الإسفين الأخطر على المشروع الإستعماري الغربي ، نظراً للآثار الكبيرة التي تترتب على وحدة الشعوب المستضعفة في مجال التأثير الإقتصادي والعسكري والسياسي معاً .
3- أيام حصول نكبة فلسطين لم يكن هناك أي قوة في منطقة غرب آسيا قادرة على مساندة الشعوب التي تتعرض للعدوان ومحاولات الإبادة ، والوقوف بوجه الكيان الصهيوني الذي يمثل رأس حربة المشروع الإستعماري الغربي في منطقتنا ، كما هو الحال مع وجود نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، الذي أعاد إحياء القضية الفلسطينية العادلة والمحقة ، ودعم حركات شعبية ناهضة وطامحة للتحرر في لبنان والعراق واليمن وفي أميركا اللاتينية وفي أوروبا وحيث طُلب منه دعمٌ ومؤازرة ، ولإيران تجارب ناجحة في إفشال مشاريع القتل والتدمير الصهيوني في لبنان منذ إجتياح العام 1982 ، مروراً بحرب تموز في العام 1993 ، وحرب نيسان في العام 1996 ، وحرب العام 2006 ، لذلك فإن محاولات الكيان الصهيوني الجارية اليوم على أرض جبل عامل لمحو ذاكرة العاملين ، من خلال محو ذاكرة امكنتهم ، ستفشل ويذهب ريحها بإذن الله ، وستنتصر في هذه المواجهة المصيرية ذاكرة الإنسان العاملي الجنوبي الصامدة بوعي وإصرار على المقاومة والصمود وعدم الإستسلام او الإنكسار ، مهما عظمت التضحيات ومهما بلغت قسوة المستعمر المتوحش المجرم الفاقد للضمير الإنساني ولأدنى المفردات الأخلاقية ، وسيبقى حقنا وذاكرتنا ويرحل باطلهم وزيفهم بإذن الله .
ع.إ.س
باحث عن الحقيقة
18/05/2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: