خليل كاعين: لبنان بين منطق الدولة ومنطق الغلبة

د. خليل كاعين: لا يمكن تجاهل أنّ لبنان كله يعيش داخل بنية مأزومة منذ تأسيسه: نظام طائفي هشّ يسهل اختراقه والتلاعب به داخليًا وخارجيًا
د. خليل كاعين: لا يمكن تجاهل أنّ لبنان كله يعيش داخل بنية مأزومة منذ تأسيسه: نظام طائفي هشّ يسهل اختراقه والتلاعب به داخليًا وخارجيًا


ما لفتني في بعض التعليقات والتصريحات هو حالة الرفض لأي حديث عن دولة قوية مستقلة تكون وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم وحماية الوطن. وكأن مجرد المطالبة بدولة فعلية أصبح استفزازا للبعض.

المفارقة أنّ من يهاجم فكرة الدولة، بحجة أنها ضعيفة أو مهمّشة، لا يعمل أصلا على تقويتها، بل يكرّس منطق الاستفراد والاختزال والزبائنية والمحاصصة، ويحتكر حق تقرير مصير الناس باسم الطائفة أو المقاومة أو المظلومية التاريخية. وكأن المطلوب من بقية اللبنانيين أن يبنوا الدولة ويحصنوها ويسلموها “جاهزة” لمن لا يعترف فعليا بمنطقها إلا بقدر ما تخدم نفوذه.

المشكلة ليست في الطائفة الشيعية، فهي مكوّن أساسي وعميق في لبنان، وقد قدمت تضحيات وكفاءات وتجارب وطنية لا يمكن إنكارها. المشكلة في اختزال هذا التنوع داخل ثنائية سياسية ـ أمنية ـ خدماتية أمسكت بالمفاصل السياسية والإدارية والخدماتية لعقود، واستفادت من ضعف الدولة واهتراء المؤسسات لتكريس النفوذ والمحاصصة وغياب المحاسبة، حتى أصبح كثيرون يشعرون أن الانتماء الحزبي بات مقدما على الكفاءة أو المواطنة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أنّ لبنان كله يعيش داخل بنية مأزومة منذ تأسيسه: نظام طائفي هشّ يسهل اختراقه والتلاعب به داخليًا وخارجيًا، ويضعف الحس الوطني الجامع لحساب العصبيات والمصالح والمحاور. كما لا يمكن تجاهل دور العدو الإسرائيلي الذي يتربّص بلبنان، ويستفيد من الانقسامات الداخلية، ويطمع بأرضه ومياهه واستقراره، ويعمل دائما على ضرب مقوماته الاقتصادية والمالية والإنمائية والأمنية.

وفوق ذلك، نحن نعيش في محيط عربي مأزوم، وفي نظام دولي تحكمه موازين القوة والمصالح أكثر مما تحكمه العدالة وحقوق الشعوب. عالم تستغل فيه المؤسسات الدولية أحيانًا لخدمة القوى الكبرى والنفوذ المالي والسياسي، لا لحماية الضعفاء.

لكن رغم كل هذا التعقيد، يبقى السؤال الأساسي: هل نريد أن نبقى جماعات تبحث كل منها عن خلاصها الخاص، أم نريد وطنا حقيقيا يتساوى فيه الجميع تحت سقف الدولة والقانون؟

لا يمكن لأي مكوّن لبناني أن يكون قويا ومستقرا ومستقبله آمن خارج الدولة، ولا يمكن بناء وطن إذا بقيت الطوائف تعيش بمنطق الخوف أو التفوق أو الارتهان للخارج. قوة أي طائفة في لبنان يجب أن تكون من قوة الدولة، لا على حسابها؛ ومن الشراكة الوطنية، لا من منطق الغلبة.

د. خليل كاعين

تعليقات: