
مجلس الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)
*مقدِّمة
اسرائيل التي بفضل مجلس الدفاع عن الديمقراطيات(FDD) الذي أنشأته في أميركا ، تمكنت من امتلاك نفوذ مؤثر في صناعة العديد من القرارات الإستراتيجية التي إتخذتها الإدارات الأميركية المتعاقبة التي تهيمن على النظام العالمي ، ظناً منها (أي إسرائيل) أنَّ هذه القرارات تخدم مصالحها وتسرع عملية إنجازها لمشروعها التي أُنشئت لأجله ، وهو إقامة إمبراطورية إسرائيل الكبرى التي تسيطر بموجبها على شعوب منطقة الشرق الأوسط وعلى ثرواتهم ، وتهيمن على قراراتهم الكبرى فتتمكن من رسم مساراتهم ومصائرهم ، ولو أدت هذه القرارات الى أن تخسر أميركا بسببها من رصيدها الإستراتيجي ، من حيث تدري قياداتها ومن حيث لا تدري ، لأن المهم هو ان تحقق إسرائيل أهدافها العظمى ، ولكن بعد مضي ما يزيد على الربع قرنٍ من النصائح الإسرائيلية اللجوجة التي أثمرت إصدار قراراتٍ متعاقبةٍ للإدارات الأميركية لمصلحة إسرائيل ، لا بد من وقفة تأملٍ نستعرض فيها الإنجازات أو الإخفاقات التي تحققت سواءً لمصلحة أميركا أو لمصلحة إسرائيل ، أو لمصلحتهما معاً .
1. تقويض الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA)
كانت (FDD) المحرك الرئيسي خلف كواليس واشنطن لإقناع إدارة ترامب بضرورة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الموقع بين أميركا وإيران .
نصيحتهم : بعد الانسحاب من الإتفاق النووي أصرت إسرائيل أن الإنسحاب ليس كافياً، بل يجب ممارسة "الضغط الأقصى" أيضاً على إيران لتخضع .
هذا الإنسحاب لم يخدم أمريكا ، لأن إيران زادت من تخصيب اليورانيوم وأصبحت أكثر عدائية ، بل خدم رغبة إسرائيل في عزل إيران تماماً ومنع أي تقارب دبلوماسي أمريكي-إيراني.
2. استراتيجية "تغيير النظام" في إيران
قدمت (FDD) عشرات الأوراق البحثية التي تدعو لدعم الاضطرابات الداخلية في إيران وفرض عقوبات خانقة تشل الاقتصاد الإيراني تماماً.
نصيحتهم : لا يمكن التعايش مع النظام الإيراني، والحل الوحيد هو سقوطه.
* هذه النصيحة ورَّطت أمريكا في صراعات لا تنتهي في الشرق الأوسط ، بينما المستفيد الأكبر هو إسرائيل التي تخلصت من منافسين إقليميين أقوياء ، دون أن تخوض الحرب بنفسها وتتحمل أعباءها .
3. ربط المساعدات الأمريكية بملفات إقليمية
تحث مؤسسة (FDD) الإدارات الأمريكية دائماً على قطع المساعدات عن أي جهة تظهر عداءً لإسرائيل ، بما في ذلك السلطة الفلسطينية أو حتى الجيش اللبناني.
نصيحتهم : تجفيف منابع التمويل لأي كيان يهدد أمن إسرائيل، حتى لو كان ذلك يضعف الاستقرار الإقليمي الذي تسعى إليه واشنطن.
4. شرعنة الاستيطان وضم الأراضي
لعبت مؤسسة حماية الديمقراطيات دوراً في تشجيع خطوات مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.
نصيحتهم : دفع واشنطن لتبني الرواية الإسرائيلية بالكامل وتجاهل حل الدولتين.
* هذا أدى إلى عزل أمريكا دولياً وإضعاف صورتها كوسيط نزيه ، وهو ما يضر بالمصالح القومية الأمريكية على المدى البعيد مقابل مكاسب آنية للحكومة الإسرائيلية.
5. تصنيف الجماعات كمنظمات إرهابية
تضغط (FDD) بشكل مستمر لتوسيع قوائم الإرهاب الأمريكية لتشمل ليس فقط الفصائل المسلحة ، بل مؤسسات وشخصيات سياسية مرتبطة بها.
* الهدف : إغلاق أي باب للحوار الدبلوماسي المستقبلي ، مما يبقي الخيار العسكري هو الخيار الوحيد المطروح أمام واشنطن.
6. "حرب الظل" والعمليات السيبرانية الهجومية
شجعت (FDD) الإدارة الأمريكية على تبني نهج هجومي في الفضاء السيبراني واغتيال الشخصيات (مثل دعمها الضمني لعمليات استهدفت علماء نوويين نووين أو قادة عسكريين كبار ).
* الضرر على أمريكا : هذا النهج كسر القواعد الدولية غير المكتوبة ، مما جعل المؤسسات الأمريكية والبنية التحتية في واشنطن أهدافاً مشروعة لهجمات انتقامية من دول مثل إيران وروسيا ، وهو ما زاد من تكلفة الأمن السيبراني الأمريكي.
7. عرقلة "الانسحاب المسؤول" من الشرق الأوسط
كلما حاولت إدارة أمريكية (أوباما، ترامب، أو بايدن) تقليل التواجد العسكري في الشرق الأوسط للتركيز على خطر الصين ، كانت (FDD) تخرج بتقارير تحذر من أن الانسحاب هو "استسلام لإيران".
* الضرر على أمريكا : استنزاف الميزانية الأمريكية في "حروب أبدية" لا تنتهي ، ومنع واشنطن من التفرغ لمنافسة الصين اقتصادياً وتكنولوجياً ، وهو ما يعتبره استنزافاً للقوة الأمريكية لخدمة أمن إسرائيل الإقليمي.
8. استراتيجية استخدام الضغط لدرجة"الحد الأقصى" ضد حزب الله ولبنان.
لم تكتفِ مؤسسة (FDD) بالتحريض ضد حزب الله، بل نصحت بفرض عقوبات على النظام المصرفي اللبناني ككل للضغط على بيئة الحزب.
* الضرر على أمريكا : ساهم هذا في الانهيار الاقتصادي للبنان، مما فتح الباب أمام نفوذ أكبر لإيران وروسيا والصين في شرق المتوسط ، وخلق أزمة لاجئين وعدم استقرار يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة.
تنطوي وجهة نظر العديد من المحللين الواقعيين على مفارقة مثيرة ؛ وهي أن النصائح التي تقدمها مؤسسة (FDD) ، والتي تهدف ظاهرياً لحماية إسرائيل ، قد أدت في الواقع إلى نتائج عكسية أضرت ليس فقط بأمن ومصالح أميركا بل بأمن إسرائيل على المدى الطويل أيضاً ، مثل .
1. البرنامج النووي الإيراني : "القنبلة أصبحت أقرب"
كانت (FDD) المحرض الأول لانسحاب ترامب من الاتفاق النووي في 2018.
* النتيجة المرتدة : قبل الانسحاب ، كانت إيران تحتاج لسنة كاملة لإنتاج ما يكفي من المواد لسلاح نووي ، اليوم وبسبب انهيار الاتفاق ، قلصت إيران هذه المدة كثيراً .
* الضرر على إسرائيل : أصبحت إسرائيل الآن في مواجهة إيران "على عتبة نووية" حقيقية ، وهو وضع أخطر بكثير مما كان عليه الحال أثناء وجود الاتفاق .
2. تآكل "الردع" وتعدد الجبهات
شجعت (FDD) على تبني سياسة "الضغط الأقصى" التي كانت تهدف لخنق إيران حتى الانهيار .
* النتيجة المرتدة : بدلاً من الانهيار ، قامت إيران بتطوير استراتيجية "تنسيق الساحات" ، حيث قامت بتقوية حلفائها في المنطقة (حزب الله ، الحوثيون ، الفصائل في العراق) ليعملوا ككتلة واحدة.
* الضرر على إسرائيل : وجدت إسرائيل نفسها محاطة بـ "حلقة من نار" أكثر تماسكاً وتطوراً عسكرياً ، وهو ما ظهر بوضوح في التحديات التي واجهتها إسرائيل في حروبها الأخيرة ، حيث لم يعد الضغط على جبهة واحدة كافياً لتأمينها .
3. العزلة الدولية وافتضاح السردية الإسرائيلية أمام شعوب العالم وخاصة أوروبا وأميركا .
دفعت (FDD) الإدارة الأمريكية لتبني سياسات اليمين الإسرائيلي المتطرف ، مثل التوسع الاستيطاني ورفض أي أفق سياسي للفلسطينيين.
* النتيجة المرتدة : أدى ذلك إلى نمو حركات المقاطعة وتحول الرأي العام العالمي (خاصة جيل الشباب في أمريكا وأوروبا) ضد إسرائيل.
* الضرر على إسرائيل : خسرت إسرائيل تدريجياً "القوة الناعمة" وبدأت صورتها تتحول من "واحة للديمقراطية" إلى "دولة فصل عنصري" في نظر المنظمات الدولية والمحاكم الجنائية ، مما يهدد شرعيتها الدولية على المدى البعيد ، كما حولتها الحروب المتعاقبة إلى مكان غير آمل وطارد للإستثمارات التي يحتاجها الكيان الصهيوني ليمول حروبه وتفوقه التقني .
4. إضعاف "السند الأمريكي"
من خلال دفع أمريكا لاتخاذ مواقف متطرفة ومنحازة بشكل أعمى لمصلحة إسرائيل ، ساهمت هذه النصائح في جعل الدعم لإسرائيل قضية "حزبية" داخل أمريكا (بين جمهوري وديمقراطي) بعد أن كانت محل إجماع ، وهذا الشرخ داخل اميركا بدأ يتسبب بوصول زعماء لولايات أميركية يجاهرون بمعارضتهم وعدائهم لسياسات اسرائيل التي ورَّطت واشنطن بهذا المستوى من الفشل بسبب لتبعيتهم العمياء لمزاج قادة إسرائيل المتطرفين وضيقي الأفق .
* الضرر على إسرائيل : إذا استمر هذا الانقسام ، فقد تجد إسرائيل نفسها في المستقبل وحيدة وعاجزة نظراً لفقدها الدعم العسكري والسياسي المطلق الذي كانت تتمتع به ، خاصة مع صعود تيار في الحزب الديمقراطي يطالب بربط المساعدات بملحق حقوق الإنسان .
5. تعاظم نفوذ القوى المنافسة لأميركا (الصين وروسيا وإيران)
بسبب دفع واشنطن لتبني سياسات تصادمية في المنطقة بناءً على نصائح (FDD)، لجأت دول المنطقة (مثل السعودية والإمارات وتركيا) للبحث عن بدلاء.
* النتيجة المرتدة: دخول الصين كلاعب دبلوماسي (الوساطة السعودية الإيرانية) وكنموذج لدولة عظمى تبني سياساتها على قواعد من الإحترام المتبادل بين الدول وحفظ الحقوق ومراعاة السلم الدولي وقوانين المنظمات الدولية .
* الضرر على إسرائيل : فقدت إسرائيل الميزة التي كانت تتمتع بها عندما كانت أمريكا هي "اللاعب الوحيد" في المنطقة ، الآن تضطر إسرائيل لموازنة علاقاتها مع قوى قد لا تضع أمن إسرائيل في قمة أولوياتها كما تفعل واشنطن ، وهذا الأمر زاد درجة القلق الوجودي لدى المستوطنين وجعل قادتهم يتورطون في سلسلة من الحروب التي لا نهاية لها في الأفق ، خوفاً من أن يخسروا في فترة السلام والإستقرار مشروعهم الذي أسسوه على قاعدة أنا البطل الوحيد في المنطقة وكل من يعارض هذا الأمر مصيره الإبادة كشعب فلسطين ، في وقت بدأت قوى ناهضة في المنطقة تبني قوتها وتحقق نمواً إقتصادياً وعلمياً قادرة على الوقوف بوجه إسرائيل وداعميها ، في وقتٍ أيضاً بدأت مصادر دعم اسرائيل تنحسر وتتراجع ، وفي وقت لم تترك السياسات المتبعة لقادة إسرائيل من اليمين المتطرف صديقاً لها باستثناء محمد بن زايد آل نهيان زعيم ابو ضبي ، الذي يعرف العالم مدى قدراته الحقيقية وقت الجد ، والذي بيَّنت إيران في حربها الدفاعية الأخيرة صد العدوان المشترك عليها مديات قدراته وأبعادها ، وخسرت إسرائيل في النهاية نتيجة نصائحها الضيقة الأفق ، علاقة مميزة كانت تجمعها بتركيا وبدول الخليج العربي ، هي اليوم بأمس الحاجة إليها .
6. نشوء شرخ استراتيجي في العلاقات الأوروبية الأميركية
تعاظم الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الإدارة الأميركية ، كشف نقاط ضعفها وأفقدها ثقة الأوروبيين بسياساتها وقراراتها لدرجة ، تركها الأوروبيون معها تواجه وحيدةً ، تدمير إيران لقواعدها في دول الخليج ، وإقفالها لمضيق هرمز ، وفرضها إدارةً مباشرةً من قبل الحرس الثوري لتنظيم عبور السفن وناقلات النفط في المضيق بالقوة العسكرية المباشرة ، وهذا أمر جلل تتعرض له أميركا بهذا المستوى من القسوة ، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية .
خلاصة : لقد تأسست الإمبراطورية الأميركية على يدِ عصابات وقراصنة أوروبيين كان مثلهم الأعلى القرصان الإنكليزي هنري مورغان وأمثاله ، وقد تمكنوا من إنشاء إمبراطورية من أعظم الإمبراطوريات التي انتجتها البشرية من حيث القوة والغنى والإنجازات العلمية والتقنية وغزو الفضاء ، وهذا إنجاز مشهود لهم فيه ، ولكن العبرة التي تحتاج إلى وقفة تأمل عميقة وهادئة هو أنه كيف يصبح هذا المشروع الحضاري الغربي الهائل بكل خبراته وكوادره ونخبه وديمقراطيته ومراكز أبحاثه ، مطية لعصابة صهيونية أنتجها العقل الإستعماري الغربي في لحظة نشوةٍ بقوته وقدرته الخارقة على تزوير التاريخ ولي عنق مساراته والقوانين الحاكمة لحركته ، وأخْذَهُ بالإتجاه التي يختاره ويقرره هو ولوحده ، حتى وصل في نهاية المطاف إلى أن تصير أميركا وقادتها الكبار مادةً للتندر والطرافة ، نتيجة تسرع إدارتها في اتخاذ قرارات فاشلة ومترددة ومتناقضة وواهمة ، ولدرجة عادت فيها أميركا كما بدأت ، يقودها مجموعة من اللصوص والقراصنة نحو الفوضى والخراب ، ويدمِّرون بأفعالهم الموتورة والفاقدة لأدنى درجات الوعي والتدبر ، نظاماً عالمياً هو نتاج شعوب وحضارات عملاقة ، وأديانٍ زينت الوجود الإنساني بمنظومة قِيمٍ راقية هي مدعاة فخرٍ واعتزازٍ لكل عاقلٍ وشريف ، وهذا المصير الذي تتجه الإمبراطورية الأميركية نحوه يمثل عبرة للذي يبني مجده على جماجم المستضعفين ، فيكون مصيره كمن "يؤسس بنيانه على جرفٍ هارٍ " فإن مصيره لا شك أنه سينهار به وسيُكبُّ في نهاية المطاف كما يليق به ، على وجهه ويخرج ذليلاً مدحوراً من حلبة صنع التاريخ المشرف لبني البشر .
* مصادر البحث
مقابلات مع الأكاديمي الأميريكي من أصل إيراني تريتا بارسي ، والخبير الأميركي بالشؤون الدولية جان ميرشايمر ، والاستاذ الجامعي الخبير في الإقتصاد جيفري ساكس ، والإعلامي الأميركي الإستقصائي تايكر كارلسون.
ع.إ.س
باحث عن الحقيقة
06/04/2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: