
وقف إطلاق النار لا يعني أن الحرب انتهت… بل أن شكلها تغيّر.
في لبنان، ما يبدو هدوءًا على السطح، ليس سوى إعادة ترتيب لصراع لم يتوقف أصلًا. فالمسألة لا تُقرأ من لحظة التهدئة بحد ذاتها، بل من شبكة أوسع من التوازنات التي أنتجتها.
ما يجري لا يمكن فهمه من زاوية واحدة، لأن القرار فيه لا يُصنع في مكان واحد، بل عند تقاطع ثلاث طبقات: محلية، وإقليمية، وعالمية، تلتقي عند لحظة واحدة… وتفرض إيقاعها.
في الداخل، وبعيدًا عن الإنكار أو التعتيم الإعلامي، كان الميدان المقاوم في الجنوب، بقيادة حزب الله، العامل الحاسم، في ظل قدرته على إعادة تنظيم صفوفه وفرض معادلة استنزاف مستمرة ، كما تشير تقارير بحثية غربية، منها International Crisis Group (2024)، التي تصف المواجهة كحرب استنزاف متدرجة مع حرصٍ متبادل على تجنّب الحرب الشاملة. لم تكن المواجهة شكلية، بل قيّدت إسرائيل ميدانيًا ومنعتها من تحقيق حسم سريع، إذ وجدت نفسها أمام جبهة تُدار بإيقاع مدروس: استنزاف يضبط التصعيد ويمنع الانزلاق إلى حرب شاملة في توقيت غير محسوب.
ضمن هذه المعادلة، لم يكن طرح وقف إطلاق النار منّة سياسية، بل نتيجة قيود فرضها الميدان، حيث تحوّلت الجبهة إلى مساحة استنزاف بدل أن تكون ساحة حسم. غير أن ما تلا وقف النار أكد حدود هذا التحول؛ فاستمرار تفجير القرى الحدودية ومنع العودة ، كما وثّقته تقارير ميدانية حديثة، لا يعكس سيطرة مستقرة، بل محاولة تنفيذ ما تعذّر خلال المواجهة المباشرة، ولكن بكلفة أقل. وحتى لو لم يُسلَّم بأن وقف إطلاق النار كان حاجة إسرائيلية، فإن سلوكها اللاحق يُظهر استثمار هذه المرحلة إلى أقصى حد، عبر دخول القرى الحدودية وتفجير أحيائها ومنع عودة سكانها، بما يتيح إنجاز ما تعذّر خلال المواجهة المباشرة بكلفة أدنى. بذلك، لم يُنهِ وقف إطلاق النار الفعل العسكري، بل أعاد تشكيله، فيما بقيت معادلة الردع قائمة كعامل يحدّ من الحسم دون أن يوقف الصراع.
وقد أثبتت تجربة ما بعد 2006 أن هذه الجبهة لا تُغلق، بل تبقى مساحة توازن هشّ يقوم على الردع المتبادل، مهما تعددت محاولات ضبطه. في هذا البلد، لا نقرأ الحروب كتحليلات… بل نعيشها كحالة انتظار لا تنتهي.
في الإقليم، لا يمكن فصل ما جرى في الجنوب عن مسار أوسع تقوده إيران في مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة.
إيران لا تدير معركة واحدة، بل شبكة ساحات مترابطة، من غزة إلى لبنان، ومن العراق إلى اليمن، تتقاطع ضمن توازن إقليمي واحد، حيث يُبقي التصعيد في ساحة ما أثره على الساحات الأخرى، كما تشير إليه تحليلات غربية حول مخاطر انزلاق أي مواجهة مع حزب الله إلى صراع أوسع يشمل إيران. وفي هذه اللحظة، لم يكن من مصلحتها تفجير جبهة لبنان إلى أقصاها، بل إبقاؤها ورقة ضغط ضمن توازن أكبر. في المقابل، كانت واشنطن تعمل على منع توسّع الحرب، عبر وساطات وضغوط دبلوماسية، خشية الانجرار إلى مواجهة إقليمية مفتوحة لا يمكن التحكم بنتائجها.
هكذا، لم يكن ضبط الإيقاع نتيجة قرار أحادي، بل نتيجة ضغط متبادل مارسته كل من الولايات المتحدة وإيران، كلٌّ وفق أدواته، ضمن نمط تكرر في أكثر من محطة، حيث يبلغ التصعيد ذروته قبل أن يُعاد ضبطه سريعًا ضمن سقف يمنع الانفجار الكبير.
في العالم، تبدو الصورة أكثر براغماتية. تميل القوى الكبرى إلى إدارة الحروب أكثر من إنهائها. فالحرب المفتوحة في لبنان تعني تهديدًا لممرات الطاقة ، واهتزازًا في الأسواق، واحتمال توسّع لا يمكن ضبطه. لذلك، يتجه الضغط الدولي نحو التهدئة، ليس لحماية لبنان، بل لحماية توازنات أوسع، كما يظهر في تسارع الدعوات إلى ضبط النفس والتحذير من تداعيات أي تصعيد .
بين هذه الطبقات الثلاث، لم يكن وقف إطلاق النار قرارًا منفصلًا، بل نتيجة تلاقٍ موضوعي للمصالح، كان ضغط الميدان العامل الحاسم في فرضه:
إسرائيل تسعى للخروج من استنزاف غير مضمون، بعدما اصطدمت بقدرة المقاومة على إعادة تنظيم نفسها واستمرارها في فرض معادلة ردع.
إيران تريد إبقاء أوراقها حيّة دون حرقها في مواجهة مفتوحة.
الولايات المتحدة تسعى إلى احتواء التصعيد ومنع توسعه. فيما تعمل القوى الدولية على تجميد الانفجار عند حدوده الدنيا… لا حلّه.
وسط هذا كله، لا يمكن تجاهل أن ما فرض هذا التقاطع أصلًا هو صمود الجنوب ومعادلة الردع التي كرّستها المقاومة. فلو كانت الجبهة رخوة، لما كان هناك ما يُجبر الآخرين على إعادة حساباتهم. لكن، وفي الوقت نفسه، لا يعني هذا التقاطع أن الصراع انتهى. ما جرى هو إدارة لحظة، لا حلّ أزمة. الهدوء الحالي ليس سلامًا، بل استراحة ضمن مسار مفتوح، يمكن أن ينقلب في أي لحظة إذا اختلّ توازن إحدى هذه الطبقات.
ما تغيّر ليس فقط تلاقي المصالح، بل أن هذا التلاقي لم يعد استثناءً، بل أصبح نمطًا متكررًا في إدارة الصراع في المنطقة. وهذا يعني أن أي جولة قادمة لن تُحسم بسهولة، بل ستُدار ضمن السقوف نفسها، ما لم يحدث اختلال كبير في ميزان إحدى هذه الطبقات الثلاث.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة الحديث عن التفاوض وخطاب الرئيس جوزيف عون بمعزل عن هذا التقاطع. فالتفاوض لا يأتي كنتيجة قرار داخلي صرف، ولا بمعزل عن التوازن الذي فرضه الميدان، بل كترجمة سياسية لمعطيات فُرضت على أكثر من مستوى، فيما يعكس الخطاب الرسمي محاولة تثبيت موقع الدولة داخل هذه المعادلة، ولو بلغة تختزل تعقيدها أو تتجاهل بعض عناصرها.
هنا تحديدًا، تظهر مسافة واضحة بين ما يُدار في العمق، وما يُقال في العلن: بين صراع تُرسم حدوده بتقاطع القوى، وخطاب يسعى إلى تقديمه ضمن إطار سيادي مكتمل.
في لبنان، لا شيء يحدث بمعزل عن غيره. كل رصاصة في الجنوب لها صدى في الإقليم، وكل قرار في العواصم الكبرى يترك أثره هنا.
ما جرى ليس تثبيتًا لوقف إطلاق النار… بل تثبيت لقواعد الاشتباك الجديدة.
أما ما بعدها، فلا يُقرأ من الهدوء… بل مما يتحرّك خلفه.
&&&
/References المراجع:
1 - Reuters. (2026, April 20). Israel entrenches hold in south Lebanon, warns residents to stay out.
https://www.reuters.com/world/middle-east/israel-entrenches-hold-south-lebanon-warns-residents-stay-out-2026-04-20/
2- International Crisis Group.
“Preventing Escalation between Hizbollah and Israel.”
Watch List 2024 – Spring Update, 23 May 2024.
https://www.crisisgroup.org/europe-central-asia/europe/european-union/watch-list-2024-spring-update
3- International Energy Agency (IEA).
Oil Market Report. 2024.
https://www.iea.org/reports/oil-market-report
الخيام | khiyam.com
تعليقات: