
هل نحن أمام مرحلة مفصلية جديدة في تاريخ لبنان.
مع تزايد موجات النزوح والتهجير من قرى الجنوب والبقاع والضاحية .. وبعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على انتشار النازحين على الطرقات. وعدم قدرة مراكز الايواء التي أحدثتها الدولة على استيعاب المهجرين لتزايد أعدادهم... بدأت تتجه الأنظار الى اقامة مخيّمات واسعة لاستيعاب موجات النازحين والذين بات عددهم نحو 1.3 مليون مهجّر.. مما يذكر بسنوات الحرب اللبنانية قبل نصف قرن، حيث تم انشاء مخيمات لإيواء المهجرين في مناطق متفرقة برغم اختلاف المواقف السياسية، لكن هذه المخيمات استمرت لسنوات ما أدى الى توترات بين المهجرين والسكان في البيئات المستضيفة..
واليوم تجري محاولات لاستحداث مراكز ايواء سكنية، ومخيّمات في بعض المناطق.. ما أدى الى عدم موافقة وموجة اعتراض واسعة من جهات سياسية خشية التداعيات الأمنية والبيئية على الأحياء المجاورة، ومخاوف السكان من توسّع سكاني عشوائي، ما قد يؤدي الى اختلال في التوازنات السياسية القائمة..
**النزوح القسري وإشكالية المخيّمات، والانعكاسات السياسية– المجالية بين إدارة الأزمة وإعادة إنتاج التوترات البنيوية**
مقدمة
تشهد الساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة تصاعدًا غير مسبوق في موجات النزوح القسري، خاصة من مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، حيث بدأت تتكوّن أزمة حادة في القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء الرسمية، ما دفع نحو طرح خيار إقامة مخيّمات واسعة النطاق لاستيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين. إلا أن هذا الخيار، رغم طابعه الإنساني والإغاثي، يفتح الباب أمام إشكاليات معقدة تتجاوز البعد الإجرائي لتطال البنية الاجتماعية والسياسية، وتعيد إلى الواجهة تجارب تاريخية حساسة شهدها لبنان خلال الحرب الأهلية.
أولاً: من الإيواء المؤقت إلى المخيّمات الدائمة
تُظهر التجارب المقارنة، وكذلك الحالة اللبنانية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أن المخيّمات التي تُنشأ كحلول مؤقتة غالبًا ما تتحول إلى تجمعات سكانية شبه دائمة. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها: طول أمد الأزمات، وصعوبة العودة إلى مناطق الأصل بسبب الدمار، ثم غياب خطط إعادة إعمار سريعة ..
وفي السياق الحالي، فإن طرح إقامة مخيّمات واسعة، يطرح احتمال انتقال الأزمة من نموذج نزوح متنقل إلى نموذج استقرار قسري طويل الأمد. وهذا التحوّل يحمل دلالات ديموغرافية ومجالية عميقة، إذ يؤدي إلى تثبيت توزيع سكاني جديد قد يصعب تغييره لاحقًا.
ثانياً: الضغط على المجتمعات المستضيفة وإنتاج التوتر الاجتماعي
مع تزايد أعداد النازحين وانتشارهم في مناطق الاستقبال، وبمرور الزمن ونتيجة الدمار الشامل، واستحالة العودة في بعض المناطق، ما قد يؤدي الى بداية ضغط متصاعد على المجتمعات المحلية، بحيث يتزايد مستوى ارتفاع الطلب على السكن والخدمات، وزيادة المنافسة على فرص العمل.. ثم تدهور البنية التحتية المحدودة أصلاً ..
وفي ظل غياب إدارة فعالة لهذه التحولات، تتزايد احتمالات نشوء توترات بين النازحين والسكان المحليين، خاصة عندما يشعر سكان الأحياء المضيفة والمجاورة لمراكز الإيواء والمخيمات، بأنهم يتحملون كلفة الأزمة دون دعم كافٍ من الدولة أو المجتمع الدولي. وتُظهر التجارب السابقة أن هذه التوترات قد تتطور من احتكاكات اجتماعية محدودة إلى صراعات كامنة ذات طابع اقتصادي أو سياسي.
ثالثاً: الذاكرة التاريخية وإعادة إنتاج المخاوف
لا يمكن فصل ردود الفعل الرافضة لإقامة المخيّمات، عن الذاكرة الجماعية المرتبطة بتجربة المخيمات خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ولا سيّما تلك المرتبطة باللاجئين الفلسطينيين. فقد تحولت بعض تلك المخيمات مع الوقت إلى كيانات شبه مستقلة، ما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
وفي هذا الإطار، فإن الاعتراضات الحالية على إنشاء مخيّمات جديدة لا تعبّر فقط عن مخاوف آنية، بل تعكس قلقًا من تكرار التجربة التاريخية، وتخوفًا من تحول المخيّمات إلى بؤر دائم، مع هواجس تتعلق بالتوازنات السكانية والسياسية.. بحيث أن إدارة ملف النزوح لا يمكن أن تكون تقنية فقط، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار البعد الرمزي والتاريخي...
رابعاً: البعد السياسي وإشكالية التوازنات السكانية
في مجتمع متعدد البنى الاجتماعية كلبنان، يرتبط التوزيع السكاني بشكل وثيق بالتوازنات السياسية. ومن هنا، فإن أي إعادة توزيع مفاجئة للسكان— كما يحدث حاليًا نتيجة النزوح— قد تُفسَّر على أنها:
• تغيير في الوزن الديموغرافي لبعض المناطق
• إعادة تشكيل غير مباشرة للتمثيل السياسي
وتزداد حساسية هذه المسألة عند طرح إقامة مخيمات، إذ يُخشى أن يؤدي ذلك إلى: توسع سكاني غير منظم .. وتثبيت وقائع ديموغرافية جديدة .. مع خلق اختلالات في التوازنات المحلية. وهذا ما يفسر موجة الاعتراض السياسي والشعبي على بعض مواقع المخيّمات المقترحة.
خامساً: المخاطر البيئية والعمرانية
إضافة إلى الأبعاد الاجتماعية والسياسية، تطرح إقامة مخيمات واسعة تحديات بيئية وعمرانية، خاصة في مناطق حضرية مكتظة. وتشمل هذه التحديات: الضغط على شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات .. ثم بمرور الوقت تدهور البيئة الحضرية المجاورة.
وفي حال غياب تخطيط مسبق، قد تتحول هذه المخيمات إلى تجمعات عشوائية تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الصحة العامة، ما يزيد من تعقيد الأزمة.
سادساً: من إدارة الطوارئ إلى إدارة الأزمة البنيوية
تكشف المعطيات الحالية أن التعامل مع النزوح لا يمكن أن يبقى في إطار الاستجابة الطارئة، بل يتطلب الانتقال إلى: إدارة أزمة بنيوية طويلة الأمد.. ويشمل ذلك تطوير سياسات إسكان مؤقتة مرنة .. ثم توزيع عادل للنازحين جغرافيًا .. وتوفير كافة مستلزمات دعم المجتمعات المستضيفة .. والتخطيط لايجاد خطط اسكانية مبكرة قبل تحول المخيمات إلى كيانات دائمة ..
كما يتطلب ذلك ربط هذه السياسات باستراتيجيات أوسع تشمل: إعادة الإعمار.. والحد من الهجرة الخارجية.. ثم تعزيز الاستقرار الاقتصادي..
سابعاً: سيناريوهات محتملة لإيواء 300 ألف اسرة..
ويمكن لمواجهة ملف النزوح والتهجير والذي بات يضم قرابة مليون و300 ألف نازح ومهجّر، وفي ضوء المعطيات الحالية حيث باتت تتكشف مشاهد الدمار الواسع في أحياء الضاحية وقرى الجنوب والبقاع، ما يؤشر الى اطالة عمر الأزمة.. بحيث يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
الأول مع التوسع غير المنظّم ما يؤدي الى انتشار المخيّمات ، وتصاعد التوترات، ثم تفاقم أزمة المهجرين..
الثاني هو الاحتواء الجزئي، حيث يتم تنظيم الإيواء المؤقت في المؤسسات التعليمية والمواقع السياحية، وبعض المراكز الدينية، ما يؤدي الى احتواء الأزمة في مراحلها الأولى، وتخفيف الاحتكاكات.. وهذا بمثابة استقرار هش يتم اعتماده اليوم.
والثالث يتطلب الإدارة المستدامة للأزمة باعتماد تخطيط استراتيجي ورسم خارطة منظمة لكافة ابعاد أزمة النزوح والتهجير، مع التوجه لتأمين دعم دولي من خلال مشاركة الهيئات والمنظمات الدولية، وبخاصة منظما ت الأمم المتحدة التي تعنى بقضايا اللاجئين والمهجرين .. ما يساعد على احتواء الأزمة والتخفيف من تداعياتها على المدى الطويل الأمد..
خارطة طريق لإدارة مستدامة لأزمة النزوح الداخلي في لبنان
يواجه لبنان أزمة نزوح داخلي غير مسبوقة من حيث كثافة الأبنية المهدمة والمتضررة، حيث تشهد البنية التحتية والمنازل في لبنان دماراً واسعاً، وتشير التقارير المتعددة حتى بداية آذار عام 2026 إلى مستويات تدمير هائلة، تشمل مناطق واسعة في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، وإلى تضرر أو تدمير ما يزيد عن 45 ألف وحدة سكنية تدميراً كلياً أو شديداً في قرى جنوب لبنان وحده. حيث تم تدمير أكثر من 70% من البنية التحتية في بعض البلدات، كما تضررت شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والطرق بشكل واسع، حيث قدرت تقارير للبنك الدولي مجمل تكاليف إعادة الإعمار والتعافي بنحو 11 إلى 14 مليار دولار، منها حوالي 6.8 مليار دولار أضرار مباشرة في البنية التحتية المادية...
وفي ضوء هذه التحديات، تقترح خارطة الطريق المطلوبة، مواجهة الأزمة على مرحلتين:
- الأولى باعتماد نموذج إيواء للحالات الانسانية الطارئة، لوضع خطة طوارئ عاجلة على المدى القصير (3-6 أشهر)، حيث لا بد في البداية وقبل انشاء مخيّمات، وقبل بدء التوترات والنزاعات في أماكن النزوح، الاسراع لوضع خطة طوارئ عاجلة وبدعم دولي توفير تمويل (400-500 مليون دولار) كمرحلة أولى لتأمين إيواء سريع، مع اعطاء الأولوية للأسر المشرّدة (بين 20-30 ألف اسرة)، التي تنتشر في الأماكن العامة بدون مأوى. وهذا يتطلب اعادة تأهيل بعض المباني العامة (50%)، وتوفير موارد دعم الاستضافة لدى العائلات التي استضافت النازحين (25%)، ثم انشاء وحدات سكنية مسبقة الصنع ومحدودة الكلفة ومنظمة (25%).
أما الخطة الثانية على المدى الطويل ومع الأخذ بالاعتبار مراحل التهجير السابقة، فهي: ترتكز إلى ثلاثة مكوّنات رئيسية:
- الإيواء الموزّع عبر دعم دولي لتصميم رؤيةً لإنشاء قرى عمودية نابضة بالحياة ، بمثابة مشروعً سكني عالي الكثافة ومتعدد الطوابق، يُجسّد الإمكانيات المعمارية والفوائد الاجتماعية ..
- إنشاء تجمعات سكنية مؤقتة منظّمة باستخدام وحدات مسبّقة الصنع، تقام في بعض أملاك الدولة والمشاعات كالبيادر وبعض المراعي والأحراج القريبة التي تخص الدولة.
- إعادة تأهيل المباني العامة والخاصة أو المهجورة وغير المستغلة والمهملة، وتحويلها إلى مساحات فعّالة يمكن استخدامها في حال الطوارئ...
كما توصي الخطة باعتماد توزيع جغرافي لامركزي للنازحين، بحيث يتم استيعابهم ضمن نسب مدروسة في مختلف المناطق (بيروت وجبل لبنان، الشمال، البقاع، ومناطق أخرى)، وفق معايير القدرة الاستيعابية والبنية التحتية والقبول الاجتماعي. ويُعد هذا التوزيع عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على الاستقرار ومنع تشكّل تجمعات سكانية عشوائية كبيرة.
على مستوى الحوكمة، تدعو الخطة إلى إنشاء هيئة وطنية لإدارة النزوح تتولى التنسيق بين مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك البلديات والمنظمات الدولية، مع تعزيز دور السلطات المحلية في التنفيذ وإدارة الاحتكاكات المجتمعية. كما تؤكد على ضرورة دعم المجتمعات المضيفة من خلال تحسين الخدمات والبنية التحتية، لتفادي نشوء توترات ناتجة عن تقاسم الموارد المحدودة.
اقتصاديًا، تشدّد الخطة على أهمية ربط سياسات الإيواء ببرامج خلق فرص العمل ودعم الاقتصاد المحلي، بما يخفف من الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية، ويساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي. وفي ظل تأخر إعادة الإعمار، توصي الخطة بتصميم حلول الإيواء بحيث تكون مرنة وقابلة للتحوّل أو التفكيك، بما ينسجم مع سيناريوهات العودة المستقبلية.
رغم ذلك، تواجه هذه الاستراتيجية مجموعة من المخاطر، أبرزها محدودية التمويل، والتجاذبات السياسية، ورفض بعض المجتمعات المحلية، إضافة إلى خطر تحول الإيواء المؤقت إلى دائم. وعليه، فإن نجاح هذه الخطة يتطلب التزامًا سياسيًا واضحًا، وشراكة فعالة مع المجتمع الدولي، واعتماد مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية للأزمة.
خلاصة عامة
تشير التطورات الراهنة إلى أن لبنان يواجه مرحلة حرجة في إدارة النزوح القسري والتهجير الجماعي، ومواجهة الاعتداءات الاسرائيلية الواسعة... حيث يتقاطع البعد الإنساني مع تعقيدات ديموغرافية وسياسية عميقة. فإقامة المخيمات، رغم ضرورتها الآنية، تحمل مخاطر تحوّلها إلى واقع دائم يعيد تشكيل الجغرافيا السكانية ويعيد إنتاج توترات تاريخية كامنة. وفي ظل غياب سياسات شاملة، قد يؤدي استمرار هذه الديناميات إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية وتعميق الهشاشة البنيوية.
ختامًا، تمثّل إدارة النزوح في لبنان اختبارًا حاسمًا لقدرة الدولة والمجتمع على احتواء أزمة مركّبة قبل الدخول في الفوضى، حيث لا يقتصر التحدي على تأمين المأوى، بل يمتد إلى الحفاظ على التوازن الاجتماعي ومنع انزلاق الأزمة نحو تحولات بنيوية طويلة الأمد.
الدكتور علي فاعور، رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية
الخيام | khiyam.com
تعليقات: