
لم تعد الحروب في زمننا تُخاض بالصواريخ والطائرات فقط، بل تُخاض أيضًا بالكلمات والسرديات.
فبينما تتبادل الدول الضربات في الميدان، تتحرك في موازاتها معركة أخرى لا تقل ضراوة: معركة السيطرة على الرواية وتوجيه الرأي العام.
في الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يقتصر الصراع على الميدان العسكري. فالتصريحات المتلاحقة الصادرة عن واشنطن حول "تدمير القدرات" و"النصر القريب" سرعان ما تتجاوز حدود الجغرافيا لتجد صداها في ساحات أخرى بعيدة عن مركز القرار، ومنها لبنان.
وهكذا، ما إن يُطلق تصريح جديد من البيت الأبيض حتى يتردد صداه سريعًا في النقاشات السياسية والإعلامية المحلية، حيث تظهر على الشاشات والمنصات سردية تكاد تكون متطابقة في مفرداتها ومعانيها: الحديث عن انهيار وشيك، أو عن نهاية قريبة لقوة إقليمية، أو عن ضرورة استثمار اللحظة لإعادة رسم التوازنات الداخلية.
في هذه اللحظة تحديدًا، يصبح لبنان أكثر من مجرد متلقٍ للأحداث؛ يتحول إلى ساحة صدى تتردد فيها الحرب نفسها، ولكن بلغة مختلفة: لغة التصريحات والتحليلات والتعبئة الإعلامية.
حرب التصريحات
منذ بداية التصعيد، اعتمد الخطاب الأميركي لغة تقوم على إعلان انتصارات متكررة:
الحديث عن القضاء على القدرات النووية، وتدمير البنية الصاروخية، وإغراق السفن الإيرانية، والتأكيد أن الحرب "شارفت على النهاية".
لكن هذه التصريحات، بصرف النظر عن دقتها العسكرية، تؤدي وظيفة سياسية واضحة: بناء سردية النصر وإدارة الرأي العام في الداخل الأميركي وبين الحلفاء.
وفي المقابل، تعتمد إيران خطابًا معاكسًا يقوم على التأكيد أن قدراتها ما زالت قائمة وأنها قادرة على الرد، ما يجعل المشهد أقرب إلى حرب سرديات والحقيقة تبقى في الميدان.
انعكاس السردية في لبنان
لبنان، بحكم موقعه وتعقيداته السياسية، يتحول سريعًا إلى ساحة يتردد فيها صدى هذه السرديات.
فما إن تصدر تصريحات أميركية عن "انتصار وشيك" أو "تدمير شامل"، حتى يظهر في الداخل اللبناني خطاب سياسي وإعلامي يعيد إنتاج المعنى نفسه، عبر الحديث المتكرر عن انهيار قريب للمقاومة أو عن ضرورة إنهاء دورها العسكري في البلاد.
وهنا يتحول النقاش الداخلي من نقاش حول السياسات أو الاستراتيجيات الدفاعية إلى حملة تعبئة سياسية وإعلامية تحاول فرض قناعة محددة: أن المقاومة هي أصل المشكلة في لبنان والمنطقة.
وفي سياق هذه السرديات، لم يقتصر الأمر على تحميل المقاومة مسؤولية ما يجري، بل امتد ليطال المؤسسة العسكرية نفسها. فقد ظهرت في بعض المنابر الإعلامية تسريبات وحديث متكرر عن أسماء بديلة لقيادة الجيش، قيل إن دوائر دولية طرحتها في إطار البحث عن قيادة أكثر استعدادًا لمواجهة ملف سلاح المقاومة.
وبالتوازي مع ذلك، بدأ خطاب آخر يتشكل في الإعلام الداخلي، يحمّل الجيش مسؤولية مباشرة عن عدم حسم هذا الملف، ويصوّر المؤسسة العسكرية وكأنها متقاعسة عن القيام بواجبها، أو حتى متواطئة مع المقاومة. هكذا تُطرح المسألة في معادلة تبسيطية خطيرة: إما أن يواجه الجيش المقاومة مهما كانت الكلفة، أو يُتهم بالتقصير.
هذه المقاربة لا تضغط فقط على المقاومة، بل تضع الجيش نفسه في قلب معادلة سياسية شديدة الحساسية، وتدفع بالمؤسسة التي يُفترض أن تبقى عامل توازن وطني إلى موقع الصدام الداخلي.
من النقاش السياسي إلى خطاب التحريض
المشكلة لا تكمن في وجود اختلاف سياسي حول سلاح المقاومة، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع تعددي. لكن ما برز في الفترة الأخيرة هو انتقال الخطاب من مستوى النقاش إلى مستوى التحريض والتشهير. فقد امتلأت بعض المنابر الإعلامية ومنصات التواصل بعبارات قاسية تصل أحيانًا إلى مستوى غير مسبوق من الشتم والتبخيس الشخصي، ليس فقط بحق المقاومة وقيادتها، بل أيضًا بحق البيئة الاجتماعية التي تقف خلفها.
وفي مثل هذا المناخ، يصبح الخطاب السياسي أقرب إلى حملة تعبئة نفسية تتغذى من أجواء الحرب الإقليمية وتعيد إنتاجها داخل المجتمع اللبناني.
مثال على الانقسام الداخلي
ما حدث مؤخرًا في بلدة القليعة الجنوبية (المسيحية) بعد القصف الذي طال أحد الكهنة يكشف جانبًا آخر من تأثير هذه السرديات.
فبدل أن يتجه النقاش مباشرة إلى إدانة القصف نفسه، انقسمت التفسيرات سريعًا حول أسبابه، وبرز خطاب قاس ٍ ومباشر يحمّل المسؤولية لوجود المقاومة فيها وهو أمر غير صحيح، إذ جرى تجاهل ذكر المعتدي. وهو العدو الاسرائيلي. مع العلم ان القليعة ضيعة مجاورة لضيع متعددة الطوائف ويربط بينهم ذاكرة وحسن الجوار.
وهذا يعكس ظاهرة أوسع في المجتمعات المنقسمة، حيث يُعاد تفسير كل حادثة وفق الاصطفاف السياسي المسبق، فتتحول الوقائع الميدانية إلى مادة إضافية في معركة الروايات الداخلية.
لبنان كساحة صدى للصراع
بهذا المعنى، لا يعيش لبنان الحرب فقط عبر حدوده الجنوبية أو عبر الأخبار القادمة من الخارج، بل يعيشها أيضًا عبر المعركة على الرواية والتفسير.
فالحرب الإقليمية لا تنتقل إلى الداخل اللبناني بالصواريخ وحدها، بل أيضًا عبر الخطاب السياسي والإعلامي الذي يعيد إنتاجها داخل المجتمع نفسه، ويحوّل بعض المنابر إلى مرايا تعكس الصراع الدائر خارج الحدود.
وما بين التصريحات الدولية والضجيج الإعلامي الداخلي، تبدو السردية وكأنها تتحرك عبر أكثر من ساحة في الوقت نفسه.
الخاتمة
في زمن الحروب، لا تتحرك الجيوش وحدها، بل تتحرك معها السرديات التي تحاول فرض تفسير واحد للواقع. وبينما تتطاير التصريحات من العواصم الكبرى، تتلقفها ساحات أصغر لتعيد إنتاجها بلغتها الخاصة. وهكذا يجد لبنان نفسه مرة أخرى داخل معركة لا تقتصر على الميدان، بل تمتد إلى الوعي العام، حيث يصبح الصراع الحقيقي على من يملك القدرة على تعريف الحقيقة قبل أن تُكتب نتائج الحرب على الأرض.
#حرب_السرديات
#لبنان
#الإعلام_والسياسة
#مي_حسين_عبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: