
تتوقف الفانات في منتصف الطريق، وتغلق المنافذ كلها وكأن الشارع ملك خاص(مصطفى جمال الدين)
في الضاحية الجنوبية، لا تبدأ زحمة السير عند ساعة الذروة ولا تنتهي بانقضائها. هنا، يتحوّل الطريق إلى ساحة صراع مفتوحة، حيث يتقدّم الأقوى لا الأحقّ، وتُكتب قواعد السير بـ"الزمّور" لا بالقانون. بين فان يقفل شارعاً بكامله ليحمّل ركابه، ودراجة نارية تخترق الزحام كرصاصة طائشة، وسيارة متوقفة في منتصف الطريق لأن "لا خيار آخر"، يعيش المواطن يومياً تجربة فوضى مُقنّعة باسم الواقع.
هذه ليست أزمة سير عادية، بل مشهد مصغّر لدولة تتراجع أمام "دويلات" تتحكّم بالشارع، وتفرض منطقها الخاص على حساب السلامة والكرامة والحق العام.
منطقة تعاني أزمات متراكمة: مافيا المولّدات، مافيات المياه، انتشار العصابات، غياب التنظيم العمراني، وانفجار سكاني هائل… وكل ذلك ينعكس اليوم على الطرقات التي باتت مسرحاً مفتوحاً للفوضى المرورية.
في الضاحية، لا أحد يقود بهدوء. التوتر جزء من القيادة، والخوف رفيق يومي، ليس من الحوادث فقط، بل من سلوكيات متهورة تُمارَس بلا أي رادع. فالزحمة هنا ليست نتيجة عدد السيارات وحده، بل هي نتاج نظام كامل خارج السيطرة.
الفانات: دولة داخل الدولة
أكثر ما يرعب السائقين في الضاحية هو الفانات. هذه المركبات تحوّلت إلى ما يشبه "ميليشيا سير" تفرض قواعدها الخاصة: تقطع الإشارات الحمراء، تسير عكس الاتجاه، تتوقف في منتصف الطريق، وتغلق منافذ كاملة لتحويلها إلى نقاط تحميل ركاب، وكأنها تملك الشارع.
ويبرز مثال صارخ مقابل كنيسة مار مخايل باتجاه الشياح – الطيونة، حيث يتكرر المشهد يومياً: فان يقفل الطريق أمام السيارات ليعبّئ الركاب، في استخفاف كامل بالقانون وبكرامة الناس. والأسوأ أن أي سائق يحاول الالتزام بالإشارة الحمراء يتعرّض للضغط بالزمور من الفان خلفه، في محاولة لدفعه إلى المخالفة.
ورغم انتشار الشرطة البلدية، نادراً ما تُسجّل محاضر بحق هذه الفانات، ولا تُدوّن أرقام لوحاتها، ما يخلق انطباعاً عاماً بأن هناك “حصانة غير معلنة” تحميها.
الدراجات النارية: شبح في كل زاوية
أما الدراجات النارية، فقد تحوّلت إلى كابوس حقيقي. أعدادها هائلة، وربما تفوق عدد السيارات في بعض الشوارع. لا خطوط، لا إشارات، لا مسارات، ولا أي التزام بقانون السير.
يقود أصحابها بسرعة جنونية، يمرّون من أضيق الزوايا، يقومون بحركات بهلوانية، ويخاطرون بحياتهم وحياة غيرهم. والأخطر هو انتشار ظاهرة المراسلة على واتساب أثناء القيادة، حيث تميل الدراجة فجأة يميناً وشمالاً لأن سائقها منشغل بهاتفه، في مشهد يومي قد ينتهي بكارثة في أي لحظة.
المؤسسات الكبرى: شريك في الفوضى
تتحمّل المؤسسات التجارية الكبرى جزءاً أساسياً من الأزمة: أفران، صيدليات، مطاعم، مقاهٍ، محلات الحلوى، وحتى محال الخضار الكبيرة، تصطف أمامها السيارات في وسط الطريق العام، من دون أي مساحات مخصصة للتوقف، فتتحوّل الشوارع إلى عقد مرورية خانقة.
لا تنظيم، ولا إشراف فعلياً، ولا إلزام لهذه المؤسسات بتأمين مواقف خاصة لزبائنها، في وقت تتحمّل فيه الطرقات الضيقة ضغطاً يفوق قدرتها.
درغام: نعمل بين القانون والواقع
يؤكد رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية محمد درغام أن عناصر الشرطة البلدية يعملون يومياً على تنظيم السير وضبط المخالفات، إلا أن الواقع الميداني يفرض تحديات استثنائية.
ويشرح أن ركن السيارات في الصف الثاني بات شبه حتمي، خصوصاً في محيط المدارس وعلى طريق المطار، حيث يضم هذا المحور وحده أكثر من سبع أو ثماني مدارس، ما يؤدي إلى ضغط هائل يستمر من ساعة إلى ساعة ونصف يومياً.
ويقول درغام: "لا يمكن منع الأهالي من الحضور لاصطحاب أولادهم. القاعدة بسيطة: إذا أردت أن تُطاع فاطلب المستطاع".
ويضيف أن البلدية تنظّم محاضر ضبط في الأوقات العادية، حتى في الشوارع الرئيسية. لكن الإمكانات البشرية المحدودة، واعتماد الدوريات المتحركة بدل العناصر الثابتة، تؤدّي أحياناً إلى تفاوت في تطبيق القانون، وهي مشكلة تعاني منها حتى قوى الأمن الداخلي.
خطوات أكثر تشدداً
يكشف درغام أن الاتحاد يستعد لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة، أبرزها:
•سحب السيارات المركونة في الصف الثاني.
•إطلاق حملة ضبط بيئي بحق من يرمي النفايات من السيارات.
ويؤكد أن الهدف ليس الجباية، بل تغيير السلوك العام وترسيخ ثقافة احترام الفضاء المشترك.
الفانات غير الشرعية… قرار أكبر من البلديات
يشدد درغام على أن الفانات غير المرخصة تشكل أحد أبرز أسباب الفوضى، وأن مصادرتها ضرورة لا تقل أهمية عن تنظيم الدراجات النارية. لكنه يلفت إلى أن هذا القرار يتطلب غطاءً من الدولة، لا من البلديات وحدها، رغم وجود قرار محلي بالبدء بحملات إزالة المخالف منها.
ولا يخفي درغام أن المشكلة أعمق من مجرد ضبط مخالفات، بل ترتبط بثقافة عامة غائبة: "المواطن لا يزال يتعامل مع الشارع على أنه ملك للدولة لا ملك له، فيرمي النفايات من سيارته ويخالف من دون شعور بالمسؤولية. نحن بحاجة إلى وقت طويل لتغيير هذه الذهنية. الضبط ضروري، لكنه غير كافٍ. المطلوب نقل عام، ثقافة مشي، توعية، وشعور جماعي بأن الشارع هو امتداد للبيت، لا ساحة للفوضى".
في الضاحية الجنوبية، لم تعد أزمة السير تفصيلاً عابراً يمكن احتواؤه بحملات ظرفية أو بيانات تبريرية، بل تحوّلت إلى مرآة صادقة لفوضى أوسع تضرب مفهوم الدولة والنظام والحق العام. ما يجري على الطرقات ليس مجرد زحمة، بل هو صراع يومي بين منطق القانون ومنطق الغلبة، بين مدينة تبحث عن حياة طبيعية، وواقع يفرض عليها العيش في حالة طوارئ دائمة.
وإذا كانت البلديات "تعمل بين القانون والواقع"، كما يقول درغام، فإن السؤال الأكبر يبقى: إلى متى يبقى الواقع أقوى من القانون؟ وإلى متى يدفع المواطن ثمن غياب الحلول الجذرية؟ فالضاحية لا تحتاج فقط إلى تنظيم سير، بل إلى مشروع إنقاذ حضري متكامل يعيد للشارع هيبته، وللناس حقهم في العبور بأمان، وإلا تبقى الفوضى قدراً لا رجعة عنه.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: