
وأنت تحدق في المأساة، لا تراها مجرد حادثة من زمن بعيد، بل تضيف اليها وجع المفارقة : مآسي الفقد في مقابل مآسي العيش الرغيد الذي يمر اليوم غير مكترث.
لا تكاد تهمس بأسمائهم حتى تنقض عليك صاعقة الشعور المفجع. كأن الذاكرة تأبى ان تروى ببرود، وكأن الحكاية تطلب قلبا لا قلما فقط.
أقاموا هنا...
ضيوفا في الخيام.
في هذا المكان تحديدا.
ليس في المشهد مجرد إعياء ذكرى، بل ما هو اشدّ إيذاء : حضور الغياب، و ثقل الدم، نداء الأرواح التي لم تغادر.
هم بعد الموت والفناء أحياء...أحباء أحياء حقا.
اناس كانوا يستحقون الحياة، كل الحياة.
وجوههم ما زالت تتلألأ في الذاكرة، كأنها أحجار كريمة من ياقوت ولؤلؤ وألماس، لا يبهت بريقها مهما طال الزمن.
وفي حكاية هؤلاء الأحبة الأحباء، يتقدّم الجنوب شاهدا على زمن كان فيه ساحة صراع و تنازع نفوذ، بين قوى متحاربة خلال الحربين العالمتين الأولى والثانية.
ولفرنسا وبريطانيا ودول التحالف في منطقتنا تاريخ ثقيل، مثقل بالمجازر، موشوم بدماء شعوب قالت يوما هذه القوى انها جاءت لتحضرها، فاذا بها تفني الإنسان وتكسر الحجر وتسرق الحياة بإسم الرسالة والإنسانية.
وفي هذا السجل المعتم، نفتح اليوم صفحة منسية عمدا، مجزرة ارتكبت في مدينة الخيام، جنوب لبنان، حيث للذاكرة أنين، وللأرض صوت، وللشهداء حضور لا يبهت.
وكان نصيب الجنوب كما دائما، ان يدفع الثمن من لحم ابنائه.
كان ذلك في العام ١٩٤٣م، عام إعلان إستقلال لبنان.
عام كتب فيه الإستقلال بالحبر، فيما كتبت الخيام إسمها فيه بالدم القاني. كتبت فيه الخيام سجل وتاريخ لا تمحى صفاته.
وتروي الرواية أن عسكريا في الجيش الفرنسي، لبناني الجنسية، جنوبي الهوية، من بلدة انصار، وكان يخدم كعنصر في الخيالة الفرنسية، وصل هاربا على صهوة فرس من جهة نبع إبل باتجاه الخيام، حتى بلغ بيت المرحوم علي ذياب.
وتضيف الرواية ان جمعا من أهل الحارة تجمهروا حوله، يسألونه عن الحرب الدائرة، في زمن كانت فيه وسائل نقل الأخبار بدائية، والكلمة أثمن من الرصاصة.
وفي اللحظة ذاتها، كانت طائرة إنكليزية تحلق في الأجواء.
خطوطها الملتوية لم تكن رسما في السماء، بل خارطة خراب ودمار وموت في الأرجاء.
وكما كان قدر الخيام في كثير من المحطات، انتهى المشهد بمجزرة كبيرة، راح ضحيتها أكثر من ستة عشر ضحية بين شهيد وشهيدة.
طائرات تقصف الأحياء السكنية، وبيوت تهدم على رؤوس ساكنيها، وذعر في المكان يعمّ الخيام، حتى لم يبق بيت الاّ ومسّه الألم.
كانت مجزرة رهيبة، لا لأنها أزهقت الأرواح فحسب، بل لأنها إخترقت النسيج الإنساني لكل العائلات في الخيام.
ومن بين الركام، استطعنا توثيق بعض أسماء الناجين من هذه المجزرة الأليمة، وهم :
* الحاجة رقية، زوجة عبدالله عواضة
* فاطمة زوجة كامل عطوي، بنت خليل عواضة
* فاطمة بنت عبدالله عواضة، التي تزوجت لاحقا ب حسين عكر، ابنهما الشهيد غالب عكر الذي كان واحدا من الذين استشهدوا في بوسطة عين الرمانة. ذاك الشهيد الذي ترك بلدته قاصدا للعلم فكان واحدا من القافلة الطويلة وكانت قضيته قضية الزمن المندحر والإنسان المجبور والمقهور والمحروم من العلم والمكانة. ويذكر ان والده الشهيد حسين عكر استشهد قنصا بعد يومين فقط من إستشهاد ولده غالب وكان ذلك في العام ١٩٧٥م عند إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية.
أما أسماء بعض الشهداء الذين أمكن توثيقهم، فهم:
* الشهيد عبدالله انصار
* الشهيدة سليمة محمود عليان، زوجة عبدالله انصار
* الشهيدة فاطمة انصار، بنت سليمة ( ١٠ سنوات )
* الشهيد علي محمد عليان
* الشهيدة العبدة غزاوي، زوجة أمين عواضة (كانت حاملا)
* الشهيدة مريم جمعة، زوجة خليل عواضة
* الشهيد أحمد خليل عواضة
* الشهيدة زينب خليل عواضة
* الشهيد محمود باشا
* الشهيد محمد رضا باشا
* الشهيد محمد علي باشا (١٤ سنة)
* الشهيد أحمد نصّار
* الشهيدة مريم غصن
* الشهيدة رقية حمّود وابنتها
* الشهيدة والدة الحاج حسين عواضة
* الشهيدة والدة الحاج علي سلمان
وهذه اللائحة، كما اسلفنا، ليست الا لائحة بأسماء بعض ضحايا وشهداء مجزرة الخيام عام ١٩٤٣م.
مجزرة لم تدون كما ينبغي، لكنها محفورة في وجدان الأحبة، في وجدان المكان والزمان.
لقد كانوا جوهر القضية في الزمن الماضي، وهم اليوم أحباء أحياء في الحاضر والآتي.
غابوا بأجسادهم، وأسماءهم لم ولن تغيب. غابوا عن المكان لكن ذكراهم تستحق نصبا تذكاريا في المكان لتخليد ذكراهم.
ذكرى هذه المجزرة الرهيبة.
غابوا بأجسادهم، لكن قضاياهم العادلة ما زالت حاضرة، راسخة، لا تموت ولا تمحى.
بدمائهم التي سكبت على مسلخ الوطن، كانوا الأصدق تعبيرا عن الألم، والأبلغ تصويرا للأهوال.
هم اناس رحلوا، لكن شمسهم لا تغيب، ضوؤها باهر، وحضورها عظيم الى الأبد.
رحم الله شهداء القافلة...
قافلة الوطن الاولى، التي تحولت مع مرور الزمن الى قطار طويل، لم يفرق بين طفل وشاب، بين امرأة وكهل وعجوز.
قطار حمل على مقاعده أعزاء رحلوا،
ليبقى الوطن حرا...عزيزا.
هيفاء نصّار
الخيام | khiyam.com
تعليقات: