
حين رأيت كفركلا للمرّة الأولى بعد الحرب، تذكّرت غزّة فورًا. عندها فقط استطعت أن أُكوّن صورة حقيقيّة لما كنّا نسمع عنه سابقًا. ربّما نتشابه نحن وأهل فلسطين في شعورنا، نحن أبناء القرى الحدوديّة، الذين ندرك جيّدًا ممّا عشناه وعاشه أهلنا وأجدادنا معنى الهجرات المتقطّعة. لكنّنا ندرك أيضًا، أو على الأقل نؤمن، بأنّنا سنعود. لا بدّ أن نعود. اليوم، لا سُبل للعيش في كفركلا وقد دُمّر جزء كبير من ذاكرة أهلها الجماعيّة، لأن المكان تاريخ، لا قيمة مادّيّة وحسب. لذا، فليُقم كلّ واجب لكي يتمكّن هؤلاء الناس من أن يعالجوا جراحهم معًا، ويعيدوا بناء ذاكرتهم من جديد، وهذا، في حدّه الأدنى، أقلّ الإيمان.
تصادف هذه الأيام ذكرى عودة أهالي القرى الحدوديّة إلى قراهم بعد انقضاء مهلة الـ 60 يومًا التي تضمنّها ما سمّي بوقف إطلاق النار الذي أعلن في الـ 27 من تشرين الثاني (نوڤمبر) العام 2024. غير أنّ أهل كفركلا، لم يتمكّنوا من العودة إلى بلدتهم في ذلك التاريخ. فقد وصلوا إلى حدودها من جهة بلدة برج الملوك، ولم يستطيعوا الدخول إليها حتّى شباط (فبراير) العام 2025، ليدخلوها بعد ذلك ويجدوها عبارة عن ركامٍ يلاصق ركامًا، وموتٍ يحاكي بلدة كانت عامرة بناسها وحيواتهم.
بدءًا من السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023 تاريخ بدء “حرب الإسناد”، تحوّلت كفركلا التي تُعرف بأنّها بلدة “بوابّة فاطمة”، إلى مكان للاستهدافات والتفجيرات المتواصلة. فقد شهدت أكثر من 50 تفجيرًا ضخمًا خلال الحرب وما تلاها من “هدنة”، ولا تزال حتّى اليوم عرضة للاعتداءات، إذ وقع آخر تفجير فيها قبل أيّام قليلة من كتابة هذه المقالة.
نزوحٌ... ونزوحٌ من نزوح
نظرًا لالتصاقها بالجدار الفاصل، وتحوّلها إلى ساحة مواجهات، باكرًا بدأ أهالي كفركلا بالنزوح منها، وذلك بعد أيّام قليلة من أحداث السابع من تشرين الأوّل 2023، لكنّ هذا النزوح لم يبقَ ثابتًا، إذ اضطرّ أهالي البلدة إلى النزوح مُجدّدًا من الأماكن والقرى التي كانوا قد لجأوا إليها، وذلك بدءًا من تاريخ توسّع الحرب في الـ 23 من أيلول (سبتمبر) 2024.
بعد إعلان وقف إطلاق النار وانقضاء مهلة الـ 60 يومًا، لم يتمكّن أهالي كفركلا من الدخول إلى بلدتهم. واليوم، لا يزال الاحتلال يمنع إعادة الإعمار أو الترميم فيها، حتّى إنّ مراسم التشييع أو الدفن باتت تخضع لأوقات وإجراءات مُحدّدة داخل مقابر البلدة. فضلًا عن ذلك، إضافة إلى النقاط الخمس المستحدثة، سيطر الاحتلال على جزء من أراضي البلدة، وتحديدًا المنطقة الملاصقة للجدار الفاصل من الجهة الشرقيّة، والممتدّة من بوّابة فاطمة حتّى منطقة تلّ نحاس، وتربط كفركلا بقرى برج الملوك والخيام والقليعة.
النبطيّة الأكثر استيعابًا للنازحين
بشأن أماكن توزّع أهالي كفركلا بعد النزوح منها، يُشير رئيس بلديّة كفركلا، المحامي حسن شيت، إلى أنّ محافظة النبطيّة تُعدّ الأكثر استيعابًا لهم، ولا سيّما في بلدات وقرى مثل الكفور وكفرتبنيت وتول وكفرّرمان ومحيط النبطيّة الفوقا والتحتا. يتابع لـ “مناطق نت”: “عدد العائلات المتواجدة في محافظة النبطيّة يُقدَّر بنحو 1100 عائلة، إضافة إلى وجود أعداد أخرى في أقضية مجاورة”. وأوضح شيت أنّ حجم الدمار في البلدة كبير جدًّا، مشيرًا إلى أنّ “نحو 85 في المئة من كفركلا تعرّض للتدمير الكامل”.
عن طبيعة الأعمال التي كان يعتمد عليها أهالي كفركلا قبل الحرب، قال شيت “إنّ السكان كانوا يعملون في مجالات متنوّعة، منها الزراعة وتربية المواشي، ومنها المهن الحرّة والمصالح التجاريّة، إضافة إلى الموظّفين في المؤسّسات الرسميّة والدوليّة والعسكريّة”.
أمّا في ما يتعلّق بكيفيّة تأمين أهالي كفركلا في أماكن نزوحهم مصادر رزقهم وعيشهم، أشار شيت إلى أنّ “أصحاب المهن الحرّة يحاولون، وكلٌّ بحسب إمكاناته وظروفه، العودة إلى ممارسة أعمالهم السابقة، كالحدادة والنجارة والميكانيك وغيرها. غير أنّ أصحاب المصالح التجاريّة يُعدّون الفئة الأكثر تضرّرًا، إذ إنّ عددًا كبيرًا من المتاجر والمؤسّسات لا يستطيع إعادة فتح أبوابه في أماكن النزوح، نتيجة العجز عن تحمّل كلفها الباهظة بعد الحرب”.
النزوح ليس استقرارًا
يروي ساري علي شلهوب، البالغ من العمر 35 عامًا وصاحب منجرة في كفركلا، لـ “مناطق نت”، كيف أثّر النزوح والحرب في حياته. ويشرح أنّه كان يمتلك منجرة في البلدة، ولم يتمكّن من إخراج أيّ من معدّاتها عند نزوحه بعد أيّام قليلة من تاريخ السابع من تشرين الأوّل 2023. ويشير شلهوب لـ “مناطق نت” إلى أنّه لم يستطع إعادة فتح منجرته بعد النزوح بسبب ارتفاع الكلفة، فبات يعمل في منطقة مرجعيون. ويقول: “لا نقصد كفركلا إلّا في حالات الوفاة”. مضيفًا: “إذا طلُعت بنقهر أكتر”.
ساري علي شلهوب: لا نقصد كفركلا إلّا في حالات الوفاة، وإذا طلُعنا بننقهر أكتر
من ناحيته وصف رئيس وحدة الإسعاف والإنقاذ في بلدة كفركلا، المختار حسن محمّد شيت، واقع البلدة قبل الحرب بأنّها “كانت مليئة بالأمان والاستقرار والحياة”. وتابع لـ “مناطق نت”: “صحيح أنّها قرية، لكنّها كانت نموذجًا في النشاط الاقتصاديّ. كان فيها أكثر من 50 أو 60 مؤسّسة تخدم ليس فقط أبناء البلدة، بل أيضًا القرى المحيطة. من مواد البناء، إلى الأدوات الصحّيّة ومستلزماتها، إضافة إلى الصناعيّين والحدّادين والنجّارين ونجّاري الديكور والمفروشات. وكان لدينا مزارعون، لأنّ كفركلا بلدة زراعيّة بامتياز”. ثمّ أضاف: “هؤلاء الناس اليوم باتوا لا يملكون شيئًا”.
وعن الواقع الحاليّ، يقول شيت إنّ “نسبة قليلة جدًّا، لا تذكر، من الأهالي استطاعت إعادة فتح مصالحها. فإمكانيّة إعادة التأسيس في أماكن النزوح ليس بالسهل”، موضحًا: “حتّى بلدات النزوح ليست أماكن استقرار. نحن لسنا مستقرّين هنا، نحن خرجنا بملابسنا”.
وفي ما يخصّ الوقفة التي نفّذها أهالي البلدة قبل أيّام، يؤكّد أنّ مطلبهم المشروع هو حقّ العودة، تحت حماية الدولة، دون الحاجة إلى وسطاء. وقال: “نحن لا نطالب بشيء. نحن أولاد كفركلا نريد العودة إلى بلدتنا فقط، لا نريد مساعدات، بل الأمان فقط”.
وتابع، مختصرًا لسان حال جميع أهالي القرى الأماميّة، مع الإبقاء على حديثه حرفيًّا: “العالم اشتاقت لبعضها، لجمعتها، لأفراحها وأحزانها، وحتّى لتمشي بضيعتها. عطونا الأمان، ونحن منرجع، ومنرجع بنتديّن، ومنرجع منعمّر، ومنقعد ومنجتمع. نحنا منحبّ بعضنا وفينا نساعد بعضنا بس بدنا نكون ببلدنا”.
بين الهندسة والمؤونة
يروي علي سرحان، ابن بلدة كفركلا وصاحب صفحةMylandle التي يوثّق من خلالها محتوى من أرضه ويعرض منتجات بلديّة، في حديثه لـ “مناطق نت”، كيف انعكست الحرب بشكل مباشر على مشروعه، وحتّى على مسار حياته المهنيّة ككلّ.
يقول سرحان إنّه عاد حاليًّا إلى اختصاصه الأساس في الهندسة والمقاولات، فيما باتت المؤونة عملًا موسميًّا. ويوضح أنّه ما زال يعمل في موسم الزعتر في الصيف مثلًا، لكنّ حجم الإنتاج تراجع كثيرًا مقارنة بما كان عليه سابقًا. فالمنتجات التي تحتاج إلى مساحات واسعة وتجهيزات كبيرة، مثل المربّيات وغيرها، فقد توقّف عنها كلّيًّا بسبب غياب المكان المناسب والوضع الأمنيّ غير المستقرّ حاليًّا.
ويشير إلى أنّ مشروعه كان يعتمد إلى حدّ كبير على السياحة، لكن مع اندلاع الحرب “توقّف كلّ شيء دفعة واحدة”. لم يعد أحد قادرًا على التوجّه إلى كفركلا، واضطرّ هو وعائلته إلى النزوح. ويتابع قائلًا: “حتّى بعد الحرب، العالم رجعت ونحنا ما رجعنا”.
وعن الخسائر، يؤكّد سرحان أنّه خسر معظم الأدوات والمعدّات التي كان يعتمد عليها في مشروعه، من لوازم التقطير، إلى الأدوات المخصّصة لصناعة المؤونة، إضافة إلى البرّادات والتجهيزات الخاصّة بالتخزين. أمّا عن زيارة كفركلا اليوم، وكحال غالبيّة الأهالي، فيؤكّد أنّه لا يتردّد حاليًّا إلّا في حالات “الدفن فقط”.
وبالنظر إلى إمكانيّة إعادة فتح المشروع في مكان نزوحه، يقول: “طالما لا يوجد استقرار، لا يمكنني أن أضع رأسمال من جديد في مشروع قد أُجبر على إقفاله بعد فترة قصيرة”.
العودة رهن التطوّرات الكبرى
في ما يتعلّق بعدد الشهداء، أشار رئيس البلديّة شيت إلى أنّ العدد الإجماليّ بلغ نحو 57 شهيدًا. أمّا الجرحى، فأوضح أنّ هناك ما يقارب ستة مصابين يعانون من إصابات دائمة أو مستمرّة.
وعلى الصعيد الاقتصاديّ والدعم الرسميّ، أكّد شيت أنّه لا توجد مساعدات مباشرة من الدولة مرتبطة بالحرب، باستثناء التعويضات التي قدّمها “حزب الله” كبدل إيواء وتأثيث، إضافة إلى إدراج وزارة الشؤون الاجتماعيّة عائلات جديدة ضمن برنامج “الأمان”. علمًا أنّ هذا البرنامج لم يُنشأ بسبب الحرب، لكنّه توسّع ليشمل عائلات إضافيّة نتيجة النزوح، وفقًا لشيت.
وأضاف أنّ معظم المساعدات الأخرى التي تلقّاها الأهالي جاءت من جمعيّات ومنظّمات إنسانيّة، وشملت مساعدات عينيّة وغذائيّة، ومواد للتدفئة كالحطب، إلى جانب مستلزمات النظافة وبعض المساعدات الشتويّة.
وحول احتمال عودة السكّان إلى الأجزاء الأكثر أمانًا من البلدة، أوضح شيت أنّ “هذا الأمر يخضع لجملة من الاعتبارات، في مقدّمها الوضع الأمنيّ”. وأشار إلى أنّه “جرى أخيرًا استحداث نقطة للجيش اللبنانيّ في وسط البلدة، في ساحة كفركلا، بهدف تعزيز الشعور بالأمان لدى الأهالي”. ورأى أنّ مسألة العودة الشاملة تبقى مرتبطة بالوضع العامّ وبالتطوّرات الكبرى على مستوى المنطقة.
“سنبقى ويفنى بناء العدا”، كانت تلفتني هذه العبارة التي كتبت على الجدار الفاصل بين الحدود والحدود على طريق بوّابة فاطمة، حيث لا بدّ أن تستحضر الذاكرة أغنيّة خالد الهبر: ” كفركلا تزرع في الأرض اقحوانة… كفركلا تغرس في الأرض بندقيّة”، فأفكّر أنّه من الجهة المقابلة لهذا الجدار نفسه يكمن “العدا”، لا في مكان بعيد بضع كيلومترات حتّى.

مشهد عام لبلدة كفركلا حيث الدمار يحاكي دمار

نقطة مستحدثة للجيش داخل بلدة كفركلا

اعتصام لأهالي كفركلا مطالبين بالعودة

الخيام | khiyam.com
تعليقات: