تجميد تعويضات الإيواء: هدر وفساد.. وحزب الله يوضح

جرى تسجيل وحدات سكنية على أنها متضررة أو مدمرة، وتبين لاحقًا أنها غير موجودة أصلاً (Getty)
جرى تسجيل وحدات سكنية على أنها متضررة أو مدمرة، وتبين لاحقًا أنها غير موجودة أصلاً (Getty)


لم يكن تعثّر دفع حزب الله تعويضات الإيواء وإصلاح الأضرار مسألة تقنية، ولا ظرفًا ماليًا عابرًا، بل لحظة كاشفة لاختلالات عميقة داخل بنية التنظيم التي أدارت هذا الملف. فمنذ الإعلان عن رصد نحو مليار دولار لتعويض المتضررين، بدا المشهد وكأنه محسوم: تغطية شبه كاملة، دفع تدريجي، واحتواء سريع للغضب الاجتماعي.

غير أن ما تلا ذلك كشف أن المشكلة لم تكن في حجم الأموال المخصّصة بقدر ما كانت في طريقة إدارتها. فالحسابات، وإن وُصفت داخليًا بأنها "دقيقة"، افتقرت إلى رقابة فعلية، ما فتح الباب أمام سرقات وهدر يقدَّر بنحو 13 مليون دولار، وفق معلومات خاصة حصلت عليها "المدن" وجرى التأكد منها من اكثر من مصدر من ضمنها مسؤولون بملف التعويضات داخل الحزب.

من "تجميد مؤقت" إلى وقف مفتوح

في الأشهر الأولى لمرحلة دفع التعويضات، كانت ذريعة تجميد الدفع أن الأمر إجراء مؤقت، وأن التوقف عن صرف الشيكات عبر "القرض الحسن"، سيتوقف لبضعة أيام، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها. تطورت الأمور ومدد تجميد الدفع إلى أسابيع، ثم وضعت مهلة أخرى إلى ما بعد تاريخ نفاذ الشيك، قبل أن تُمدَّد إلى ثلاثة أشهر. إلى أن صدر القرار الأوضح والأكثر قسوة: تجميد كامل اعتبارًا من 23 حزيران الفائت، من دون أي جدول زمني للعودة.

هذا التدرّج لم يكن تفصيليًا ولا اعتباطيًا. فمع كل مرحلة، كانت تتكشّف طبقة جديدة من الخلل، إلى أن تبيّن أن السيولة المتوافرة أقل بكثير من الالتزامات المسجّلة، وأن الأرقام التي بُنيت عليها عملية التعويض لم تكن قابلة للاستدامة.

نحو 10 بالمئة من المتضرّرين وجدوا أنفسهم، عمليًا، خارج منظومة التعويض، لا بفعل قرار صريح، بل نتيجة تراكم إجراءات وتوقيتات أقصتهم تدريجيًا. فبعض هؤلاء لم يتمكن من قبض الشيكات قبل سريان قرارات التجميد المتتالية، فسقط حقهم فعليًا مع توقف الصرف.

في المقابل، اضطر آخرون، تحت ضغط الحاجة الملحّة وانعدام البدائل، إلى اللجوء إلى سوق سوداء نشأت على هامش الأزمة. هناك، جرى تداول الشيكات بأسعار تقلّ كثيرًا عن قيمتها الفعلية، إذ باع متضرّرون شيكاتهم مقابل 80 أو حتى 70 بالمئة من قيمتها، لتأمين حدّ أدنى من السيولة يتيح لهم الإيجار أو تسديد ديون متراكمة. ومن بين هؤلاء ح.م. من سكان الضاحية الجنوبية. ويقول للـ"المدن": "خسرنا كل شيْ. ليس البيت فحسب، بل حتى الشعور بأن هناك جهة تلتفت إلينا. تراكم علينا الدين وبتنا بلا أي استقرار مادي أو حتى أمني".

حين انهارت الأرقام

بحسب معلومات "المدن"، اكتشف الحزب، بعد بدء الصرف، فجوة كبيرة بين ما رُصد نظريًا وما دُفع فعليًا. ولم يكن السبب نقص التمويل وحده، بل تضخّم الأرقام نفسها. عندها فُتح تحقيق داخلي، أظهر أن الهدر لم يكن استثناءً، بل نتاج آلية رخوة قامت على ثلاث حلقات أساسية:

الحلقة الأولى تمثّلت في تضخيم مبالغ الاستحقاق، إذ سُجّلت تعويضات مضاعفة لأضرار محدودة: مثلا من يستحق 1500 دولار، كُتب له 3000.

الحلقة الثانية كانت في التقييم الميداني، حيث قُدّرت أضرار بمبالغ تفوق قيمتها الفعلية بأشواط.

الحلقة الثالثة وهي الأخطر، إذ جرى تسجيل وحدات سكنية على أنها متضرّرة أو مدمّرة، وتبيّن لاحقًا أنها غير موجودة أصلًا، وحصل هذا الأمر في أكثر من منطقة.

بخلاف ذلك، مصدر رسمي في الحزب اعتبر أن الأمر مجرد حملات اعلامية مغرضة. وأكد أن "الجهود تُتابَع حاليًا لتوفير الأموال لدفع المستحقات عن السنة الجديدة".

وحول فتح الحزب تحقيق داخلي، لم يجب المصدر الرسمي في حزب الله على السؤال بطريقة مباشرة، بل برر أمر ما يحكى عن فساد وهدر قائلاً: "في أي مشروع إنشائي في العالم، وأي مهندس يمكن سؤاله عن بناء أي مبنى، سيؤكد أن هناك نسبة هدر تتراوح عادة بين 10 و15 في المئة. وفي مشروع بهذا الحجم، يطال آلاف العائلات ويُنفَّذ تحت ضغط الوقت وبأقصى سرعة، من الطبيعي أن تقع أخطاء. لكن من غير الصحيح توصيف ما جرى على أنه فساد أو هدر. هذا الأمر غير منطقي".

بحسب معلومات "المدن" هذه الوقائع لم تؤدِّ إلى وقف الدفع فحسب، بل دفعت أيضًا إلى إعادة توجيه جزء من الأموال نحو أولويات أخرى، اعتُبرت أكثر إلحاحًا في لحظة سياسية وأمنية حسّاسة، لا سيما ما يتصل بحاجات "المقاومة".

تمكّن الحزب من استرجاع جزء من المبالغ التي صُرفت عن طريق الخطأ أو بطرق مشبوهة، إلا أن حجم الهدر كان أوسع من أن يُعالج بالتصحيح وحده. ومع ذلك، يؤكد المصدر الرسمي في الحزب: "نحن مستمرون في التزاماتنا تجاه الناس، ومن المفترض أن يُحلّ هذا الملف في فترة قريبة إن شاء الله".

إعادة هندسة الدفع

يروي المواطن ح.ز، من إحدى القرى الجنوبية تجربته لـ"المدن"، قائلاً: "أملك مبنى يضم سبعة محال وشقتين. الخسائر تُقدَّر بمئات آلاف الدولارات. ما تقاضيته لا يتجاوز 12 ألفًا. في المقابل، شاهدت أشخاصًا تضرّر زجاج منازلهم فقط، وتقاضوا مبالغ أكبر بكثير".

وتشير المعطيات إلى احتمال الشروع بعملية التعويض ضمن سقف مالي أكثر وضوحًا، وبآلية مختلفة تقوم على تشديد شروط الصرف والرقابة، لا سيما في ما يتعلق بالتعويض عن المباني المدمّرة في بيروت والمناطق البعيدة عن الحدود.

أما الأبنية المدمّرة كليًا في منطقة الشريط الحدودي، فلا يزال ملفها مؤجّلًا، في ظل أوضاع أمنية غير مستقرة وهشّة، وارتباط أي عملية إعمار هناك بقرار سياسي لم ينضج بعد.

الطرح الأقرب اليوم هو اعتماد دفعات فصلية، تُصرف كل ثلاثة أشهر، بما يسمح بتدقيق دوري ويحدّ من التلاعب والفساد. هذا ما لمّح إليه المصدر الرسمي قائلاً: "في ظل حجم الضغوط والأعباء، نعم، قد يتم الدفع على فترات، كأن يُصرف كل ثلاثة أشهر. وأُعيد إجراء مسح شامل للأضرار، في محاولة لإعادة ضبط الأرقام. ووُضِعت آلية تتيح لصاحب المنزل الاعتراض في حال قُدِّرت كلفة الأضرار بمبلغ معيّن، كأن تُقدَّر بألف دولار بينما يرى المالك أن الكلفة الفعلية أعلى. وعلى هذا الأساس، شُكِّلت لجان متابعة، وعُيّنت أكثر من لجنة هندسية، ما ساهم في معالجة العديد من الثغرات".

لكن استئناف الدفع يبقى مشروطًا بعامل إضافي: انتظار ما ستلتزم به الدولة اللبنانية. فالحزب، وفق المعلومات، يريد معرفة حجم ما ستؤمّنه الدولة للمتضررين، قبل تحديد دوره النهائي وكيفية سدّ النقص. حتى أن النقاش مفتوح حول قيمة بدل الإيواء: هل يُعتمد 500 دولار في بيروت مقابل 333 في الجنوب؟ أم يُوحَّد المبلغ بـ 333 دولارًا للجميع؟

وفي هذا السياق، يشير المصدر الرسمي إلى أن "من المتوقع تفعيل ورشة الترميم الإنشائي في المرحلة الحالية، ولا سيما بعد إقرار 90 مليوناً من قبل الحكومة، الأمر الذي سيؤدي إلى عودة نحو سبعة آلاف عائلة إلى الضاحية الجنوبية، وبالتالي تراجع عدد المستفيدين من بدلات الإيواء".

بين من حصل على أكثر من حقه، ومن لم يحصل على حقه بعد، ومن قُبض باسمه وهو خارج البلاد، ومن خُفّضت خسائره، تآكلت الثقة داخل البيئة المتضرّرة نفسها. لم تعد المشكلة في التأخير وحده، بل في غياب معيار واضح، وفي تحوّل التعويض من حق إلى استنسابية.

تعليقات: