
الحروب والأزمات المتنقلة في أكثر من منطقة من العالم لا يمكن فصلها عن نتائجها الديموغرافية والسياسية. فموجات النزوح الكبرى من الشرق الأوسط وأوكرانيا وإفريقيا نحو القارة الأوروبية لم تعد مجرد أثر جانبي للنزاعات، بل تحوّلت إلى عامل ضاغط يعيد تشكيل البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل أوروبا نفسها. هذا الضغط المتراكم أسهم في زعزعة الاستقرار الداخلي، وصعود التيارات الشعبوية، وتعميق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، ما أضعف قدرة القارة على لعب دور سياسي مستقل في محيطها وفي العالم.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة الحروب الممتدة من فلسطين ولبنان إلى سوريا وأوكرانيا وإفريقيا كأحداث منفصلة، بل كمسارات متشابكة تُنتج النتائج الجيوسياسية ذاتها. ففي فلسطين، تجاوز الصراع كونه مواجهة عسكرية ليصبح سياسة استنزاف طويلة الأمد، أدّت إلى تفريغ ديموغرافي تدريجي، وتحويل القضية من مسألة تحرر وحقوق سياسية إلى ملف إنساني وإغاثي. هذا التحول خفّف الضغط الدولي عن إسرائيل، وسمح لها بتكريس الأمر الواقع في ظل انشغال العالم بتداعيات النزوح بدل البحث في جذور الصراع.
أما لبنان، فقد تحوّل بفعل الحروب غير المباشرة، والعقوبات، والانهيار المالي، واستضافة أعداد ضخمة من اللاجئين، إلى دولة هشة عاجزة عن إدارة أزماتها. هذا التفكك البنيوي جعل الهجرة خيارًا شبه وحيد لشبابه، وحوّل البلد إلى مساحة ضغط إضافية على أوروبا عبر المتوسط، وإلى ساحة قابلة للاشتعال أو الاستخدام السياسي عند الحاجة.
وفي أوكرانيا، ورغم اختلاف السياق التاريخي، جاءت النتائج متشابهة. فقد أدت الحرب إلى أكبر موجة نزوح داخل أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ما أعاد ترتيب أولويات الاتحاد الأوروبي، وعمّق تبعيته الأمنية للولايات المتحدة، ورفع منسوب الإنفاق العسكري على حساب الاستقرار الاجتماعي. هكذا تحوّلت الحرب من صراع إقليمي إلى أداة لإعادة تثبيت القيادة الأميركية داخل القارة الأوروبية.
وقبل ذلك، كانت الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ثم الحرب الأميركية على العراق عام 2003، قد شكّلتا محطات مبكرة في إنتاج الهجرة القسرية نحو أوروبا، عبر استنزاف المجتمعات وتفكيك الدولة ودفع الكفاءات والطبقات الوسطى إلى البحث عن الأمان خارج المنطقة، في مسار سيُعاد إنتاجه لاحقًا بأشكال مختلفة.
ويأتي النزوح السوري الكبير، الناتج عن الحرب الممتدة منذ عام 2011، في سياق هذا المسار ذاته، حيث أُفرغت أجزاء واسعة من المجتمع السوري من سكانها ودُفع الملايين إلى أوروبا عبر دول الجوار. هذا النزوح، شأنه شأن النزوح الأوكراني، لم يكن مجرد تدفق إنساني، بل شكّل ضغطًا هائلًا على البنى الاجتماعية والسياسية الأوروبية، وأسهم في إعادة ترتيب أولويات الاتحاد الأوروبي من الأمن الاجتماعي إلى الهجرة والسياسات الدفاعية، مع تعزيز النفوذ الأميركي عبر التزامات أمنية جديدة.
ويكتمل هذا المشهد مع موجات الهجرة القادمة من إفريقيا، التي لا ترتبط في معظمها بحرب واحدة واضحة، بل بأزمات حياتية مركّبة تتداخل فيها الهشاشة الاقتصادية، وانعدام الأمن الغذائي، وتداعيات التغير المناخي، وضعف الدول الوطنية. هذه الأزمات، وإن بدت أقل ضجيجًا من الحروب المفتوحة، تُنتج نزوحًا بشريًا مستمرًا نحو الضفة الشمالية للمتوسط، ما يجعل أوروبا أمام ضغط ديموغرافي متواصل لا يرتبط بزمن محدد أو تسوية سياسية محتملة.
وبهذا المعنى، لا تُطرح الهجرة الإفريقية كقضية إنسانية منفصلة، بل كجزء من منظومة أزمات عالمية تُدار بلا حلول جذرية، وتُستخدم نتائجها لتغذية المخاوف الداخلية، وتعزيز الخطاب الأمني والشعبوي، وإعادة تبرير ارتهان أوروبا لسياسات الردع والحماية الخارجية. في هذا السياق، تبدو أوروبا أكثر تبعية للسياسات الأمنية والعسكرية والطاقوية التي تقودها الولايات المتحدة، فيما تستفيد إسرائيل استراتيجيًا من انشغال القارة بأزماتها الداخلية وتراجع قدرتها على لعب دور فاعل في قضايا الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
الصين والجاليات الآسيوية: نموذج هادئ مقابل الهجرة القسرية
في مقابل موجات الهجرة الناتجة عن الحروب والأزمات في فلسطين وأوكرانيا وسوريا ولبنان وإفريقيا، يظهر الحضور الصيني والجاليات الآسيوية كنموذج مختلف. هذه الجاليات دخلت أوروبا في معظمها عبر مسارات عمل ودراسة منظمة، واستقرت تدريجيًا، وشاركت في الاقتصاد والتعليم والمجتمع دون أن تتحول إلى عبء سياسي أو أمني. هذا التباين يوضح كيف يمكن للهجرة أن تكون أداة ضغط وفوضى جيوسياسية، أو أن تتحول إلى مسار تنمية واندماج، تبعًا لطبيعة السياسات الدولية المحيطة بها.
في الوقت نفسه، تواصل الصين إدارة مصالحها ببراغماتية هادئة، مستفيدة من نتائج الفوضى الأوروبية دون انخراط عسكري مباشر، ومركّزة على الاستثمار والبنى التحتية، ما يعزّز نفوذها تدريجيًا ضمن نظام دولي مُنهك.
يتضح في النهاية أن الهجرة ليست ظاهرة واحدة، بل نتاج سياسات متباينة: هجرة تُبنى كمسار تنمية واندماج، وأخرى تُنتج كأداة ضغط وفوضى وإعادة تشكيل نفوذ. وبينما تُستنزف أوروبا تحت وطأة الأزمات المتداخلة، تعمل الولايات المتحدة على تثبيت هيمنتها، وتحصد إسرائيل مكاسب استراتيجية من انشغال العالم، فيما تراقب الصين المشهد بهدوء، مراهِنة على وراثة نظام دولي متعب، لا على إسقاطه دفعة واحدة.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
* المصدر : Transparency News
الخيام | khiyam.com
تعليقات: