الجنوب 2025: عبثيةُ الموت تقارع عبثيةَ التفاوض

يدخل الجنوب سنته الثالثة من الحرب، بلا أي أفقٍ واضح، بل بلا أي وعدٍ محقق، وبلا أي تطلعٍ أو استشراف.. (علي علوش)
يدخل الجنوب سنته الثالثة من الحرب، بلا أي أفقٍ واضح، بل بلا أي وعدٍ محقق، وبلا أي تطلعٍ أو استشراف.. (علي علوش)


النّكبة المستمرّة، وعلى أشكالها وتلاوينها وأنساقها وفظاعاتها، هي لصيقتنا الحتميّة.

منذ نحو سنةٍ إلّا قليلًا، وفي نصٍّ (راجع "المدن") كتبته عن زيارتي للجنوب اللّبنانيّ، في مهمّةٍ صحافيّةٍ بالتزامن مع انقضاء مهلة السّتّين يومًا لاتّفاق وقف إطلاق النار، وضعت هذه الجملة في خاتمة نصٍّ كتبته بكلّ الأسى والحقد والاستياء الممكن، إثر جولةٍ مكثّفةٍ هي الأشقّ، في قرى الجنوب اللّبنانيّ المنكوب، الذي كان قد خرج توًّا من محنته الوجوديّة بأكبر الخسائر حجرًا وشجرًا وبشرًا وذاكرةً.

اليوم، وبعد سنة، وطوال سنة، ظلّ الجنوب على حاله، مهملًا، ينزف أبناءه واحدًا تلو الآخر (ضحايا كانوا أم مهجّرين)، محتلًّا، محروقًا، مهاجمًا، ونقطة خلافٍ جوهريٍّ، وعالقًا في دوّامةٍ سيزيفيّةٍ من المصائب وصروف الدهر الجهنميّة، من الخذلان والتيه والمقامرة الفجّة به وبأهله، من الألم الأمضى، من فظاعة التخلّي، كأنّها "عاشوراء مستمرّة" في مخيّلة أهل الجنوب.

هي سيرةٌ ممتدّةٌ منذ نكبة فلسطين في العام 1948، وحتّى هذه اللّحظة، ذاكرةٌ متخمةٌ بالمصائب والويلات والمحن، والدمار وإعادة الإعمار. اليوم يدخل الجنوب سنته الثالثة من الحرب، بلا أيّ أفقٍ واضح، بل بلا أيّ وعدٍ محقّق، وبلا أيّ تطلّعٍ أو استشراف، وبلا أيّ خفّة.

حال الجنوب في العام 2025

إذًا، لم يهنأ الجنوب طوال هذا العام، وفي ما يأتي أبرز المحطّات التي عاشتها هذه البقعة الجغرافيّة بناسها، خلال عامٍ شاقٍّ بلا أيّ ريب، ومكثّفٍ بجرعات رعبٍ قياسيّة:

جنوب لبنان 2025، سنة الهدنة التي لم تطفئ النار

بلغت خروقات "تفاهم وقف الأعمال العدائيّة" الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024 مستوى غير مسبوق، أكثر من 10 آلاف خرقٍ جويٍّ وبرّيٍّ، ومسارات قذائف واعتداءاتٍ موثّقةٍ خلال عامٍ واحد، فيما بقي "الاستقرار" هشًّا على طول الخطّ الأزرق. وعلى خطّ الضحايا، أظهرت الحصيلة الرسميّة الصادرة عن وزارة الصحّة أنّ الاعتداءات بعد التفاهم أودت، حتّى 27 تشرين الثاني 2025، بـ335 شهيدًا و973 جريحًا. ومع استمرار الغارات والاستهدافات في كانون الأوّل 2025، ارتفع العدّاد أكثر، واقتربت الحصيلة مع نهاية السّنة من عتبة 350 شهيدًا في تقديراتٍ تراكميّةٍ متداولة، ما رسّخ حقيقة أنّ الجنوب عاش 2025 كسنة هدنةٍ مفتوحةٍ على القصف.

دخل الجنوب العام وهو يحمل سؤالًا واحدًا، هل ينسحب الجيش الإسرائيليّ فعلًا من القرى التي بقي فيها بعد التفاهم؟ هذا السؤال انفجر ميدانيًّا في نهاية كانون الثاني، حين حاول آلاف النازحين العودة إلى بلداتهم الحدوديّة قبل اكتمال الانسحاب. في 26 كانون الثاني 2025 سجّلت واحدةٌ من أكثر اللحظات دمويةً بعد الهدنة، مع سقوط قتلى وجرحى خلال محاولات العودة والاحتكاك على الأرض، فيما أعلن في اليوم نفسه تمديد ترتيبات التفاهم حتّى 18 شباط 2025.

لم تكن تلك الأيّام مجرّد "حوادث"، كانت إعلانًا مبكرًا بأن الجنوب سيبقى معلّقًا بين رغبة الناس في العودة، وبين خرائط عسكريّةٍ تدار بالتحذير والقنص والغارة، وبأنّ أيّ فراغٍ في التنفيذ سيترجم مباشرةً على أجساد المدنيين. ومع انقضاء مهلةٍ أساسيّةٍ مرتبطةٍ بترتيبات وقف الأعمال العدائيّة، دخل الجنوب لحظةً انفجاريّةً. هكذا بدأ العام، الجنوب يحاول أن يعود إلى حياته، فيما تعاد صياغة قواعد الحركة فيه بالإنذار والغارة واللجنة والخرائط.

عند الوصول إلى 18 شباط، لم يحصل الانسحاب الكامل كما أرادت بيروت. لاحقًا، كرّست الوقائع ما صار يعرف بوجودٍ إسرائيليٍّ مستمرٍّ في خمس نقاطٍ داخل الأراضي اللّبنانيّة، مع إجراءاتٍ ميدانيّةٍ تمنع استكمال انتشار الجيش وعودة سكان القرى الأقرب إلى الخطّ الأزرق. هكذا بدأ يتشكّل "واقع ما بعد التفاهم"، انسحابٌ غير مكتمل، ومنطقةٌ عازلةٌ بحكم الأمر الواقع في أماكن، وهدنةٌ تدار بميزان القوّة أكثر ممّا تدار بنصّ الاتّفاق.

صواريخ "بلا بصمة" تعيد الغارات الثقيلة

في 22 آذار 2025 اهتزّت الهدنة على وقع إطلاق صواريخ من جنوب لبنان باتّجاه إسرائيل، تلاه ردٌّ إسرائيليٌّ بقصفٍ وغاراتٍ على مناطق جنوبيّة. ما جعل هذا اليوم بالغ الحساسيّة هو "الغموض"، نفي حزب الله مسؤوليّته، وإعلان الجيش اللّبناني العثور على منصّاتٍ وإجراءاتٍ ميدانيّة، ما فتح الباب أمام سيناريو "الرصاصة المجهولة" التي تكفي وحدها لتوسيع الاستهدافات. منذ تلك الجولة، صار واضحًا أنّ أيّ إطلاقٍ، حتّى لو بقي مجهول الفاعل، سيستخدم كمدخلٍ لعودة الضربات الواسعة، وأنّ الجنوب يعيش فوق فتيلٍ قابلٍ للاشتعال بلا إنذار.

بعد جولة آذار، اتّجهت الدولة إلى تثبيت رواية "الضبط" عبر تحقيقاتٍ وتوقيفاتٍ مرتبطةٍ بإطلاق الصواريخ. كانت الرسالة سياسيّةً بقدر ما هي أمنيّة، منع تحويل الجنوب إلى منصّةٍ تدار بلا قرار، وتحصين بيروت أمام ضغطٍ دوليٍّ متزايدٍ عنوانه "تنفيذ 1701 وحصر السلاح". (هذا المسار تزامن مع تصاعد الخطاب الدوليّ حول ضرورة حماية المدنيين واحترام الهدنة، في ظلّ استمرار الضربات).

انتخاباتٌ على الركام

وصل الجنوب إلى استحقاق البلديّات وهو يحمل ندوب الحرب والهدنة معًا. يوم 24 أيّار 2025 جرت الانتخابات البلديّة في الجنوب في ظلّ دمارٍ واسعٍ في القرى الحدوديّة، واعتبرت اختبارًا لحضور القوى السياسيّة، وفي مقدّمها حزب الله وحلفاؤه، بعد أشهرٍ من القصف.

قبل أيّامٍ من الاقتراع، سجّلت غاراتٌ وإنذاراتٌ وإخلاءاتٌ في محيط النبطيّة ومناطق أخرى، فيما شدّدت الحكومة على أنّ الانتخابات ستجري رغم التصعيد. وبعدها، نشرت النتائج الرسميّة لانتخابات البلديّات والاختياريّة في محافظتي الجنوب والنبطيّة عبر وزارة الداخليّة.

السياسيّ هنا لم يكن منفصلًا عن الأمنيّ، الانتخابات كانت جزءًا من معركة "العودة إلى الإدارة المحليّة" في مناطق لا تزال تقصف، ووسيلةً لإظهار "تماسك" اجتماعيٍّ وسياسيٍّ في مواجهة واقعٍ مرير.

حزيران، ضربات "منع الترميم"، وإعادة تعريف الهدف

في 27 حزيران 2025 شنّت إسرائيل موجة غاراتٍ عنيفةٍ على تلالٍ ومواقع قرب النبطيّة، قالت إنّها تستهدف موقعًا كان قد دمّر في الحرب ويجري "إصلاحه، ترميمه"، في رسالةٍ تقفل الباب أمام أيّ محاولةٍ لإعادة بناء بنى عسكريّةٍ جنوبًا. هذا النوع من الضربات أعاد تعريف الهدف، لم تعد المسألة ردًّا على إطلاق نارٍ فقط، بل "سياسة استباقٍ" لمنع إعادة التموضع، وهو ما جعل الجنوب يعيش تحت معادلةٍ جديدة، حتّى الترميم قد يقرأ سببًا للقصف.

في الصّيف، انتقلت الأزمة إلى مستوى "الخطة" و"الجدول الزمنيّ". الضغوط الأميركيّة والإسرائيليّة تكثّفت لدفع الدولة اللّبنانيّة إلى خطواتٍ عمليّةٍ جنوب الليطاني ضمن منطق حصر السلاح، فيما بقي موقف حزب الله رافضًا لأيّ نزع سلاحٍ تحت استمرار الاحتلال والخروقات.

في هذا السياق، صار جنوب الليطاني مساحة اختبارٍ لسلطة الدولة، هل يستطيع الجيش الانتشار الكامل؟ هل يمكن تفكيك بنى غير شرعيّة؟ وهل تقابل إسرائيل ذلك بانسحابٍ فعليٍّ أم بتثبيت النقاط الخمس؟ هذا النقاش لم يعد نظريًّا، بل دخل إلى "المهل" و"المراحل" و"الآليّات".

الناقورة "غرفة السيطرة": الميكانيزم يرفع السقف

مع نهاية الصّيف، عادت الناقورة لتكون مركز الثقل السياسيّ، الأمنيّ. اجتماعات لجنة المراقبة (الآليّة الخماسيّة، الميكانيزم) أصبحت بمثابة غرفة عمليّاتٍ تراجع خرائط الانتشار وتضع "ملاحظات" على التنفيذ، بالتوازي مع تضارب الروايات حول معنى كلّ خطوة، في بيروت تقدّم كاستعادة سيادةٍ تدريجيّة، وفي إسرائيل كشرطٍ لإبقاء الضغط العسكريّ قائمًا حتّى "الاكتفاء". وبموازاة ذلك، برزت وقائع على الأرض تعكس هشاشة أيّ عملٍ ميدانيٍّ قرب الخطّ الأزرق، حتّى إزالة عوائق طريقٍ أو تفتيش نقاطٍ يمكن أن يتحوّل إلى حادثٍ أمنيٍّ معقّد، خصوصًا مع استمرار التحليق والاستهداف.

في الخريف، تثبّت نموذج "الإنذار قبل الضربة" في أكثر من بلدةٍ جنوبيّة، ما جعل السكان يعيشون ليس فقط تحت خطر الغارة، بل تحت تهديدٍ دائمٍ بأن تدار حياتهم اليوميّة عبر رسائل إخلاءٍ وخرائط حمراء. هذا التكتيك كان جزءًا من حربٍ نفسيّةٍ، ميدانيّة، الضغط على الحاضنة الاجتماعيّة، وإرباك العودة، وإظهار أنّ مفاتيح الأمن ليست بيد الدولة وحدها.

تصعيدٌ في اللحظة الأخيرة

كانون الأوّل كان شهر العدّ العكسيّ، اقتراب نهاية السّنة تزامن مع تصعيد الغارات جنوبًا في ظلّ الحديث عن "مهلة" مرتبطةٍ بملفّ السلاح جنوب الليطاني. دبلوماسيًّا، شهدت لجنة الناقورة (آليّة مراقبة وقف النار) تحوّلات، بينها مشاركة موفدين مدنيين، وبحث توسيع الملفات إلى قضايا العودة والمسائل المدنيّة، بما يعكس انتقال الهدنة من ملفٍّ عسكريٍّ إلى تفاوضٍ سياسيٍّ متعدّد الطبقات. ميدانيًّا، تكثّفت الغارات جنوبًا (النبطيّة ومحيطها) مع اقتراب مهلة نهاية العام لنزع السلاح جنوب الليطاني. وذكرت "ذا غارديان" حكوميًّا، أنّ رئيس الحكومة نواف سلام قال في 20 كانون الأوّل إنّ لبنان قريبٌ من استكمال المرحلة الأولى (جنوب الليطاني)، وإنّ "أيّامًا" تفصل عن الإنجاز، مع التحضير لمرحلةٍ لاحقةٍ شمال الليطاني.

سياسيًّا، تحوّل جنوب الليطاني إلى عنوان الدولة، نموذجٌ يفترض أن يثبت القدرة على بسط السلطة، لكنّه بقي رهينة عاملين متلازمين، قدرة الداخل اللّبنانيّ على إنتاج قرارٍ وطنيٍّ قابلٍ للتنفيذ، وقدرة الخارج، خصوصًا إسرائيل، على تحويل كلّ تأخيرٍ أو التباسٍ إلى ذريعةٍ لضربةٍ جديدة. وبين العاملين، بقي المدنيّون هم الحلقة الأضعف، عائدون إلى بيوتٍ مهدّمة، أو منتظرون على أبواب قرى ممنوعة، أو سائرون في بلداتٍ تدار حياتها بخريطة إخلاء.

هكذا تنتهي 2025 في جنوب لبنان، عامٌ كاملٌ من هدنةٍ معلنةٍ لم تنتج سلامًا، بل أنتجت نمطًا جديدًا من القتال، قتالًا متقطّعًا، محسوبًا، لكنه دائمٌ بما يكفي ليمنع عودة الحياة إلى طبيعتها. وانتهى العام من دون حسمٍ للسؤال الأكبر، هل يتحوّل جنوب الليطاني إلى مساحة سيادةٍ فعليّة تقودها الدولة وتقفل باب الذرائع، أم يبقى "مرحلةً أولى" معلّقةً على انسحابٍ غير مكتمل، ونقاطٍ ثابتة، وخرائط إخلاءٍ تعيد تعريف الحركة والوجود؟

بكلّ العبثيّة يدخل السّنة الثالثة من حربٍ أثبتت أنّ لا أحد مسؤولٌ عن هذه البقعة الجغرافيّة، ولا أحد يحميها، لا هي ولا أهلها، بقعةٌ استبيحت عشرات المرّات بكلّ القسوة الممكنة.

تعليقات: