نهر الوزاني في مرمى البوصلة السياحية

الوزاني مقصد اللبنانيين من مختلف المناطق
الوزاني مقصد اللبنانيين من مختلف المناطق


المتنزّهات تكثر قرب نبعه والطرقات إليه غير معبّدة

استطاع أصحاب المتنزهات الواقعة على مجرى نهر الوزاني كسر الجمود المخيم على المنطقة، وخصوصاً بعد حرب تموز 2006. الجنوبيون أثبتوا إصراراً كبيراً على مقارعة العدوان الإسرائيلي على لبنان والتغلب أيضاً على نتائجه. فسارع بعضهم إلى إقامة منشآت سياحية، وإن كانت خجولة، وعلى قد الحال، أو مشاريع زراعية بدلت صورة الماضي المتمثل بأرض محروقة مزروعة بالحقد والألغام، إلى واحة خضراء يمكن القول إنها شكلت قطاعاً منتجاً

تشير البوصلة الجنوبية إلى أن منطقة الوزاني هي الأكثر استقطاباً للزوار الوافدين من المدن والمحافظات اللبنانية المختلفة، وذلك رغم أن هذه المنطقة لا تزال تعاني التهميش الرسمي، فتتربص بعض الحفر شراً بالسيارات العابرة.

نبع الوزاني هو من الينابيع اللبنانية الشديدة الغزارة، وهو امتداد لنهر الحاصباني الذي يرفده شتاء. ويشكل نهر الوزاني الحدود الجغرافية بين جنوب لبنان والجولان السوري المحتل، ويجري خمسة كيلومترات قبل أن يتابع مجراه في فلسطين عند جسر الغجر الذي بناه الأتراك على شكل عقد من الحجر الصلب.

تقوم على ضفة النهر اللبنانية عدة متنزهات تشكل حالياً المتنفس الأساسي لأهالي المنطقة الذين يجدون راحة ومتعة في تمضية عطلة الأسبوع. الأولاد يمارسون هواية السباحة في مياهه النظيفة والخالية من الملوثات. أما الضفة الأخرى للنهر فتتبع الجولان ويفصلها عن الشريط الحدودي منحدر حاد طوله مئة متر تقريباً.

فادي عواضة الذي يملك متنزهاً جنوبي النبع ذكر أن فترة الستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي شهدت نمواً متصاعداً في أعداد زوار المنطقة، لكن الوضع تغير تماماً بسبب الاعتداءات الإسرائيلية التي تعرضت لها المنطقة، وقال عواضة: «من حقنا أن نقيم المشاريع والاستثمارات في كل شبر من الأراضي اللبنانية، وصولاً حتى آخر نقطة عند الشريط الحدودي، ووجود مثل هذه المتنزهات قرب الحدود هو أكبر تحدٍّ ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين ألغوا كل مظاهر الحياة عند مجرى النهر خلال سنوات الاحتلال الطويلة»، وأضاف: «يُستغل الجزء الأكبر من مياه النهر بإقامة مشاريع سياحية وبرك صناعية لتربية الأسماك، فيما يستخدم فائض الماء في أعمال الزراعة وري البساتين، والباقي يصب في بحيرة طبريا». يلفت عواضة وأصحاب المتنزهات الأخرى إلى أنها أُقيمت بمجهود شخصي بعيداً عن الاهتمام الرسمي، ورغم تواضعها إلاّ أنها استطاعت جذب الزوار من مناطق لبنانية بعيدة، ويعود السبب في ذلك إلى سببين رئيسيين: يتمثل الأول في موقعها، فهي عند الحدود الدولية، والثاني يعود إلى غزارة المياه ونظافتها.

يقول عواضة: «نستضيف أحياناً عائلات من مناطق بعيدة تأتي للتعرف إلى المنطقة الحدودية وما يسمى الخط الأزرق، وهذا ما يسترعي الإنتباه الى ضرورة تشجيع هذه الظاهرة لتتحول إلى سياحة حدودية أسوة بباقي الدول»، ويضيف: «تشهد عطلة نهاية كل أسبوع حركة ناشطة وعجقة زوار، وتتراجع باقي الأيام لتقتصر على عائلات ذوي الدخل المحدود، وغالبيتهم من أهالي قرى وبلدات المنطقة. وثمة زوار آخرون يترددون إلى متنزهاتنا أسبوعياً ويأتون من البقاع وبيروت وصيدا ومناطق جنوبية». وطالب عواضة الجهات الرسمية المعنية بإعادة تأهيل بعض الطرقات الجنوبية، وخصوصاً المؤدية إلى الوزاني، مشيراً إلى أن إقفال طريق العمرة بمكعبات إسمنتية لدواعٍ أمنية ألحق ضرراً بنشاط المتنزهات. وطالب بإعادة فتحه أمام الوافدين لأنه يسهل حركة الانتقال نحو قرى جبل عامل.

إذاً صار نهر الوزاني محطة رئيسية لأبناء المنطقة وكل قاصد، لكن أعضاء من قوات الطوارئ الدولية حضروا إلى المنطقة أخيراً، ونبهوا إلى خطورة تجاوز النهر نحو الجهة المقابلة، مبدين تخوفهم من أن يقوم بذلك الصبية الذين يمارسون السباحة، وقال عواضة: «كان ردنا أن الأراضي المقابلة هي سورية وهؤلاء صبية يلهون في مياه النهر ولا داعي للقلق». وطالب بضرورة وضع لافتات سياحية على الطرقات العامة ترشد السياح والزوار إلى هذه المنطقة.

قاصدو الوزاني والمتنزهات القائمة على ضفاف النهر يبدون إعجابهم بجمال المنطقة، وإن سجل بعضهم عتبه على السلطة الحاكمة التي تهمل هذا المرفأ السياحي. ورأت زينب ونادرة زيبارة ضرورة تفعيل دور هذه المنشآت وتشجيع أصحابها على إدخال تحسينات من شأنها جذب السياح، «لأن الهدوء المخيم هنا يندر وجوده في مكان آخر، وهذا بفضل المقاومة التي استطاعت الانتصار على العدو وتحرير الأرض المحتلة عام 2000، كما أن غزارة مياه النبع ونظافتها توفران فرصة السباحة والاستجمام بعكس غير أماكن أخرى كثيرة في لبنان ترتفع في مياهها نسبة التلوث. والمعروف أن مياه نهر الوزاني مقدسة لأنها تشكل أحد روافد نهر الأردن.

ركان حسان (من مدينة طرابلس) جاء برفقة 15 آخرين، ويقول: «اجتزنا مسافة تزيد على 200 كيلومتر بحثاً عن الهدوء والأمان، وهذا الموقع يوفر المواصفات المطلوبة، ولا خوف لدينا رغم محاذاته للشريط الحدودي، لكن هناك بعض العوائق التي تواجه الزائر، كبعض الحفر في الطرقات التي تفتقر أيضاً إلى الإنارة الليلية، وعلى الدولة القيام بخطوات تشجيعية وتقديم مساعدات لأصحاب المتنزهات، كأن تقوم بإدراج منطقة الوزاني على الخريطة السياحية لتكون منطلقاً لقيام سياحة حدودية».

ورأت عايدة عبد الرحمن زهرة «الكويت» أن الجنوب اللبناني من أجمل المناطق اللبنانية وقالت: «نمضي فصل الصيف في لبنان حيث كانت وجهتنا سابقاً أماكن قريبة من العاصمة بيروت، لكن بعد هذه الزيارة إلى منطقة الوزاني تبدلت الآراء رغم بعض الخوف نتيجة حادث الدردارة الذي استهدف قوات اليونيفيل. الأوضاع اليوم هادئة ومرضية ونحن نتنقل بواسطة تراخيص مرور صادرة عن القوى الأمنية».

ودعا وحيد الكندري إلى ضرورة توفير شروط لتنشيط السياحة قرب الوزاني، كتعبيد الطرقات، وتوفير النظافة التامة والكهرباء، وقال: «هذه الأمور يجب تحسينها خدمة للقطاع السياحي وللمواطنين المتمسكين بأرضهم قرب الشريط الحدودي، ولقد جئنا من دولة الكويت لقضاء فصل الصيف في لبنان، وهذه السنة أردنا تغيير وجهة سيرنا نحو الجنوب المحرر، وقد استقبلنا أهله بترحيب ولقينا معاملة حسنة. هذه الأرض لبنانية عربية نشجع على زيارتها والإقامة فيها، وما شاهدناه على امتداد الطريق من إعادة إعمار، ظاهرة لافتة تبعث الأمل في النفوس، هذه المنطقة حدودية غنية بمياهها، ومؤهلة لأن تكون مرتكزاً لمجمعات سياحية حدودية أسوة بباقي الدول التي تتخذ من حدودها الطبيعية أماكن سياحية تكون مقصداً للسياح من كل أنحاء العالم. هذه المياه نعمة لأهالي المنطقة يجب المحافظة عليها وإبقاؤها خارج دائرة التلوث، وهذا الأمر يكون بالتعاون والتنسيق بينهم وبين الدولة والبلديات».

وقد شكلت قضية المياه على الحدود ملفاً خلافياً مؤجلاً بين لبنان وإسرائيل، إذ إن حصة لبنان في مياه الحاصباني والوزاني تقدر بنحو 45 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، بعيداً عن أي مخطط زراعي قد ينفذه لبنان مستقبلاً في حوض هذا النهر. وفي دراسة أجرتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني عن المياه السطحية والجوفية في جنوب لبنان، تبين أن إجمالي كمية المياه التي تنساب إلى إسرائيل بالسيلان السطحي والانسياب الجوفي لا تقل عن 340 متراً مكعباً من المياه، وهي تعادل ما بقي للجنوب اللبناني من مياه قرابة 365 متراً مكعباً سنوياً.

--------------------------------------------------------------------------------

ممارسات الاحتلال الإسرائيلي

لم يكن نبع الوزاني بمنأى عن الأطماع الإسرائيلية، وخصوصاً خلال فترة الاحتلال، حيث شهد النبع ومحيطه، وصولاً إلى أطراف بلدة الوزاني ومساحات من الأراضي الزراعية عملية تسييج بالشريط الشائك، منع جنود الاحتلال الأهالي من الاقتراب من النبع والاستفادة من مياهه.

ويقول زعل المحمد 75 عاماً أحد أبناء البلدة: «الاقتراب من النبع ومحيطه كان من المحرمات، ويستحيل الوصول إليه بسبب السياج الشائك، وكان هدف الاحتلال الإسرائيلي من ذلك محاولة اقتطاع مساحات إضافية من الأراضي اللبنانية بما فيها مياه النبع، فمد جنوده مضخة مياه عند النبع مهمتها تزويد بلدة الغجر المجاورة مياه الشفة، وكان الفائض يستخدم في ري البساتين والزراعات، وبعد التحرير أزيل الشريط، لكن بعض القرى المجاورة له لا تستفيد من مياهه، ومنها عين عرب والخيام والماري والعباسية. كما أن غالبية المشاريع الزراعية تعتمد على مياه الآبار التي استحدثت بعد التحرير، فيما تذهب مياه النبع إلى داخل الأراضي الفلسطينية وبكميات كبيرة».

تتبع بلدة الوزاني قضاء مرجعيون، تعداد سكانها نحو 300 نسمة يتعاطون الزراعة وتربية المواشي، تبعد عن العاصمة بيروت نحو 120 كيلومتراً. الوصول إليها يكون عبر عدة منافذ: الأول حدودي بمحاذاة الشريط الشائك من تل النحاس مروراً بسهل مرجعيون، ثم الحمامص ومنطقة الوزاني حيث البلدة. المنفذ الثاني من مثلث الخيام مروراً بنبع الدردارة ومثلث باب الثنية ومنه يساراً نحو الوزاني. أما المنفذ الثالث فعن طريق سوق الخان، الماري، عين عرب.

مياه نظيفة للسباحة
مياه نظيفة للسباحة


متى تدرج الوزاني على الخريطة السياحية؟
متى تدرج الوزاني على الخريطة السياحية؟


تعليقات: